ما يجري في أكثر من مدينة وقرية ومنطقة
فلسطينية، من إرهاب وإجرام عصابات
المستوطنين؛ التي أصبح لها اليد الطولى على الأرض في إثارة الرعب بقتل وحرق وتهجير
الفلسطينيين العزّل والسطو على أرضهم وممتلكاتهم، يرسم هالة واسعة من الشك فوق
رؤوس عربية رسمية حددت مشاريعها المستقبلية المرتبطة بالسلام والتطبيع مع جرائم
إسرائيل، ومحاربة وحصار مقاومة الفلسطينيين لهذا الإرهاب.
نتائج هذه المشاريع في فلسطين، وفي جوارها العربي، تشكل امتدادا طبيعيا للقيمة
الإجرامية لسلوك العقل الصهيوني الاستعماري، ونظرته العنصرية لأصحاب الأرض الأصلانيين.
ولا يرقى الشك لمن يقرأ التقارير الواردة من مدن وقرى الضفة المحتلة، ومن غزة
والقدس وجنوب لبنان، أن حكومة بنيامين نتنياهو اليوم تمثل الأب الروحي لعالم
الإرهاب والإجرام.
السياسي العربي والفلسطيني، ليس بحاجة لوثائق وأدلة -وهي بالأطنان- لكي
يستدل على أبوّة إسرائيل للمذابح والجرائم ضد أبناء جلدته، والتي انتفضت شوارع
القارات الخمس ضدها، وضد ارتكاب جرائم الإبادة والحرب وضد الإنسانية، وللمطالبة
بتقديم قادة
الاحتلال للمحاكم الجنائية الدولية. يتم إغفال هذه الحقائق عربيا،
وتزويرها بتشجيع أمريكي إسرائيلي، بتحميل الضحية مسئولية عن أجواء إرهاب المحتل،
وتعطيله مشاريع "
السلام والرخاء" الهادفة إبادة وتهجير الفلسطينيين.
التطور المذكور يستدعي إعادة نظر شاملة لا جزئية، وجدية لا شكلية، ومصحوبة بجرأة عالية في مناقشة مخاطر المشروع الصهيوني على قضايا عربية تخص السيادة والأمن، فإن للبعض رؤية أخرى متطابقة مع المشروع الصهيوني باستبدال المخاطر بالوقوف ضد قضاياه وعلى رأسها القضية الفلسطينية
النغمة تعزف على الطرف اللبناني والعربي، لتبريد جرائم الإبادة في قرى جنوب
لبنان، و"غزغزتها" بالنسف الكلي للحياة والمشابه لخان يونس ورفح وبيت
لاهيا، بدعوى أنها تشكل بنى تحتية للمقاومة؛ هي خديعة تافهة يتمسك بها الإسرائيلي،
ويسوّقها الراضخون له في الطرف العربي والفلسطيني على أنها عقبة في وجه "السلام" والتطبيع.
عندما يُنظر للتجربة الفلسطينية، ومحاولة هضم هذه الخديعة التي ابتلعت
بفضلها إسرائيل كل الأرض التي سيقام عليها مشروع "السلام" الذي انتهى لكانتونات
ومعازل مفصولة عن بعضها البعض، وكيف استطاعت إسرائيل إضفاء شرعية على مستعمراتها،
وتشجيع إرهاب المستعمرين فيها ضد الفلسطينيين، وما فرضه الدعم الأمريكي للتجربة
الخديعة والتساهل الغربي معها.. كل ذلك خلق وقائع وتغييرات جغرافية وأمنية مهدت الطريق
لإنهاء مزاعم "السلام"، وإجهاض إقامة دولة فلسطينية، وموت "أوسلو"
الذي انتهى قبل 26 عاما عند اقتحام أرييل شارون للمسجد الأقصى، واحتلال كل المدن
والقرى واندلاع "انتفاضة الأقصى" عام 2000.
منذ ذلك التاريخ، لم تتوقف جهود الاحتلال بالابتعاد عن جوهر أوسلو
والمفاوضات، رغم خديعتها وفتحها أبواب التطبيع، تحصد وتراكم المكاسب والانهيارات
في الجدار الرسمي العربي، تغلغلت منه في العدوان المستمر على غزة وتوسيع الاستيطان
والتهويد والتهجير، وصولا لنسخ جرائم الإبادة في لبنان اليوم، مع تداعيات الحرب
الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لتعزيز نفوذ إسرائيل الاقتصادي والأمني والسياسي
في العالم العربي، وإحداث تطور تاريخي وخطير في تعاطي النظام الرسمي العربي مع
القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في أرضه ومقاومة مستعمره، وربط كل ذلك
بخطاب البعض الذي يتماهى مع سردية صهيونية لوصف ضحاياها بـ"الإرهاب"
والتطرف والعنف، وارتباطهم بأجندات لا تخدم "السلام" في المنطقة، واندفع
البعض لإقامة تحالف أمني وعسكري واقتصادي؛ ميزانه يميل بالمطلق للمصلحة الصهيونية.
ومع أن التطور المذكور يستدعي إعادة نظر شاملة لا جزئية، وجدية لا شكلية،
ومصحوبة بجرأة عالية في مناقشة مخاطر المشروع الصهيوني على قضايا عربية تخص
السيادة والأمن، فإن للبعض رؤية أخرى متطابقة مع المشروع الصهيوني باستبدال
المخاطر بالوقوف ضد قضاياه وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بدل مناقشة أهداف وجدوى
المفاوضات مع إسرائيل والتطبيع معها، والنظر إلى الوسائل والأدوات المستخدمة من
جانب الادارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية لهذا الغرض.
إن "نقاش الساعة" حيث يدور النقاش والجدل، حول ضرورة فتح مفاوضات
لبنانية إسرائيلية، على قاعدة مشتركة تقوم على العداء لمن يقاوم العدوان، نقاش يُحدث
ثغرة جديدة في جدار عربي متهالك، عندما ينفلت النقاش من عقاله في بعض الأحيان،
لتذكير بؤس الفلسطينيين من خياراتهم النضالية ومن تحالفاتهم وأساليبهم، والتركيز
على ضرورة خيار الزحف نحو التصهين وإعدام كل البدائل، والاستسلام لشروط وإملاءات
إسرائيل ورغباتها، على أساس الكلفة العالية المترتبة من المواجهة، ومراكمة التمنين
والمزايدة الكلامية والتنظير على القضية وشعبها.
نزعة الهروب العربي من الموعظة الفلسطينية، والتمسك بمواعظ أمريكية إسرائيلية
في واقع عربي مريض ومتردٍ، لا يمكنها أن تكون بديلا سائدا في معظم الشوارع
العربية، فقصر النفس وعدم الاستعداد للمواجهة، وتقديم الانفكاك الانتهازي عن
القضية الفلسطينية، وقطع شرط الترابط والمصلحة مع شعبها، يؤشر لنقطة تفوق صهيوني،
ولنقاط ضعف قاتلة مرتبطة بخلل مزمن سببه التخلي عن مقدرات المواجهة العربية لمخاطر
المشروع الصهيوني عليها، ومواجهته أصبحت "بغيضة" للهروب الفلسطيني
والعربي منها نحو الحضن الصهيوني.
الهروب نحو حلول قسرية فُرضت بإملاءات تحكمها علاقات الغطرسة والقوة والسيطرة والعدوان، نتائجها سقوط معادلة الأرض مقابل السلام، والتمسك بسلام مفروض بجرائم إبادة وتوسع، والفوز بمديح أمريكي لهذا الزعيم وذاك المذهل والرائع والمحب والثري
فلا يتصور أحد ما، وخصوصا في بعض النظام العربي، أنه يتمتع بمنزلة في العقل
الصهيوني الفاشي تفوق مكانة الشعب الفلسطيني عند حَمَلة فتاوى وأساطير تلمودية
وتوراتية عنهم، وعن أصحاب الأرض الأصليين، مسلمين ومسيحيين، بدوا وعشائر وسكانا
مدنا وقرى بعيدين وقريبين، ولمن يود فتح جعبة الحمالين والاطلاع على ما فيها من
قيح عنصري، عليه أن لا يهرب من تصريحات بن غفير وسموتريتش ونتنياهو وعميحاي، ولا
من فتاوى الحاخامات وتنظيماتهم الإرهابية على الأرض، والتي تكشف الطريق جيدا لمن
أراد النظر ومواجهة الحقائق.
أما من سيواصل الهروب من دروس ومواعظ التجربة الفلسطينية، فعليه الاستعداد
فعلا لبناء الهيكل المزعوم ولترانسفير جماعي، والنظر إلى أين وصل إرهاب عصابات "تدفيع
الثمن" وغيرها في قرى ومدن الضفة والقدس، والاستمرار في الهروب من مواعظ وعبر
فلسطينية تجربتها إفلاس واندثار، لأن التعايش والتطبيع مع بنية استعمارية كان ضربا
من الوهم. وفي تجربة المفاوضات والتطبيع العربي الفلسطيني مع هذه البنية براهين
كثيرة، عن تزايد البؤس والمشكلات الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مع الهروب نحو حلول قسرية فُرضت بإملاءات تحكمها علاقات الغطرسة والقوة والسيطرة
والعدوان، نتائجها سقوط معادلة الأرض مقابل السلام، والتمسك بسلام مفروض بجرائم
إبادة وتوسع، والفوز بمديح أمريكي لهذا الزعيم وذاك المذهل والرائع والمحب والثري،
وتلك مفردات بديلة عن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية،
ومبادرة السلام العربية التي لا يجرؤ أحد على إسماعها لصاحب المدائح، بدل تمجيد
الهزيمة ومقت المقاومين كحل يعفي من مراجعة الخيارات المهددة للمصائر.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.