الحذر من مرآة العنصرية في وجه الفلسطيني السوري

نزار السهلي
"السوريون المشاركون في المظاهرات المساندة للأسرى وضد الاعتداءات على أرضهم ليسوا بحاجة لتحريض الفلسطيني"- الأناضول
"السوريون المشاركون في المظاهرات المساندة للأسرى وضد الاعتداءات على أرضهم ليسوا بحاجة لتحريض الفلسطيني"- الأناضول
شارك الخبر
بالقدر الذي يلجأ إليه خطاب بعض المحسوبين على الثورة السورية، بالإفصاح عن لغةٍ منحدرة وموازية لهجوم اكتسح مواقع التواصل الاجتماعي على الفلسطينيين، على خلفية مظاهرات التضامن مع الشعب الفلسطيني وأسراه ضد القوانين الفاشية، وبالقدر الذي دفع مجموعة من الغوغاء لمهاجمة سفارة الإمارات بدمشق، غضبا من اعتقال سلطات الإمارات لأحد القيادات العسكرية (عصام بويضاني) قبل عام من الآن، وربط غضب السوريين وتعبيرهم بأنه مدفوع من قبل بعض الفلسطينيين المحسوبين على إيران وحماس والقيادة العامة، ثم اتهام كل الفصائل والفلسطينيين عموما؛ تكون المؤامرة قد وصلت إلى قاعها.

طريقة تعاطي البعض مع ما حدث، إن كان في مظاهرات الجنوب السوري وبعض المحافظات الأخرى وصولا لمظاهرة ما بعد صلاة الجمعة من المسجد الأموي، ثم التوجه إلى سفارة الإمارات، بدوافعها وأسبابها وشعاراتها، غير مرتبطة بسكان المخيمات الفلسطينية، لعدة أسباب، منها أن مظاهرة مخيم اليرموك للتضامن مع الأسرى انطلقت داخل حدود المخيم بشعارات معروفة ومحددة، لم تزح عن هذه البوصلة، ولو افترضنا مشاركة بعض الفلسطينيين مظاهرات أشقائهم وكان لبعضهم مخالفات فهو يخضع كالسوري للقوانين والأنظمة.

ما يؤلم ويحز على العنق كالسكين، اعتبار تضامن السوريين مع أشقائهم ضمن خانة "المؤامرة" والأجندات غير الوطنية، وخروج دعوات لطردهم، أو تسخيف مطالبهم وغضبهم

ومن جانب آخر، السوريون المشاركون في المظاهرات المساندة للأسرى وضد التوغل الإسرائيلي اليومي وضد الاعتداءات على أرضهم وقراهم في الجنوب، هم ليسوا بحاجة لتحريض الفلسطيني للتسلح بوطنية وإنسانية وكرامة وعزة للتعبير عنها بالدفاع عن أرضهم أو قول كلمة وشعار عالٍ بوجه الاحتلال، وتلك مسؤولية السلطة بحمايتهم ودعمهم وتأمين نزولهم للشارع.

أما الإفصاح الرديء عن عنصرية اتجاه الفلسطينيين وقضيتهم، من قبل بعض "نخب" الثورة السورية أو من سوريين مدفوعين بغريزة العنصرية والانتقام، وتحريض بعض المنصات الصهيونية على ذلك بنسب بيانات عسكرية غوغائية لعسكر بعض الفصائل السورية، بأنها تعود لمرتبطين مع فلسطينيين من حماس وغيرها، ما كان لها أن تتمدد بهذا الشكل المخزي والمؤسف، لولا أن هذه الثقافة العنصرية الانعزالية تعاني من ضعف مزمن من أيام نظام الأسدين الأب والابن، والذي يضطرها هذه الأيام إعادة نشر غسيلها القذر على شرفة القضية الفلسطينية.

ما يؤلم ويحز على العنق كالسكين، اعتبار تضامن السوريين مع أشقائهم ضمن خانة "المؤامرة" والأجندات غير الوطنية، وخروج دعوات لطردهم، أو تسخيف مطالبهم وغضبهم. فكمية الهجوم الذي ظهر في الأيام الأخيرة على صفحات واسعة لسوريين يعتبرون أنفسهم مناضلين أشاوس ضد الديكتاتور الهارب على الفلسطينيين، تدفع للأسى لما كشفته من حقدٍ مقزز، وتشويه مقصود، ومسح فاجر لتضحيات وآلام الشعب الفلسطيني الذي ناله مع شقيقه حصة طافحة من الجرائم تشهد عليها حُفر الإعدام الجماعي في التضامن واليرموك وأقبية فرع فلسطين وبقية الفروع الأمنية، وجثث آلاف الشهداء والمغيبين، وكل زاوية سقط فيها شهداء الجوع والحصار كما بقية المدن السورية، ومن المحزن أيضا تذكير الرعاع والغوغاء بذلك.

تزدحم العقلية المتفتقة على شعار "سوريا أولا" والتحريض على "الفلاسطنة" باتهامهم بالخيانة لمن احتضنهم وما إلى ذلك، استدرجت أدوات مفضوحة ومدعومة إسرائيليا لصب الزيت على نار التحريض، بحجة عدم "الوفاء" والخيانة وتوريط سوريا بمواجهة مع إسرائيل لا طاقة لسوريا مجتمعا ودولة على تحملها، وكأن هناك دعوات أو مطالب فلسطينية رسمية وغير رسمية تدعو لذلك. وهنا بالضبط يقع مأزق المتفتقين، بالنظر لمجتمعهم أولا الذين ينظرون لرفعته ومكانته، هذا المجتمع بشارعه وبقية نخبه يراقب يوميا سلوك عدوه على أرضه، ويقرأ تصريحات المسئولين في إسرائيل عن ضرورة توسع احتلالهم لأرضهم وإنشاء حزام أمني واستيطاني على الأرض السورية، أكثر من قراءته ومتابعته لغوغائية التغطية على كل تلك الصعوبات المهددة لسوريته الأولى.

حراك الشارع السوري ضد العدوان الإسرائيلي يفترض أن يكون غريزيا بدوافع وطنية أخلاقية وبالتعبير المتاح من المظاهرات السلمية، وتلك الغريزة لا تحتاج لـ"مندسين ومتآمرين ومتأيرنين" كما يحب وصفهم المتدربون على درب الفاشية والعنصرية العربية الممتهنة هدم ذاكرة وطنية وشعبية لها دلالة عميقة في التاريخ وروابط الدم والجغرافيا

وفي وجه هذه الصعوبات، التي تقف أمام السلطة الحالية وبعض مطبليها، تبرز أيضا صعوبات التكيف مع العدوان الإسرائيلي المتواصل والقرارات المتخذة للمواجهة، فحراك الشارع السوري ضد العدوان الإسرائيلي يفترض أن يكون غريزيا بدوافع وطنية أخلاقية وبالتعبير المتاح من المظاهرات السلمية، وتلك الغريزة لا تحتاج لـ"مندسين ومتآمرين ومتأيرنين" كما يحب وصفهم المتدربون على درب الفاشية والعنصرية العربية الممتهنة هدم ذاكرة وطنية وشعبية لها دلالة عميقة في التاريخ وروابط الدم والجغرافيا، ناهيك عن الدين والحضارة، فلا السوري كان بحاجة للبعث وأسده ليتيقن مكانة عدالة قضيه فلسطين، وتضامنه مع أشقائه، ولا الفلسطيني يقاوم ويدافع عن أرضه لأن إيران تريد ذلك، فهذه أسباب تزييف يفترض أن الثورة انتصرت عليها.

لا أحد ينكر حجم وخطورة المخاوف التي تثار مع كل مرحلة، تحقق فيها إسرائيل سحقا شاملا، وفي أن يستخدم هذا السحق لسلاح بيد أنظمة عربية، وبيد أذرعها، من أجل إدخال الفلسطينيين والعرب عموما في لعبة مفرطة من جلد الذات، فارتباك الوضع الداخلي في سوريا الاقتصادي والاجتماعي والأمني، انعكاس لمظاهر مأزق العدوان الإسرائيلي على الأرض السورية والعربية، قبل أن يدعي المتحذلق الثوري أن سببه فلسطين وشعبها، وبعد أن أصبحت محاججة الدلالة على هوية المتظاهر فوق شرفة السفارة لاستعادة ثقافة وتربية نظام كانت سببا في هلاكه.

حملة التحريض على الفلسطينيين في سوريا، من البعض الواسع طبعا، تذكرنا بالعنصرية العربية التي مورست على المحرض نفسه في أماكن كثيرة في عالم العرب والغرب، وما زالت حتى اليوم، وتذكرنا بالفاشية الصهيونية التي تطالب بسحق العرب كلهم ومعاملتهم كالصراصير والأفاعي، منتصرين ومهزومين، أنظمة وشعوبا، هذه مرآتنا المشتركة التي يحاول البعض النظر إلى وجهه فيها أنه الناجي الوحيد أو الضحية الفريدة، وينبغي له طرد الجميع من إطار العدالة والإنسانية، لا الانتباه للمرآة الصهيونية التي يرانا من خلالها عتاة الفاشية في إسرائيل. فكل ما سبق يستدعي الحذر من الضخ والتضخيم بقدرة بسطاء المخيمات تثوير محافظات ومدن سورية، إلا إذا علقت آمال مشتركة من مطلقي الشتائم على الفلسطينيين ومهاجمي سفارة الإمارات مع أصحاب البيانات العنترية لفصائل عسكرية سورية، على تعبئة نخشى من تكرارها.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)