لبنان بعد المفاوضات: شبح الانهيار وفرصة الإنقاذ الضائعة

محمد موسى
"ربط مباشر بين الحرب الدائرة والتدهور الاقتصادي المتوقع"- إكس
"ربط مباشر بين الحرب الدائرة والتدهور الاقتصادي المتوقع"- إكس
شارك الخبر
رغم أن وكالة التصنيف الائتماني موديز أبقت التصنيف السيادي للبنان عند مستوى "سي" مع نظرة مستقبلية مستقرة، فإن قراءة متأنية للتقرير الأخير لا تعكس استقرارا اقتصاديا حقيقيا بقدر ما تعكس واقعا أكثر تعقيدا، يتمثل في أن لبنان يقف عند أدنى درجات الجدارة الائتمانية الممكنة تقريبا، وأن أي تحسن أو تدهور مستقبلي بات مرتبطا بعوامل سياسية وأمنية وإصلاحية تتجاوز المؤشرات المالية التقليدية، وليس أقلها ما أفضت إليه نتائج تفاوض واشنطن وما ستعكسه على علاقة لبنان بالمجتمع الدولي اسميا والأمريكي فعليا، ناهيك عن الداخل بكل تشعباته وآرائه التي بات متناقضة لحدود الخطر على السلم الأهلي نفسه.

واللافت أن موديز لم تتحدث عن انهيار وشيك للدولة اللبنانية بقدر ما ركزت على استمرار عناصر الأزمة البنيوية التي انفجرت منذ عام 2019، وفي مقدمتها ضعف المؤسسات، وغياب الإصلاحات الهيكلية، وتعثر إعادة هيكلة القطاع المصرفي والدين العام، واستمرار هشاشة المالية العامة. كما اعتبرت أن قدرة الدولة على استعادة ثقة المستثمرين ما زالت محدودة في ظل غياب رؤية اقتصادية متكاملة للخروج من الأزمة والتي تفاقمت مع الحروب المتلاحقة من عام 2023 إلى اليوم. لقد ربط تقرير موديز بشكل مباشر بين الحرب الدائرة والتدهور الاقتصادي المتوقع.

الحرب لم تكتفِ بتعميق الأزمة، بل أضاعت فرصة نادرة للخروج التدريجي منها. فقبل تجدد المواجهات كانت بعض المؤشرات توحي بإمكانية تسجيل نمو محدود

فالوكالة تتوقع انكماش الناتج المحلي اللبناني بنسبة قد تصل إلى 14 في المئة خلال عام 2026 نتيجة النزوح السكاني، وتراجع النشاط السياحي، وتعطل قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي، إضافة إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية. وهي تقديرات تعكس حجم الصدمة الاقتصادية التي أصابت لبنان في وقت كان الاقتصاد يحاول تحقيق بداية تعافٍ متواضعة بعد سنوات من الانهيار المالي.

من هنا تبرز المفارقة الأساسية: فالحرب لم تكتفِ بتعميق الأزمة، بل أضاعت فرصة نادرة للخروج التدريجي منها. فقبل تجدد المواجهات كانت بعض المؤشرات توحي بإمكانية تسجيل نمو محدود مدعوم بتحسن الموسم السياحي واستقرار سعر الصرف نسبيا وعودة جزء من الحركة الاقتصادية. كما كانت الحكومة تراهن على استقطاب مساعدات واستثمارات لإطلاق مسار إعادة الإعمار والإصلاح. إلا أن الحرب أعادت الاقتصاد إلى نقطة الصفر تقريبا، وأدخلت المستثمرين والجهات المانحة في دائرة انتظار وترقب جديدة.

ولا يمكن فصل الوضع اللبناني عن البيئة الإقليمية الأوسع. فالتقارير الدولية تشير إلى أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط يهدد بدفع عدد من الاقتصادات نحو الركود ويزيد من الضغوط على أسواق الطاقة والتمويل العالمية. وفي حالة لبنان، فإن هذا الواقع ينعكس مباشرة على التحويلات المالية من الخارج، وحركة السياحة الخليجية، وتدفقات الاستثمارات، وهي جميعها تشكل ركائز أساسية للاقتصاد اللبناني.

بدون وقف التصعيد الأمني، والسعي إلى اتفاق مشرف يحفظ كرامة الجميع والسلم الأهلي وإطلاق إصلاحات مالية ومصرفية وإدارية حقيقية، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، سيبقى لبنان يدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتتالية

ومع ذلك، فإن الحديث عن وصول لبنان إلى "حافة الانهيار الكامل" يحتاج إلى شيء من التوازن العلمي. فالاقتصاد اللبناني يعيش عمليا منذ سنوات في حالة انهيار جزئي ممتد، لكنه في الوقت نفسه أظهر قدرة استثنائية على البقاء عبر الاقتصاد النقدي والتحويلات الخارجية ومرونة القطاع الخاص وانتشار اللبنانيين في الخارج. لذلك فإن الخطر الحقيقي اليوم لا يتمثل في انهيار مفاجئ بقدر ما يتمثل في استمرار الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي وفقدان فرص التعافي عاما بعد عام، حيث مشاكل الإقليم التي لا تنتهي والتي تلقي بظلالها على كل البلاد.

خلاصة تقرير موديز والمؤسسات الدولية الأخرى تكشف أن لبنان ليس أمام انهيار تقني جديد، بقدر ما هو أمام خطر ترسيخ الانهيار القائم وتحويله إلى واقع دائم. فالحرب عطلت نافذة التعافي التي بدأت تلوح في الأفق، وأعادت الأولويات من الإصلاح والاستثمار إلى الإغاثة وإدارة الأزمات. وبينما لا يزال الاقتصاد قادرا على الصمود بفضل عوامل داخلية وخارجية معينة، فإن هذا الصمود لا ينبغي أن يُفهم على أنه تعافٍ. فبدون وقف التصعيد الأمني، والسعي إلى اتفاق مشرف يحفظ كرامة الجميع والسلم الأهلي وإطلاق إصلاحات مالية ومصرفية وإدارية حقيقية، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، سيبقى لبنان يدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتتالية، حيث تتحول كل فرصة للخروج من الأزمة إلى فرصة ضائعة جديدة.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)