غارات الدقائق العشر في لبنان: حين يصبح القتل الجماعي “كفاءة عملياتية”

محمود الحنفي
"لا يحتاج المرء إلى أن يكون محاميا دوليا ليدرك أن ما حدث يتجاوز أي تفسير مشروع للقانون الدولي الإنساني"- الأناضول
"لا يحتاج المرء إلى أن يكون محاميا دوليا ليدرك أن ما حدث يتجاوز أي تفسير مشروع للقانون الدولي الإنساني"- الأناضول
شارك الخبر
 أولا: ليست مجرد عبارة إعلامية

عندما تنشر جهة عسكرية بيانا تتباهى فيه بأنها نفذت "نحو 100 ضربة خلال 10 دقائق"، فإنها لا تقدم مجرد معلومة تقنية، إنها تعلن عن فلسفة قتالية جديدة: فلسفة تحوّل الحرب إلى خط إنتاج، والهدف إلى رقم في جدول، والمدنيين إلى "خسائر جانبية" تُحتسب مسبقا. هذه العبارة التي رددتها وسائل إعلام عبرية وعربية ودولية، ووثقها تقرير المفوض السامي لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية، لم تكن حادثة عابرة. كانت إعلان نية مبطنا: "نحن قادرون على قصف مائة موقع في عشر دقائق، فمن يرد الرد فلينظر إلى ساعتنا".

هذا المقال ليس تلخيصا باردا لتقرير حقوقي أصدرته المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)؛ هو محاولة لتفكيك ما حدث في 8 نيسان/أبريل 2026، عندما تحولت بيروت ومدن لبنانية أخرى إلى ساحة تجربة لهذا النموذج الجديد من العنف. وسنرى أن العبارة نفسها، مهما حاول مروجوها تبريرها، تكشف عن انتهاك جوهري لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.

 ثانيا: ماذا حدث في الدقائق العشر ؟ (الوقائع المسجلة)

بحسب التقرير الذي نناقشه والذي يحمل عنوان "غارات الـ10 دقائق"، والذي اعتمد على مصادر رسمية لبنانية (وزارة الصحة، الدفاع المدني، الوكالة الوطنية للإعلام) ومصادر دولية (المفوض السامي، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، منظمة العفو الدولية) وإعلام عربي موثوق، فإن الموجة الضاربة وقعت يوم 8 نيسان/أبريل 2026، حوالي الساعة 2:30 بعد الظهر. واستمرت نحو عشر دقائق، استهدفت خلالها الطائرات الحربية ما لا يقل عن 100 موقع، موزعة على 48 منطقة على الأقل.

بيانات "القلق" و"الإدانة" المعتادة، ثم العودة إلى الحياة الطبيعية. مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة، يصدر بيانا، ثم ينتقل إلى جدول أعماله التالي. وكأن 254 قتيلا في عشر دقائق مجرد بند عابر. هذا الصمت الدولي، وهذا العجز عن تحويل البيانات إلى إجراءات (عقوبات، تحقيقات مستقلة، تعليق مساعدات عسكرية)، هو الذي يشجع على تكرار مثل هذه الانتهاكات

النطاق الجغرافي كان مفاجئا حتى لمن يعرف طبيعة الحرب في لبنان؛ لم تقتصر الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، بل شملت قلب العاصمة: أحياء سكنية وتجارية مكتظة مثل بربور، كورنيش المزرعة، عين المريسة، برج أبي حيدر، المصيطبة، البسطة، عين التينة، وحتى شارع سليم سالم؛ حيث وثقت منظمة العفو الدولية شهادة عيان عن مبنى استهدف مقابل منزلها. كما امتدت إلى جبل لبنان (عرمون، كيفون، بشامون، الشويفات)، وإلى الجنوب (بنت جبيل، صور، صيدا)، وإلى البقاع وبعلبك - الهرمل (دورس، شمسطار، الهرمل).

النتيجة البشرية المؤقتة (غير النهائية) التي أعلنها الدفاع المدني اللبناني بلغت 254 قتيلا و1165 جريحا، مع توزيع جزئي يظهر أن العاصمة وحدها سقط فيها 92 قتيلا و742 جريحا، والضاحية الجنوبية 61 قتيلا و200 جريح، إضافة إلى قتلى في بعلبك والهرمل. اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بصفتها جهة محايدة ذات حضور ميداني، أكدت أن "أكثر من 100 قتلوا" وأصيب "المئات"، بينهم نساء وأطفال وعاملون في المجال الطبي، مع وجود مفقودين تحت الأنقاض.

 ثالثا: القراءة القانونية.. ثلاثة انتهاكات جوهرية

لا يحتاج المرء إلى أن يكون محاميا دوليا ليدرك أن ما حدث يتجاوز أي تفسير مشروع للقانون الدولي الإنساني، لكن دعنا نضع الإطار القانوني بدقة، لأن المسألة ليست عاطفية، بل تتعلق بجرائم يعاقب عليها النظام الجنائي الدولي.

 1. انتهاك مبدأ التمييز

ينص البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (المادة 48) على وجوب التمييز في جميع الأوقات بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. والمادة 52 تضع قرينة لصالح الطابع المدني: أي شيء يُستخدم عادة للأغراض المدنية يُفترض أنه ليس هدفا عسكريا ما لم تثبت الجهة المهاجمة العكس.

في حالتنا، استُهدفت مبانٍ سكنية وشقق في قلب بيروت، في وضح النهار، دون إنذار مسبق. حتى لو كان هناك "عنصر عسكري" داخل أحد المباني -وهو ادعاء لم تقدم الجهة المنفذة دليلا عليه علنا- فإن استخدام أسلحة متفجرة ثقيلة ذات تأثير واسع في منطقة سكنية مكتظة، في وقت الذروة، هو بحد ذاته عشوائية تجعل التمييز مستحيلا عمليا.

 2. انتهاك مبدأ التناسب

المادة 51 من البروتوكول الأول تحظر الهجمات العشوائية، وتعتبر من بينها الهجمات التي يتوقع أن تسبب خسائر مدنية تكون "مفرطة" مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن لأي جهة عسكرية أن تجري تقييم تناسب حقيقي لـ100 هدف في 10 دقائق؟ إن الكثافة الزمنية والتزامن الجغرافي يجعلان من المستحيل القيام بأي إعادة تقييم لحظي، أو تعليق هجوم عندما تظهر مؤشرات على أن الضرر المدني أصبح مفرطا. وجود 254 قتيلا مدنيا، بينهم نساء وأطفال، في عملية استمرت عشر دقائق فقط، هو أقوى دليل على أن التناسب إما أُهمل تماما، أو قُدّر بطريقة لا تتوافق مع أي معيار قانوني.

 3. انتهاك واجب الاحتياطات والإنذار الفعال

القاعدة العرفية 20 في القانون الدولي الإنساني توجب إعطاء إنذار فعال للهجمات التي قد تؤثر على المدنيين، ما لم تمنع الظروف ذلك. والتقرير يوثق، بالاعتماد على اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية، أن معظم الضربات نُفذت "دون إنذارات مسبقة وفاعلة". بل إن الإنذارات التي صدرت لبعض مناطق الضاحية وصور كانت متزامنة تقريبا مع الهجمات، ما يجعلها عديمة الجدوى. وهذا ليس إهمالا تكتيكيا، إنه قرار عملياتي: عدم إعطاء المدنيين فرصة للإخلاء، مع العلم أن الأسلحة المستخدمة ثقيلة وواسعة التأثير. وهذا وحده قد يشكل انتهاكا مستقلا للقانون الدولي الإنساني.

 رابعا: هل ترقى إلى جرائم حرب؟

التقرير الذي نناقشه يتعامل مع هذه المسألة بحذر قانوني لائق، لكنه لا يتردد في الإشارة إلى أن الوقائع المعلنة، إذا ثبتت عبر تحقيق مستقل، قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي. وتحديدا:

- الهجوم المتعمد على المدنيين أو الأعيان المدنية (إذا ثبت أن الأهداف كانت مدنية بحتة أو أن المهاجم تجاهل الطابع المدني عمدا).

- شن هجوم مع العلم أنه سيسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية (وهو ما يبدو واضحا في حالة الكثافة الزمنية والمناطق المكتظة).

- الاعتداء على العاملين في المجال الطبي (حيث أكدت اللجنة الدولية وجود عاملين في المجال الطبي بين الضحايا).

أما بخصوص "الجرائم ضد الإنسانية"، فيقر التقرير بأنها تتطلب إثبات هجوم واسع النطاق أو منهجي ضمن سياسة عامة، وهو ما يحتاج إلى أدلة نمطية وسياقية تتجاوز يوما واحدا. لذا، تبقى هذه التهمة فرضية تحقيق، وليس حكما مسبقا. ولكن حتى بدون الوصول إلى أعلى درجات التجريم، فإن وجود "أساس معقول" للاعتقاد بارتكاب جرائم حرب هو في حد ذاته مكالمة إيقاظ للمجتمع الدولي: إما أن تبدأ تحقيقات جادة الآن، أو تكون شريكا في الصمت.

 خامسا: النقد السياسي.. رسالة بدم لبنان

لا يمكن فصل هذه الغارات عن سياقها الإقليمي؛ التقرير يشير بوضوح إلى أن "الضربات في لبنان جاءت بعد ساعات من الحديث عن ترتيبات تهدئة متصلة بإيران". وبحسب رويترز ومصادر أممية، فإن تنفيذ الموجة الضخمة في نفس اليوم الذي كانت تتصاعد فيه الأحاديث عن خفض التصعيد، أثار مخاوف من "تقويض فرص التهدئة".

هنا يكمن النقد السياسي الأكثر إيلاما: هل كانت هذه الغارات ضرورة عسكرية ملحة؟ أم أنها كانت رسالة مبطنة للمفاوضين على طاولة التهدئة بأن "ثمن أي اتفاق قد يكون أرواح اللبنانيين"؟ وحتى لو افترضنا أن الأهداف كانت عسكرية بامتياز، فإن طريقة التنفيذ (الكثافة الزمنية، عدم الإنذار، استخدام أسلحة واسعة التأثير) تحمل رسالة ثانية: "نحن لا نلتزم بقواعدك، ونحن مستعدون لدفع ثمن مدني باهظ لإثبات نقطتنا".

والأكثر إيلاما هو رد الفعل الدولي؛ بيانات "القلق" و"الإدانة" المعتادة، ثم العودة إلى الحياة الطبيعية. مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة، يصدر بيانا، ثم ينتقل إلى جدول أعماله التالي. وكأن 254 قتيلا في عشر دقائق مجرد بند عابر. هذا الصمت الدولي، وهذا العجز عن تحويل البيانات إلى إجراءات (عقوبات، تحقيقات مستقلة، تعليق مساعدات عسكرية)، هو الذي يشجع على تكرار مثل هذه الانتهاكات.

 سادسا: فجوات التحقيق.. ما زلنا لا نعرف الحقيقة كاملة

لن نكون منصفين إذا تجاهلنا أن التقرير نفسه يعترف بفجوات معرفية كبيرة. وأهمها:

1. غياب قائمة رسمية موحدة بأسماء الضحايا وأماكن الوفاة: الأرقام المتاحة (254/1165) هي "حصيلة غير نهائية" من الدفاع المدني، وقد ترتفع مع انتشال العالقين تحت الأنقاض.

2. عدم توافر تقرير عن أنواع الذخائر المستخدمة في كل موقع: وصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر "أسلحة متفجرة ثقيلة ذات تأثير واسع" مفيد، لكنه غير كافٍ لإثبات العشوائية أو عدم التناسب قضائيا.

3. غياب إحصاء هندسي رسمي بعدد الأبنية المدمرة كليا أو جزئيا، أو عدد الوحدات السكنية المتضررة، أو الأضرار التي لحقت بشبكات الماء والكهرباء.

4. عدم توافر معلومات عملياتية علنية عن عملية اختيار الأهداف، أو تقييم التناسب السابق للهجوم، أو التحذيرات الفعالة من عدمها لكل نقطة.

هذه الفجوات ليست مجرد تفاصيل تقنية، إنها عقبات حقيقية أمام أي مقاضاة جنائية. ولن يتمكن أي تحقيق -وطنيا كان أم دوليا- من الوصول إلى الحقيقة دون سد هذه الفجوات. وهذا يتطلب إرادة سياسية، ودعما دوليا، وحماية للشهود والأدلة.

 سابعا: ماذا بعد؟ توصيات ليست للمناقشة

التقرير يقدم حزمة توصيات، بعضها عملي وقابل للتنفيذ فورا. ألخصها هنا بنبرة نقدية واضحة:

أولا: تحقيق وطني جاد ومستقل؛ لا يكفي أن يصدر القضاء اللبناني بيانا بإدانة العدوان. يجب تشكيل فريق تحقيق متخصص، يضم خبراء في الطب الشرعي والهندسة والاتصالات الرقمية، ويعمل بموجب بروتوكول موحد لتوثيق الأدلة (مثل بروتوكول مينيسوتا وبروتوكول بيركلي). وهذا واجب قانوني على الدولة اللبنانية بموجب القاعدة العرفية 158.

ثانيا: تفعيل آليات المساءلة الدولية؛ إما عبر مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق (إذا توافرت آليات الاختصاص)، أو عبر عقوبات فردية موجهة ضد مسؤولين تتوافر بشأنهم أدلة معقولة. المجتمع الدولي لا يمكنه أن يكتفي بـ"الإدانة" بعد الآن.

كم مرة أخرى سنسمع عن "أكثر من 100 في دقائق" قبل أن يقرر أحد أن حياة المدنيين لا تساوي "ميزة عسكرية" مهما كانت مباشرة وملموسة؟ ومتى سيتوقف التباهي بقتل الناس تحت عنوان "دقة عسكرية"؟

ثالثا: جبر الضرر الفوري؛ عبر إنشاء مسار إداري سريع وشفاف لتسجيل الأضرار، يربط الضحايا بخدمات الدعم الطبي والنفسي، ويمكّنهم من توثيق الأدلة كأساس لأي تعويض مستقبلي. هذا أقل ما يقدم لأسر الشهداء والجرحى.

رابعا: حماية الشهود والمصادر؛ ففي بيئة خوف ونزوح، أي تحقيق جاد يجب أن يضمن حماية هوية الشهود، وعدم إعادة إيذائهم، وجمع الأدلة بموافقة مستنيرة. وهذا ليس مجرد إجراء تقني، بل شرط لصحة الأدلة واستدامتها.

 خاتمة: الدقائق العشر  التي فضحت الجميع

في النهاية، تظل عبارة "100 ضربة في 10 دقائق" أكثر من مجرد رقم" إنها مرآة تعكس تحولا خطيرا في مفهوم الحرب: تحولا يُخضع القانون الدولي الإنساني لمنطق "الكفاءة العملياتية"، ويحوّل حياة المدنيين إلى مجرد عوائق يمكن تجاوزها بـ"خسائر جانبية" محسوبة مسبقا.

لكن العبارة نفسها، وكما يوثق التقرير، تكشف أيضا فشلا جماعيا؛ فشل المجتمع الدولي في ردع مثل هذه الانتهاكات، فشل آليات الأمم المتحدة في تحويل بياناتها إلى أفعال، وفشلا سياسيا عربيا في تقديم أي شيء يتجاوز بيانات الاستنكار.

سيبقى السؤال معلقا: كم مرة أخرى سنسمع عن "أكثر من 100 في دقائق" قبل أن يقرر أحد أن حياة المدنيين لا تساوي "ميزة عسكرية" مهما كانت مباشرة وملموسة؟ ومتى سيتوقف التباهي بقتل الناس تحت عنوان "دقة عسكرية"؟

حتى ذلك الحين، ستبقى عشر دقائق من نيسان/ أبريل 2026 جرحا مفتوحا في ضمير الإنسانية، ودليلا على أن القانون الدولي الإنساني، في غياب الإرادة السياسية لتطبيقه، يصبح مجرد نصوص على الورق.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)