في زمن ميسي ولامين يامال.. المنطقة تسأل: أين المآل؟

محمد موسى
"لبنان يبقى أسير معادلة تتجاوز حدوده"- الأناوضول
"لبنان يبقى أسير معادلة تتجاوز حدوده"- الأناوضول
شارك الخبر
ما إن أُسدلت الستارة على مونديال أعاد إلى الأذهان عبقرية ليونيل ميسي، وكرّس صعود لامين يامال بوصفه أحد أبرز وجوه الجيل الجديد، حتى عادت المنطقة إلى واقعها الثقيل. انتهت المباريات، وانطفأت أضواء الملاعب، لكن شاشات الأخبار استعادت صور الدخان، والغارات، والوساطات، والخرائط العسكرية. وكأن العالم العربي لم يُمنح سوى استراحة قصيرة من السياسة، ليعود بعدها إلى السؤال الذي يطارده منذ سنوات: أين المآل؟

لبنان يقف اليوم في قلب هذا السؤال، فالأنظار تتجه إلى الحادي والعشرين من تموز/يوليو، حيث يلتقي رئيس الجمهورية في واشنطن كبار المسؤولين الأمريكيين، في زيارة تأتي بعد اجتماعات روما التي أعادت فتح باب البحث في ترتيبات أمنية وسياسية على الحدود الجنوبية. غير أن ما سبق اللقاء لا يقل أهمية عما قد ينتج عنه، لأن التجارب أثبتت أن المفاوضات في الشرق الأوسط كثيراً ما تسير جنباً إلى جنب مع احتمالات التصعيد، لا بديلاً عنها.

هل تحمل واشنطن جديداً للبنان، أم أن الأولوية الأمريكية ستبقى محصورة في إدارة الأزمة لا حلها؟ وهل يعود بنيامين نتنياهو من واشنطن بضمانات سياسية تسمح له باستئناف العمليات العسكرية، سواء تجاه إيران أو على الجبهة اللبنانية؟ لا

من هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تحمل واشنطن جديداً للبنان، أم أن الأولوية الأمريكية ستبقى محصورة في إدارة الأزمة لا حلها؟ وهل يعود بنيامين نتنياهو من واشنطن بضمانات سياسية تسمح له باستئناف العمليات العسكرية، سواء تجاه إيران أو على الجبهة اللبنانية؟ لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات تدعو إلى الحذر أكثر من التفاؤل. فالولايات المتحدة تبدو معنية بمنع انفجار إقليمي واسع لما يحمله من تداعيات على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه لا تظهر استعداداً لممارسة ضغوط كافية تفرض تسوية نهائية. أما إسرائيل، فما زالت تنظر إلى البيئة الإقليمية من زاوية أمنية بحتة، وترى في استمرار الضغط العسكري وسيلة لتعزيز موقعها التفاوضي والسياسي. وفي الداخل الإسرائيلي، لا تبدو الحرب منفصلة عن السياسة. فطالما أن الانتخابات العامة لم تُعقد بعد، أو لم تدخل الحياة السياسية مرحلة مستقرة، ستظل الجبهات الأمنية جزءاً من الخطاب الانتخابي، وسيبقى الأمن العنوان الأكثر حضوراً في المنافسة بين القوى السياسية.

لقد تحولت الجبهات، من غزة إلى لبنان، ومن إيران إلى البحر الأحمر، إلى أوراق تُستثمر في معركة السلطة، بقدر ما هي ساحات مواجهة عسكرية. وهذا يعني أن لبنان يبقى أسير معادلة تتجاوز حدوده، فأي تقدم في الوساطات قد يتعثر أمام حسابات داخلية إسرائيلية، وأي تهدئة قد تتحول إلى مواجهة إذا تبدلت موازين السياسة في تل أبيب أو تعقدت المفاوضات الإقليمية. وفي المقابل، فإن إيران تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها جزءاً من منظومة ردع أوسع، تربط بين الملف النووي، وأمن الخليج، ومضيق هرمز، والوجود الأمريكي في المنطقة، ما يجعل أي تطور في ساحة ينعكس سريعاً على بقية الساحات.

سيظل لبنان والمنطقة يعيشان على إيقاع الاحتمالات، لأن الحروب لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءاً من المشهد السياسي، فيما باتت الجبهات، للأسف، أحد أبرز عناوين وبطاقات الانتخابات في إسرائيل

وسط هذه الصورة، يبدو اللبنانيون الأكثر دفعاً للأثمان. فبلدهم الذي يرزح تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم، ويعاني من شلل مؤسساتي واستنزاف مالي وهجرة واسعة، لا يحتمل حرباً جديدة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يعزل نفسه عن صراع تتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية، وتتشابك فيه الحسابات العسكرية مع الحسابات الانتخابية.

لقد نجح المونديال في توحيد مشاعر ملايين البشر حول كرة تتدحرج بين الأقدام، لكن المنطقة عادت سريعاً إلى ملعبها الحقيقي؛ ملعب تُرسم فيه الحدود بالنار، وتُكتب النتائج على طاولات السياسة، ويُقاس الانتصار فيه بعدد الجبهات المفتوحة لا بعدد الأهداف المسجلة.

بين ميسي الذي جسّد عبقرية التجربة، ويامال الذي يرمز إلى ولادة المستقبل، يبقى السؤال العربي معلقاً: هل تحمل لقاءات واشنطن بداية مسار جديد يخفف من احتمالات الحرب، أم أنها ستكون مجرد محطة إضافية في إدارة أزمة مفتوحة؟ وحتى تتضح الإجابة، سيظل لبنان والمنطقة يعيشان على إيقاع الاحتمالات، لأن الحروب لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءاً من المشهد السياسي، فيما باتت الجبهات، للأسف، أحد أبرز عناوين وبطاقات الانتخابات في إسرائيل. وعليه، الدم العربي سيظل مستباحاً للأسف، وأحد أكثر مصادر القلق في الشرق الأوسط بأسره.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)