سواء كانت
إيران جزءا
مباشرا من المشهد أو جرى العمل على تحييدها أو تطويقها، فإن تعقيداتها البنيوية -من
حضورها الإقليمي المتشعب إلى أزماتها الاقتصادية الداخلية- تجعلها عاملا حاضرا في
المعادلة، بالفعل أو بردّ الفعل. ومع إيران أو بلا إيران، تبدو المنطقة مقبلة على
نمط من الحروب المتنقلة: جبهات تُفتح وتُجمَّد، وساحات تُستنزف ثم يُعاد تنشيطها،
وضغوط اقتصادية تترافق مع رسائل عسكرية محسوبة. لم يعد الصراع مرشحا لأن يكون
مواجهة واحدة كبرى، بل سلسلة اختبارات قوة متدرجة، تتنقل بين الجغرافيا والسياسة
والاقتصاد.
لم يكن كلام بنيامين
نتنياهو الأخير عابرا أو مخصصا للاستهلاك الإعلامي، فحين تحدّث عن "محور شيعي
جريح" و"محور سني" يمثله الإخوان المسلمون، ثم أعلن العمل على
تأسيس محور ثالث تقوده تل أبيب ويضم دولا تعارض المحورين معا، واضعا الإمارات
العربية المتحدة واليونان والهند في صلب هذا التشكيل، فإنه لم يكن يصف واقعا قائما
فحسب،
بدل التركيز الحصري على إيران كتهديد مركزي، يجري توسيع الإطار ليشمل كل بنية سياسية أو أيديولوجية يمكن أن تُصنّف ضمن مشروع ممانع أو مشروع إسلام سياسي
بل كان يرسم معالم مرحلة إقليمية جديدة قوامها إعادة هندسة الاصطفافات. التحوّل
في الخطاب الإسرائيلي يعكس انتقالا من مقاربة "إدارة الصراع" إلى مقاربة
"إعادة تعريف العدو"، فبدل التركيز الحصري على إيران كتهديد مركزي، يجري
توسيع الإطار ليشمل كل بنية سياسية أو أيديولوجية يمكن أن تُصنّف ضمن مشروع ممانع
أو مشروع إسلام سياسي سنّي. هذا التوصيف المزدوج يسمح ببناء
تحالفات مرنة عابرة
للتناقضات التقليدية، عنوانها الجامع: مواجهة الإسلام السياسي بشقيه، وضبط أي بيئة
حاضنة له.
الإشارة إلى محور "خاص
بنا" لا تعني مجرد تعاون أمني، بل توحي بإطار استراتيجي طويل الأمد يتقاطع مع
مصالح اقتصادية وطاقة وممرات بحرية. فاليونان تمثل بوابة شرق المتوسط، والهند شريك
صاعد في ممرات التجارة البديلة، والإمارات لاعب مالي- لوجستي مركزي؛ نحن أمام
محاولة لتكريس شبكة مصالح تتجاوز البعد العسكري إلى صياغة منظومة نفوذ.
في هذا السياق، يتقاطع
الخطاب الإسرائيلي مع تحولات أوسع في البيئة الدولية، فتصريحات شخصيات أمريكية
محافظة مؤخرا، ولا سيما ما أشار إليه السيناتور جوش هاولي حول أولوية إعادة ترتيب
الداخل الأمريكي وتقليص الأكلاف الخارجية، تعكس ميلا داخل بعض الدوائر الأمريكية
إلى دعم ترتيبات إقليمية تقوم على تحالفات وظيفية تتولى أعباء المواجهة المباشرة.
هذا لا يعني انسحابا أمريكيا، بل إعادة توزيع للأدوار بحيث تُدار الصراعات عبر
شركاء إقليميين.
هل نشهد إعادة تموضع باردة تُدار عبر الأدوات الاقتصادية والعقوبات والاحتواء، أم أننا أمام مسار تصعيدي يقود إلى مواجهات مباشرة أو حروب بالوكالة؟
إقليميا، يأتي هذا
الطرح في لحظة إنهاك واضحة لمحور المقاومة بفعل الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وفي
ظل تحولات داخل البيئة السنّية بعد موجات الربيع العربي. القراءة الإسرائيلية
تفترض أن اللحظة مؤاتيه لتثبيت وقائع جديدة قبل أن تتبدل موازين القوى مجددا، لذلك
فإن خطاب "المحور الثالث" ليس توصيفا بقدر ما هو إعلان نوايا.
السؤال الجوهري لا
يتعلق بإمكان قيام هذا المحور، بل بطبيعة الردّ عليه. هل نشهد إعادة تموضع باردة
تُدار عبر الأدوات الاقتصادية والعقوبات والاحتواء، أم أننا أمام مسار تصعيدي يقود
إلى مواجهات مباشرة أو حروب بالوكالة؟ التجربة التاريخية في المنطقة تشير إلى أن بناء
الأحلاف الصلبة غالبا ما يسبق الانفجارات الكبرى، خصوصا حين يُعاد تعريف الخصم على
أساس وجودي-أيديولوجي.
من هنا، تبدو المنطقة
أمام مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات عالية المخاطر؛ الاصطفافات تتصلب، واللغة
السياسية تزداد حدّة، ومساحات التسوية تضيق، وإذا كان الهدف المعلن هو منع تشكّل
محاور معادية، فإن النتيجة الفعلية قد تكون تسريع سباق المحاور نفسه. في لحظات
كهذه، لا تكون الحروب نتيجة سوء تقدير فحسب، بل أحيانا نتيجة تخطيط بارد يُعتقد
أنه يعيد إنتاج التوازن بالقوة. لهذا، فإن عنوان المرحلة قد لا يكون "احتواء
التهديدات"، بل ببساطة: حروب قادمة.