جدلية إغلاق المضائق الدولية في زمن النزاعات المسلحة: قراءة قانونية في تعددية التفسير

محمود الحنفي
"مسألة إغلاق المضائق الدولية في زمن النزاعات المسلحة تمثل نموذجا واضحا للتعقيد الذي يميز القانون الدولي المعاصر"- جيتي
"مسألة إغلاق المضائق الدولية في زمن النزاعات المسلحة تمثل نموذجا واضحا للتعقيد الذي يميز القانون الدولي المعاصر"- جيتي
شارك الخبر
القانون الدولي بين النص الجامد والواقع المتحرك

تثير مسألة إغلاق المضائق الدولية في زمن النزاعات المسلحة نقاشا قانونيا واسعا يتجاوز حدود قانون البحار التقليدي، ليصل إلى صلب العلاقة بين حرية الملاحة الدولية من جهة، واعتبارات الأمن القومي وحق الدولة في الدفاع عن نفسها من جهة أخرى. وفي ظل التصعيدات العسكرية التي يشهدها النظام الدولي بين الحين والآخر، تعود هذه القضية لتطرح سؤالا أساسيا: هل يمكن النظر إلى المضائق الدولية بوصفها مناطق محايدة بالكامل لا تتأثر بالحروب، أم أن القانون الدولي يتيح للدول الساحلية هامشا أوسع من الإجراءات الدفاعية عندما يكون وجودها السياسي أو الأمني مهددا؟

كثير من التحليلات القانونية تميل إلى تقديم إجابة حاسمة على هذا السؤال، مستندة إلى قواعد قانون البحار وإلى مبدأ حرية الملاحة باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد العالمي. غير أن هذا الطرح، على أهميته، لا يعكس دائما التعقيد الكامل للمنظومة القانونية الدولية، التي تتضمن بدورها قواعد أخرى مثل الدفاع عن النفس، وحالة الضرورة، وقانون النزاعات المسلحة البحرية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة أكثر توازنا تعترف بتعدد التفسيرات القانونية الممكنة، بدلا من الاكتفاء بوجهة نظر واحدة تقدم نفسها بوصفها الحقيقة القانونية الوحيدة.

أولا: النظام القانوني للمضائق الدولية وحدود تفسيره
التاريخ الحديث للنزاعات البحرية يظهر أن الدول غالبا ما تلجأ إلى تدابير أمنية واسعة النطاق في مناطق العمليات العسكرية، حتى عندما تكون هذه المناطق جزءا من ممرات ملاحة دولية

ينظم قانون البحار مسألة الملاحة في المضائق الدولية أساسا من خلال نظام المرور العابر (Transit Passage) الذي كرسه قانون البحار المعاصر، ولا سيما في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ويهدف هذا النظام إلى ضمان استمرار الملاحة الدولية دون تعطيل، باعتبار أن كثيرا من المضائق تمثل شرايين حيوية للتجارة والطاقة العالمية.

غير أن هذا النظام لم ينشأ بوصفه قاعدة عرفية خالصة، بل جاء في إطار تسوية تعاقدية معقدة بين الدول الساحلية والدول البحرية الكبرى خلال مفاوضات طويلة استمرت سنوات. ولذلك يرى عدد من فقهاء القانون الدولي أن اعتبار المرور العابر قاعدة عرفية ملزمة لجميع الدول، بما فيها الدول غير الأطراف في الاتفاقية، لا يزال موضع نقاش في الأدبيات القانونية.

وفي الحالات التي لا يُسلّم فيها بوجود المرور العابر، يعود النقاش إلى نظام المرور البريء الذي عرفته اتفاقيات أقدم. صحيح أن هذا النظام أيضا يمنع تعليق المرور في المضائق الدولية من حيث المبدأ، لكنه يمنح الدولة الساحلية مساحة أوسع لتقييم ما إذا كان المرور "بريئا" أو يشكل تهديدا لأمنها. ومن هنا يظهر أن الفارق بين النظامين ليس مجرد مسألة نظرية، بل قد يكون له أثر عملي مهم في زمن النزاعات المسلحة.

ثانيا: المضائق الدولية بين قانون البحار وقانون الحرب

غالبا ما يتم تناول مسألة المضائق الدولية في إطار قانون البحار وحده، بينما تغيب أحيانا الإشارة الكافية إلى أن هذه القواعد وُضعت أساسا لتنظيم الملاحة في زمن السلم. أما في حالات النزاع المسلح، فإن قواعد أخرى تدخل إلى المشهد، أبرزها قانون النزاعات المسلحة البحرية.

وفي هذا السياق، تشير بعض الأدبيات القانونية إلى ما يعرف بدليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المنطبق على النزاعات المسلحة في البحار. ورغم أهمية هذا الدليل بوصفه مرجعا علميا مهما، فإنه لا يمثل معاهدة دولية ملزمة، بل هو في جوهره اجتهاد فقهي جمع آراء عدد من الخبراء في القانون الدولي.

لذلك فإن الاعتماد الحاسم على هذا الدليل لتقرير أحكام قطعية في قضايا تتعلق بالمضائق الدولية قد يثير تساؤلات منهجية، لأن الممارسة الدولية للدول خلال النزاعات البحرية لم تتبلور دائما وفقا لهذه الصياغات النظرية. فالتاريخ الحديث للنزاعات البحرية يظهر أن الدول غالبا ما تلجأ إلى تدابير أمنية واسعة النطاق في مناطق العمليات العسكرية، حتى عندما تكون هذه المناطق جزءا من ممرات ملاحة دولية.

ثالثا: الدفاع عن النفس وحدود حرية الملاحة

يُعد حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة أحد أهم المبادئ في القانون الدولي المعاصر، وقد جرى العرف على أن ممارسة هذا الحق يجب أن تخضع لمعيارين أساسيين هما الضرورة والتناسب. لكن تطبيق هذين المعيارين في سياق المضائق الدولية يثير إشكاليات معقدة. فالدولة التي تتعرض لهجوم مسلح قد ترى أن بعض الممرات البحرية القريبة من سواحلها تُستخدم لدعم عمليات عسكرية أو لوجستية ضدها، سواء عبر نقل معدات أو معلومات استخباراتية أو دعم عمليات بحرية معادية.

في مثل هذه الحالات، قد تعتبر الدولة الساحلية أن فرض قيود مؤقتة على الملاحة يمثل إجراء دفاعيا ضروريا لمنع استخدام المضيق كمنصة غير مباشرة للعمليات العسكرية ضدها. وبينما قد ترى دول أخرى أن هذا الإجراء يمثل انتهاكا لحرية الملاحة الدولية، فإن الجدل القانوني يبقى قائما حول كيفية الموازنة بين هذين الاعتبارين.

رابعا: حالة الضرورة في القانون الدولي للمسؤولية

من الزوايا التي لا تحظى دائما بالاهتمام الكافي في النقاشات القانونية حول المضائق الدولية؛ مسألة حالة الضرورة كما وردت في مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا التي أعدتها لجنة القانون الدولي. تنص هذه المواد على أن الدولة قد تُعفى من المسؤولية الدولية إذا كان الفعل الذي قامت به يمثل الوسيلة الوحيدة لحماية مصلحة أساسية من خطر جسيم وداهم. ورغم أن هذا المبدأ يخضع لشروط صارمة، فإنه يعكس إدراك القانون الدولي لواقع أن الدول قد تواجه أحيانا ظروفا استثنائية تهدد وجودها أو أمنها القومي.

وفي مثل هذه الحالات، قد ترى الدولة المعنية أن بعض الإجراءات التي تبدو في الظروف العادية غير متوافقة مع التزاماتها الدولية تصبح مبررة مؤقتا في إطار الضرورة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المجتمع الدولي سيقبل بهذه الحجج دائما، لكنه يؤكد أن النقاش القانوني في هذه المسائل ليس بسيطا أو أحادي الاتجاه.

خامسا: الأمن القومي وتحديات الحروب الحديثة

تزداد تعقيدات هذه المسألة في ظل طبيعة الحروب المعاصرة، حيث لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على الاشتباك المباشر بين القوات المسلحة، بل أصبحت تشمل أشكالا متعددة من الحرب الهجينة التي تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الاستخباراتية والتكنولوجية.

في هذا السياق، قد ترى بعض الدول أن الممرات البحرية القريبة من سواحلها يمكن أن تُستخدم لأغراض تتجاوز الملاحة التجارية البحتة، مثل دعم عمليات المراقبة أو التنسيق العسكري. ومن هنا فإن تقييم "براءة المرور" يصبح أكثر تعقيدا من مجرد النظر إلى طبيعة السفينة أو حمولتها.

كما أن التصريحات السياسية الصادرة عن بعض الدول بشأن تغيير الأنظمة السياسية أو إضعافها قد تُفسَّر من قبل الدول المستهدفة بوصفها تهديدا وجوديا، الأمر الذي قد يدفعها إلى اتخاذ إجراءات دفاعية واسعة في مناطقها الحيوية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الصعب الفصل الكامل بين الاعتبارات القانونية والأمنية.

سادسا: إشكالية المضائق المشتركة

تزداد المسألة تعقيدا عندما يكون المضيق الدولي خاضعا لسيادة أكثر من دولة. ففي هذه الحالة، لا يتعلق الأمر فقط بحقوق الدولة الساحلية، بل أيضا بحقوق الدولة المجاورة التي تشترك معها في الإشراف على الممر المائي.

وقد يؤدي ذلك إلى نشوء وضع قانوني مركب، حيث تتداخل اعتبارات السيادة مع قواعد الملاحة الدولية. وفي حالات النزاع المسلح، قد تتحول هذه المضائق إلى مناطق عمليات عسكرية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول كيفية تطبيق قواعد قانون البحار في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

النقاشات القانونية حول القضايا الجيوسياسية الكبرى غالبا ما تتأثر بالسياقات السياسية والإعلامية التي تثار فيها. ففي كثير من الأحيان تُستخدم النصوص القانونية بوصفها أدوات في ما يُعرف بـالحرب القانونية (Lawfare)، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى توظيف القانون الدولي لدعم مواقفها السياسية

سابعا: القانون الدولي بين النص والتسييس

من المهم الإشارة إلى أن النقاشات القانونية حول القضايا الجيوسياسية الكبرى غالبا ما تتأثر بالسياقات السياسية والإعلامية التي تثار فيها. ففي كثير من الأحيان تُستخدم النصوص القانونية بوصفها أدوات في ما يُعرف بـالحرب القانونية (Lawfare)، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى توظيف القانون الدولي لدعم مواقفها السياسية.

ولذلك فإن التحليل الأكاديمي المتوازن ينبغي أن يتجنب الانطلاق من استنتاجات مسبقة، وأن يسعى بدلا من ذلك إلى عرض مختلف الاجتهادات القانونية والفقهية التي قد تكون متعارضة في بعض الأحيان. فالقانون الدولي، بخلاف القانون الداخلي، لا يقوم على سلطة مركزية واحدة تفرض تفسيرا موحدا، بل يتشكل من خلال تفاعل مستمر بين النصوص القانونية والممارسة الدولية.

نحو مقاربة قانونية أكثر واقعية

إن مسألة إغلاق المضائق الدولية في زمن النزاعات المسلحة تمثل نموذجا واضحا للتعقيد الذي يميز القانون الدولي المعاصر. فهذه القضية تقع عند تقاطع عدة مجالات قانونية، منها قانون البحار وقانون النزاعات المسلحة وقانون مسؤولية الدول.

ولهذا السبب، فإن أي تحليل قانوني يسعى إلى تقديم إجابة نهائية وبسيطة لهذه المسألة قد يختزل الواقع القانوني أكثر مما يفسره. فالمنهج الأكاديمي الرصين يقتضي الاعتراف بأن هناك تفسيرات متعددة ممكنة للنصوص القانونية، وأن هذه التفسيرات تتأثر في كثير من الأحيان بالظروف السياسية والأمنية التي تواجهها الدول.

إن الهدف الحقيقي للقانون الدولي ليس فرض رؤية أحادية، بل إيجاد توازن بين المصالح المتعارضة للمجتمع الدولي. وفي حالة المضائق الدولية، يتمثل هذا التوازن في محاولة الجمع بين استمرار الملاحة الدولية من جهة، وحق الدول في حماية أمنها القومي والدفاع عن وجودها من جهة أخرى.

ومن هنا، فإن النقاش القانوني حول هذه المسألة ينبغي أن يبقى مفتوحا ومتعددا، بعيدا عن الأحكام القطعية التي قد تعكس موقفا سياسيا أكثر مما تعكس حقيقة التعقيد القانوني الكامن في هذه القضية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)