سعي عربي نحو الهلاك

نزار السهلي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
لم يقتصر الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، على إحداث خلخلة خطيرة داخل التفكير اللبناني والعربي وحسب، بل تجاوز ذلك في إعادة نمط التشويه وتزوير بعض المسلّمات لدى الرأي العام العربي حول القضية الفلسطينية من جهة ومكانة إسرائيل من جهة ثانية. وقد أدت عملية التفاوض السريعة إلى تشجيع بعض الأصوات الخجولة من جرح الشعور الوطني والأخلاقي، بالتخلي عن بعض خجلها، والمناداة علناً بما كانت تردده في نطاق ضيق ومحدود، عن القضية الفلسطينية وعن مقاومة الاحتلال وأحقيته في "الوجود"، وبأن المأساة التي تعيشها المنطقة العربية تتلخص بوجود مقاومة هذا الاحتلال، وليس عدوانية مشروعه الاستعماري الواضح الدلالة والنهج والسلوك.

ولأن الولايات المتحدة وإسرائيل استطاعتا من قبل تفريغ التفاهمات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مع أطراف عربية معنية بالصراع، وحققت اختراقات مهمة على جبهة التطبيع أولاً، ثم تحييد وإضعاف مواقف وسياسة عربية معنية بالصراع مع الاحتلال، فإن بقية المواقف الإقليمية والدولية من العدوان الإسرائيلي، وسياساته في المنطقة، تنصبّ على تفكيك العلاقة بين القضية الفلسطينية وبقية شعوب المنطقة، وحصرها تارةً بمحاربة "الإرهاب" وأخرى بالبكاء على "سيادة" الدولة العربية وتضخيم تهديد وجودها من الداخل، مع التساهل الذاتي لإسرائيل باختراق تلك السيادة، والسيطرة عليها تحت مسميات تطبيع وتحالف وسلام وتفاهمات وملاحق أمنية، الغرض من ورائها بسط إسرائيل سيطرتها على المنطقة بمنطق الغطرسة والقوة والإرهاب والشواهد أكثر من طافحة.

إسرائيل تنصلت من أوسلو ومن اتفاق الخليل، وانقلبت على كل التفاهمات مع السلطة الفلسطينية، وأعادت احتلال كل الضفة وتسابق الزمن لضمها وتهويدها، بإقرار مشاريع استيطان ضخمة، وتقتحم الأقصى، وتسيطر على الحرم الإبراهيمي في الخليل، وترتكب جرائم حرب وإبادة جماعية وضد الإنسانية، وتفرض نظام الفصل العنصري حرفياً، على كل بلدة وتجمع ومدينة وحي في فلسطين المحتلة. والسؤال هنا، ما علاقة السياسة الاستعمارية التي تتمسك بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وضد سيادة عربية بالتفاهمات والاتفاقات المبرمة معها، أو مع الولايات المتحدة بخصوص المنطقة؟ لا شيء!

صحيح أن فلسطين خارج التفاهمات بين إيران والولايات المتحدة، ولبنان ماضٍ نحو التطبيع المجاني على حساب سيادته وأمنه بعيداً عن القانون الدولي، وبتهنئة عربية، إلا أن الاحتلال باقٍ على الأرض، ويتحكم بكل شاردة وواردة، وسلوكه الاستعماري يشكل الركيزة الأساس لتفجير مستمر ومتواصل للأوضاع في المنطقة، سواءً تم تجاهل ذلك، أو حاول البعض القفز المستمر والمقصود عنه وعن الحقوق الفلسطينية.

المأزق الحقيقي للفلسطينيين والعرب ليس هزيمة إيران العسكرية، أو خسارة حزب الله المعركة ضد الاحتلال في لبنان، أو التبشير بسحق حركة حماس في غزة، بل رؤيتهم لقضيتهم ولقضايا مجتمعاتهم وحرياتها السياسية والمدنية والديمقراطية، ورؤية العرب للقضية الفلسطينية وموقفهم من الاحتلال ومشروعه الاستعماري عليهم. وقد استطاع الضغط الأمريكي الهائل على سياسة فلسطينية وعربية رسمية، أن يفرض شبه عزلة ذاتية على القضية نفسها، وعلى رؤية العرب لأمنهم، بحيث وُضعت المنطقة كلها في أجواء بعيدة كلياً عن السلام الموجود على ورق التطبيع والتفاهمات والتحالف مع إسرائيل وأمريكا.

فالفلسطينيون والعرب ابتهجوا قبل أشهر بخطة ترامب للسلام في غزة، وكانوا أسرى هذه الخطة المركونة جانباً، بنفس البهجة الباهتة في نفخ مديح أمريكا لرعايتها بطش الاحتلال منذ أوسلو إلى اتفاق الإطار اللبناني الأمريكي الإسرائيلي، وبعضهم مصاب بعمى الرؤية الإسرائيلية، كما حدث مع جميع أسلافهم الموقعين سلاماً زائفاً مع إسرائيل.

من أجل ذلك، وكله، يجب أن لا يقتصر الموقف الفلسطيني والعربي على الانتظار والرهان على وقتٍ من أرضٍ تُستوطن ودمٌ يراق، وأن لا يبقى التصور الرسمي للحلول يسير خلف آراء ونظريات فشلت وتفشل كل يوم. الاحتلال ومشروعه الاستعماري على الأرض هو لب الصراع في المنطقة، وإرهاب وهمجية إسرائيل وتنامي خطاب الفاشيين فيها من أمثال بتسلئيل سموتريتش ونتنياهو وبن غفير وعميحاي وغيرهم، ينذر باستمرار البطش والقتل والدمار، لأن لا عقاب عربيا ودوليا لإسرائيل، ولا حصار عليها.

يمكن للسلطة في لبنان أن تحلم، بوهم "السيادة" وبسط السلطة على الأرض، كما حلمت قبلها سلطة فلسطينية بائسة، واستيقظت على ضياع الأرض وتبديد حلم "الدولة"، وكما تضيع أوهام عربية بالتخلي عن سيادتها لتأمين سيادة صهيونية عليها بمخرجات عدة.

وهناك من يريد لشعوب المنطقة أن تبقى غارقة في أحلام دون أن تتحول لحقيقة، والسؤال الثاني: ألم يحن الوقت الفلسطيني والعربي لاستخدام قوة وحدته ومصالحه؟ الإجابة حتى الآن غير مطمئنة، رغم الجرائم الإسرائيلية والمخاطر الكبرى، حتى التلويح بهذه القوة يفتقدها العرب والفلسطينيون، وأصبحت مشكلتهم عدم معرفة استخدامهم لهذه القوة التي يتحاشاها الجميع، فما يحدث في لبنان وسوريا وعلى أرض فلسطين كلها، في غزة والضفة والقدس وفي الداخل المحتل عام 48، يتخطى كل القواعد والأصول ويزيل فلسطين "الدولة" عن الخارطة، والخطير هنا هو التخلي العربي عن التمسك بمرجعية القانون الدولي لمواجهة العدوان الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال للأرض الفلسطينية والعربية، وإصرار البعض إزالة نفسه من خريطة الصراع، والسعي إلى حتفه بقدمين مقطوعتين، باعتماد فهلوة ونوايا "حسنة" مقابل عدو استيطاني إحلالي استعماري فاشي العقيدة والسياسة والسلوك.

وبتجرّع العربي المستمر لكأس الذل والهزيمة والانبطاح وبتوقيع رسمي، يصبح كل هذا السعي نحو الهلاك هو ثمرة مباشرة لسياسة الانسحاق العربي والفلسطيني أمام الاحتلال وطي كل بدائل المواجهة وتحويل الفوهة نحو الذات، لتكون من المبهجات الإسرائيلية الأمريكية التي تولت إقناع العرب الذهاب نحو حتفهم مستقلين أو مُستعَمرين.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)