خط الإبادة الأصفر وحدود "إسرائيل الكبرى"

نزار السهلي
"تغيير المنطقة الجيوسياسي أعلن عنه نتنياهو في وقت مبكر من بدء الحرب العدوانية على غز"- جيتي
"تغيير المنطقة الجيوسياسي أعلن عنه نتنياهو في وقت مبكر من بدء الحرب العدوانية على غز"- جيتي
شارك الخبر
الذين رأوا بعمق سلوك العدوان الإسرائيلي في غزة على مدار عامين، وما حمله من جرائم انتهكت كل الخطوط الحمراء للقانون الدولي، من خلال الصمت عن جرائم الحرب والإبادة وضد الإنسانية، يعرفون كم أصبحت هذه القاعدة راسخة في العقل الصهيوني، ويعرفون أيضا أن التراجع عنها غدا مستحيلا، ويدركون أن المحاولات الأمريكية الإسرائيلية التي تجري لاختراق الأمن العربي كله تحت مسميات عديدة وقديمة جديدة في شن العدوان، وفي السلام والتطبيع، وصولا للإخضاع والهيمنة المطلقة، مكتوب عليها الفشل أيا كانت القوة التي يتبجح بها الرئيس الأمريكي ترامب وبنيامين نتنياهو وعصبته الفاشية في إسرائيل.

تثبيت قاعدة الأمن الإسرائيلي في الخطوط التي حددها نتنياهو باللون الأصفر، بدأها قبله أرئيل شارون ببناء جدار الفصل العنصري عام 2002، والذي ابتلع 46 في المئة من مساحة الضفة المحتلة والقدس، وبالخطوط الحمراء التي هدم معها الاستيطان المتغول ما تبقى من أرضٍ تبنى عليها مشاريع وأوهام كثيرة للسلام، وخطوط السيطرة على المياه والموارد الطبيعية، وخطوط إقامة معازل عنصرية للسكان الأصليين. فالإعلان الإسرائيلي عن خطوط أمنية في الجنوب اللبناني، يوازي تماما لنهجه في غزة؛ باتباع سياسة الأرض المحروقة، وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، من خلال عمليات التهجير، والتدمير الشامل للمدن والقرى والأراضي الزراعية، وبنفس الذرائع التي يسمعها العالم كله عن أمن إسرائيل التي يمنحها حق تجاوز كل الشرائع والأعراف الدولية، من دون أن يكون لأحدٍ في المنطقة حق الدفاع عن نفسه وأرضه ومواجهة العدوان.

العالم تفرج على الخط الأصفر في غزة وتعرف على حدوده القاتلة يوميا، من مجرم حرب يستعلي على القانون الدولي والإنساني، وشاهدَ جريمة الإبادة الجماعية والمذابح في غزة ولبنان، إذ حددت إسرائيل الخط الأصفر في غزة ولبنان كمناطق يجري التعامل معها وفق المنطق الأمني لإسرائيل القائم على إبادة المناطق المسيطر عليها لضمان عدم عودة الحياة إليها، ولم تعلنه صراحة في الجانب السوري من الجولان وصولا لمناطق الجنوب السوري، لكنها تعمل عليه بنفس النهج، أي تأمين الحزام الأمني لإسرائيل في مناطق "أعدائها" بحسب الرواية الإسرائيلية، وهذا لا يعني أن كل شيء في مناطق الحزام الأمني ستكون على ما يرام، بل أقرب للتفجير المستمر للأوضاع.

الهاجس الأمني الإسرائيلي، القائم على احتلال الأرض والسيطرة عليها بالقوة وقتل سكانها وتهجيرهم واستيطانها، ينحي الأوهام التي تحاول فرضها إسرائيل مع الولايات المتحدة في كل أوقات الصراع ومنذ أكثر من سبعة عقود، وهي تستدرج الشعب الفلسطيني وشعوب عربية الى حواف الكارثة، وأثخنت أجساد بنيه بالجراح والمذابح وبمزيد من الفجائع وخيبات الأمل. ومن هنا نصل إلى القول بأن خطوط الأمن الإسرائيلي تكمن في شهية غير نهائية من التوسع، فتغيير المنطقة الجيوسياسي أعلن عنه نتنياهو في وقت مبكر من بدء الحرب العدوانية على غزة 2023، ولبنان وسوريا ثم إيران. وتؤكد القرارات الإسرائيلية الواضعة خطوطها الصفراء، والكاسرة للحمراء في قانون إعدام الأسرى، وغيرها من القوانين الفاشية، وبما لا يدع مجالا للشك، أن إسرائيل لم تعد تحسب أي حساب لما هو موجود في المنطقة من شعوب وأنظمة، بعد أن أمنت عواقب المجتمع الدولي المنافق.

مواصفات خطوط جرائم الإبادة الإسرائيلية بألوانها الصفراء والحمراء، أنها تتمدد خارج المنطقة الجغرافية لحدود فلسطين المحتلة، وبدون عوائق دولية ومحلية، كما أنها ترسم مصيرا تراجيديا للجغرافيا العربية والإقليمية كتدابير لازمة لـ"الدفاع عن النفس" وضد التهديدات المحتملة. بكلمة أخرى، توضح إسرائيل سماحها لجيشها بإحداث جرائم الإبادة بنسف مباني القرى والمدن والبنى التحتية وبمنع السكان من العودة إليها، في كل حالات العدوان الذي تشنه، أو في وقت الهدنة أو وقف إطلاق النار، وتصبح هذه المواصفات من وجهة نظر المجتمع الدولي الغارق في إهانات واستعلاء كل من ترامب ونتنياهو، مسائل يمكن حلها بالتفاوض الذي ترغب إسرائيل من ورائه استسلام أو إذعان المنطقة لها.

وهكذا نجد أن ردود الفعل العربية تجاه الخطوط الإسرائيلية العدوانية، تتراوح بين تصريحات بعض المسئولين الخجولة وبين مذكرات الاحتجاج الصامتة إلا في حالة توجيه سؤال متعلق بها، وهي ردود فعل تأخذ طابع الديمومة، والآن بعد أن قامت إسرائيل بإنهاء خطوط "الهدنة" مع سوريا ولبنان، وتجاوزت كل الخطوط بما يتعلق بالقدس والاستيطان وإعادة احتلال كل فلسطين ومحاصرة السلطة الفلسطينية داخل حصارها الأساسي بالعجز.

تدرك إسرائيل وقيادتها السياسية والأمنية أهمية تكتيكها الجديد في رسم الخطوط والاستيلاء على أرضٍ عربية، باعتبارها أنسب التكتيكات ملائمة لاستراتيجيتها القائمة على قضم سريع يخدم هدفها التوسعي، هذا فضلا عما فرضته استراتيجيتها الأمنية من ضرورات نقل المعركة خارج حدود احتلالها لفلسطين، وأخذ المبادرة بدعم أمريكي لتوجيه ضربات لأي خصم في ثلاث جهات جغرافية؛ لبنان وغزة وسوريا، ثم إضافة إيران كجهة جغرافية بعيدة، لكنها استطاعت فرض خطوط سيطرة جوية عليها بإسناد أمريكي، والتفاخر بتبديل مكانتها العدائية في قلب النظام العربي والاستعاضة عنها بإيران و"الإرهاب".

مقابل هذا كله، ينمو إدراك شعبي عالمي، يهز إسرائيل وخطوطها وصورتها المزيفة، ويقض مضاجع حليفها الأمريكي، من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا، والتي نجمت وترتبت عن الأصل والجوهر الكاشف للطبيعة الاستعمارية الصهيونية وخصوصيتها الوحشية القاسية، وأن تبيان الحقائق العدوانية لإسرائيل ولخطوط جرائم الإبادة من الأصفر إلى الأحمر؛ يحدد الأساس الذي لا يمكن تجاوزه أو إخفاؤه باستحالة التعايش والسلام مع قاعدة راسخة في العقل الصهيوني، ولا يمكن تحويل الوتد الاستعماري إلى رأس جسر مربوط بخيوط الإرهاب والقتل والاستيطان والتهجير، ويدعي زورا نواياه بفرض "سلام"؛ مؤشراته الحاسمة تقوم على توسع وهيمنة إفشالها مرهون بقدرة العرب على مسك وتحديد خطوطهم غير الباهتة في اللون والمعنى والفعل، لمحو كل خطوط العدوان التي ستتمدد كحدود لـ"إسرائيل الكبرى".

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)