هل يدخل غاز لبنان زمن المصادرة الجيوسياسية الإسرائيلية؟!

محمد موسى
"لم يعد السؤال الأساسي ما إذا كان لبنان يمتلك موارد غازية واعدة، بل ما إذا كان قادرا على حماية الإطار القانوني والسيادي الذي يتيح له استثمارها"- عربي21/ علاء اللقطة
"لم يعد السؤال الأساسي ما إذا كان لبنان يمتلك موارد غازية واعدة، بل ما إذا كان قادرا على حماية الإطار القانوني والسيادي الذي يتيح له استثمارها"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
في شرق المتوسط، لم تعد الجغرافيا مجرد خرائط، بل تحوّلت إلى بنية تحتية للصراع، حيث تتقاطع السيادة مع الطاقة، ويتداخل القانون الدولي مع موازين القوة. ضمن هذا السياق، يبرز لبنان كحالة نموذجية لدولة تمتلك موارد واعدة، لكنها تقف على حافة إعادة تعريف حقها في استثمارها.

تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان على نحو 22,700 كيلومتر مربع، وقد قُسّمت إلى عشرة بلوكات بحرية، يشكّل كل من البلوك 8 والبلوك 9 والبلوك 10 ركيزة استراتيجية في الجنوب، بمساحات تقارب 1400 و1742 و1383 كيلومترا مربعا على التوالي. تقع هذه البلوكات ضمن حوض مشرقي غني بالهيدروكربونات، حيث تُقدّر الإمكانات الغازية للبنان بما يتراوح بين 12 و25 تريليون قدم مكعب. وإذا ما قُيّمت هذه الكميات وفق أسعار الغاز العالمية الراهنة، التي تدور في المتوسط حول 7 إلى 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإن القيمة الإجمالية النظرية لهذه الموارد قد تتراوح بين نحو 84 مليار دولار في الحد الأدنى، وقد تتجاوز 250 مليار دولار في السيناريو الأعلى، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تبقى تقديرية وتعتمد على عوامل الاستخراج والكلفة والبنية التحتية والأسواق. ومع ذلك، فإنها تعكس بوضوح أن ما هو على المحك ليس مجرد مورد طبيعي، بل رافعة اقتصادية سيادية محتملة قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد اللبناني.

شرق المتوسط، الذي كان يُفترض أن يتحول إلى مساحة تعاون طاقوي، أصبح ساحة تنافس حاد، حيث تُستخدم الموارد كأدوات ضغط وإعادة تموضع استراتيجي

غير أن هذه الإمكانات لا تُقرأ بمعزل عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، فشرق المتوسط، الذي كان يُفترض أن يتحول إلى مساحة تعاون طاقوي، أصبح ساحة تنافس حاد، حيث تُستخدم الموارد كأدوات ضغط وإعادة تموضع استراتيجي. في هذا الإطار، لا يمكن فصل مستقبل البلوكات اللبنانية الجنوبية عن ديناميات الصراع الأوسع، ولا سيما في ظل مؤشرات متزايدة على انتقال النزاع من طابعه الحدودي التقليدي إلى نمط أكثر تعقيدا يقوم على فرض الوقائع الميدانية. وتكتسب الصورة المرفقة مع تغريدة جيش الاحتلال الإسرائيلي دلالة خاصة في هذا السياق، إذ لا تكتفي بالإشارة إلى انتشار أو نشاط بري، بل توحي بامتداد العمليات نحو المجال البحري.

إن هذا التحول، إذا ما قُرئ ضمن سياقه الاستراتيجي، يعكس انتقالا تدريجيا من مفهوم الاحتلال البري إلى نمط أكثر شمولية يمكن وصفه بالاحتلال المركّب، حيث تتكامل السيطرة على اليابسة مع محاولة فرض حضور أو نفوذ في الحيز البحري المقابل. هذا الامتداد، وإن لم يُعلن بصيغ قانونية صريحة، يحمل في طياته خطر إعادة تعريف الحدود الفعلية للسيادة، ليس عبر الاتفاقات، بل عبر الوقائع المفروضة. في هذا الإطار، يصبح التلويح بإعادة النظر في اتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2022 أكثر من مجرد موقف سياسي، بل أداة ضغط ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة فتح ملفات يُفترض أنها أُقفلت قانونيا. ومع أي تداخل بين السيطرة البرية والامتداد البحري، تتزايد احتمالات تحويل البلوكات 8 و9 و10 من مناطق استثمار محتملة إلى مناطق نزاع أو تجميد، حيث يتردد المستثمرون وتتراجع الشركات الدولية أمام غياب الاستقرار القانوني والأمني.

الانتقال من مرحلة "امتلاك الثروة" إلى مرحلة "إدارتها تحت الضغط" يشكّل الخطر الحقيقي، حيث قد تُفرض شروط سياسية أو أمنية على عملية الاستخراج، أو يُصار إلى تأجيلها

هنا تبرز المقارنة مع حقل غزة البحري كحالة دالة. فهذا الحقل، الذي يحتوي على نحو تريليون قدم مكعب من الغاز، لم يُستثمر منذ اكتشافه قبل أكثر من عقدين، ليس بسبب غياب الجدوى الاقتصادية، بل نتيجة التعقيدات السياسية والأمنية وغياب السيادة الفعلية على قرار الاستخراج. إن ما يجعل هذه المقارنة ذات صلة بلبنان ليس فقط التشابه في وجود الموارد، بل في خطر انتقالها من كونها أصولا سيادية إلى أوراق تفاوض خاضعة لموازين القوى.

بناء على ذلك، فإن التحدي الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على إثبات وجود الغاز أو تقدير كمياته، بل يتمثل في الحفاظ على القدرة السيادية على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج فعلي. إن الانتقال من مرحلة "امتلاك الثروة" إلى مرحلة "إدارتها تحت الضغط" يشكّل الخطر الحقيقي، حيث قد تُفرض شروط سياسية أو أمنية على عملية الاستخراج، أو يُصار إلى تأجيلها إلى أجل غير مسمى.

في المحصلة، لم يعد السؤال الأساسي ما إذا كان لبنان يمتلك موارد غازية واعدة، بل ما إذا كان قادرا على حماية الإطار القانوني والسيادي الذي يتيح له استثمارها. ففي زمن تتداخل فيه الجغرافيا مع الجيوسياسية، وتتحول فيه الطاقة إلى أداة نفوذ، يصبح الحفاظ على هذه البلوكات أكثر من مسألة اقتصادية؛ إنه اختبار لقدرة الدولة على تثبيت موقعها في نظام إقليمي يعاد تشكيله على وقع القوة لا القواعد.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل