لبنان في واشنطن: مفاوضات الاستنزاف والموت البطيء؟!

محمد موسى
"ما القيمة الفعلية لأي مفاوضات فيما القتل والتشريد يتوسعان يوميا، والوقائع الميدانية تتقدم على أي مسار سياسي أو دبلوماسي؟"- الأناضول
"ما القيمة الفعلية لأي مفاوضات فيما القتل والتشريد يتوسعان يوميا، والوقائع الميدانية تتقدم على أي مسار سياسي أو دبلوماسي؟"- الأناضول
شارك الخبر
بين مفاوضات لا تقدم ضمانات حقيقية، وتصعيد لا يتوقف، ودولة عاجزة، ومجتمع مرهق، يبقى اللبنانيون أمام سؤال ثقيل: إلى متى يمكن لهذا البلد أن يتحمل قبل الوصول إلى لحظة التحول التي قد تغير لبنان وترسم خريطته ودوره مجددا مع خارطة كل الإقليم!

لم يعد السؤال في لبنان مرتبطا فقط بموعد انتهاء الحرب أو بنتائج المفاوضات الجارية في البنتاغون أو عبر الوسطاء الدوليين، بل أصبح السؤال الأعمق: ما القيمة الفعلية لأي مفاوضات فيما القتل والتشريد يتوسعان يوميا، والوقائع الميدانية تتقدم على أي مسار سياسي أو دبلوماسي؟ فالمشهد القائم يوحي بأن المنطقة تعيش حالة استنزاف مفتوحة، وأن لبنان بات مرة جديدة عالقا بين عجز الداخل وحسابات الخارج، فيما الناس يدفعون الأثمان الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

المشكلة الأساسية أن التجربة التاريخية مع إسرائيل تطرح دائما معضلة جوهرية: ماذا يمكن أن تعطيه المفاوضات مع عدو يقوم مشروعه على القضم التدريجي وفرض الوقائع بالقوة، وليس على تقديم التنازلات؟ فمنذ عقود، تظهر الوقائع أن إسرائيل تتعامل مع أي تفاوض باعتباره وسيلة لإدارة الوقت وتحسين الشروط الميدانية، لا مسارا حقيقيا للوصول إلى تسوية عادلة أو مستقرة. لذلك يبدو لبنان اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد،
التجربة التاريخية مع إسرائيل تطرح دائما معضلة جوهرية: ماذا يمكن أن تعطيه المفاوضات مع عدو يقوم مشروعه على القضم التدريجي وفرض الوقائع بالقوة، وليس على تقديم التنازلات؟
إذ تُدار المفاوضات بينما تستمر الغارات والتصعيد والتضييق والضغط النفسي والاقتصادي على المدنيين، وكأن المطلوب دفع المجتمع اللبناني إلى مرحلة الإنهاك الكامل.

وما يزيد المشهد خطورة أن إسرائيل لا تبدو في وارد الاكتفاء بالضغط العسكري فقط، بل تعمل أيضا على إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في المنطقة عبر فرض وقائع طويلة الأمد. فالحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهات ميدانية، بل أصبحت أدوات لإعادة رسم التوازنات وإضعاف البيئات الداخلية وإخضاع الاقتصادات الهشة وإنتاج وقائع ديموغرافية جديدة عبر النزوح والتفريغ التدريجي للمناطق الحدودية. ومن هنا يصبح الخطر على لبنان مضاعفا، لأن الأزمة لا تتعلق فقط بوقف النار، بل بمصير بلد كامل يواجه خطر التحول إلى ساحة استنزاف دائمة.

في الداخل اللبناني، تبدو الأزمة أكثر خطورة من مجرد مواجهة عسكرية. فالدولة اللبنانية تعاني أصلا من ضعف بنيوي مالي وإداري وسياسي يجعل قدرتها على إدارة أي حرب استنزاف محدودة للغاية؛ اقتصاد بالكاد يعمل، ومؤسسات شبه مشلولة، وانهيار نقدي مستمر، وتراجع في الخدمات الأساسية، وبنية اجتماعية مثقلة بالأزمات منذ سنوات.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح ملف النزوح الداخلي والتشريد من أخطر التحديات المقبلة، خصوصا مع ازدياد أعداد النازحين من المناطق المستهدفة وارتفاع الضغط على المجتمعات المضيفة التي تعاني أساسا من الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية. والأخطر أن الدعم الدولي للبنان لا يزال دون مستوى الكارثة. فالمساعدات الإنسانية المحدودة لا تكفي لمواجهة أزمة بهذا الحجم، بينما يبدو المجتمع الدولي عاجزا أو غير راغب في فرض أي ضغوط فعلية توقف التصعيد الإسرائيلي أو تمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع. حتى الأمم المتحدة تبدو اليوم محاصرة بالعجز السياسي، فيما تتحول القرارات الدولية إلى نصوص بلا قدرة تنفيذية أمام اختلال موازين القوى الدولية والإقليمية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل التحولات التي طرأت على ميزان القوى في المواجهة، فحزب الله الذي دخل المعركة وفق قواعد اشتباك معينة، يبدو بدوره أمام حسابات شديدة الحساسية. فالتوسيع الكبير للمواجهة كما طُرح في بدايات الحرب لم يعد خيارا سهلا في ظل التعقيدات الإقليمية والخشية من حرب شاملة قد تدفع لبنان إلى انهيار كامل. وهنا تظهر معضلة الردع وحدود القوة، إذ إن أي تصعيد واسع يحمل أثمانا هائلة على الداخل اللبناني، بينما الاكتفاء بالمواجهة المضبوطة يترك المجال أمام إسرائيل لمراكمة الضغوط الميدانية والنفسية والاقتصادية، وهذه كارثة الموت البطيء.

وفي البعد الاقتصادي، تبدو الصورة أكثر قتامة. فلبنان الذي لم يتعافَ أصلا من انهياره المالي، يواجه اليوم ضربة إضافية على مستوى الاستثمار والسياحة والتجارة والثقة الخارجية، وأي تصعيد طويل سيعني عمليا هروب ما تبقى من الرساميل، وتعطل القطاعات الإنتاجية، وارتفاع نسب البطالة والفقر، إضافة إلى مزيد من الضغوط على الليرة اللبنانية والبنية المصرفية والمالية الهشة أصلا بحسب التقارير الدولية الأخيرة. وهذا ما يجعل كلفة الحرب الحالية تتجاوز بكثير حجم الدمار المباشر، لأنها تضرب ما تبقى من مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وربما القدرة على النفاذ مستقبلا إلى بر الأمان الذي يغدو بعيد المنال.

كما أن استمرار الاستنزاف يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات الداخلية بطريقة أكثر خطورة، فحين تضيق الموارد وتكبر الأزمات المعيشية، ترتفع تلقائيا منسوب التوترات الاجتماعية والسياسية والطائفية، خصوصا في بلد شديد الحساسية كبنية لبنان (القلة تولد النقار والنقار يولد الشجار). ومع غياب أي أفق اقتصادي واضح،
يصبح لبنان عمليا رهينة لعبة الوقت الإقليمية والدولية، وتحديدا التوازنات الأمريكية الإيرانية. فكل تأخير في التفاهمات الكبرى ينعكس توترا إضافيا على الساحات الهشة وفي مقدمتها لبنان. وكأن البلاد تحولت إلى مساحة انتظار مفتوحة إلى حين نضوج التسويات الإقليمية
يصبح الخوف مشروعا من انتقال الأزمة من حدود الجنوب إلى عمق البنية الداخلية اللبنانية، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار والسلم الأهلي، وهو الثروة الأسمى في زمن التقوقعات.

أما الرهان على الوقت، فقد يكون الأخطر بين كل الرهانات؛ لأن استنزاف المجتمعات والدول لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر التآكل البطيء لقدرتها على الاحتمال. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية، إذ إن استمرار الضغوط الأمنية والمعيشية قد يدفع البلاد نحو تحولات داخلية قاسية، سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو حتى الأمني. وعندها لن تكون الأزمة مجرد مواجهة حدودية، بل أزمة وجودية تهدد فكرة الدولة نفسها.

ومن هنا، يصبح لبنان عمليا رهينة لعبة الوقت الإقليمية والدولية، وتحديدا التوازنات الأمريكية الإيرانية. فكل تأخير في التفاهمات الكبرى ينعكس توترا إضافيا على الساحات الهشة وفي مقدمتها لبنان. وكأن البلاد تحولت إلى مساحة انتظار مفتوحة إلى حين نضوج التسويات الإقليمية، فيما اللبنانيون يواجهون يوميا احتمالات الانهيار الأمني والاجتماعي والاقتصادي.

وعليه، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن الحروب الطويلة لا تترك منتصرين حقيقيين، خصوصا عندما تكون الدول ضعيفة والاقتصادات منهكة والمجتمعات متعبة. وكلما طال أمد الاستنزاف، ارتفعت احتمالات الانفجار الكبير الذي سيدفع الجميع ثمنه، ليس فقط في لبنان، بل في المنطقة بأسرها.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)