آفاق الاستقرار الإقليمي في ضوء اتفاق أمريكا وإيران

محمد كرواوي
"ترتكز هذه المذكرة على منهجية التدرج، أو ما يعرف بآلية خطوة بخطوة"
"ترتكز هذه المذكرة على منهجية التدرج، أو ما يعرف بآلية خطوة بخطوة"
شارك الخبر
تستند المقاربة الدبلوماسية الراهنة بين واشنطن وطهران إلى هندسة سياسية دقيقة، تجلت رمزيتها بقوة بعد إلغاء مراسم التوقيع التي كانت مقررة في جنيف، واختيار قصر فرساي الفرنسي لإنجاز الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ الفوري. هذا التحول المكاني ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل يحمل دلالات جيوسياسية عميقة؛ فهو يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في إشراك أوروبا كضامن مباشر، ويمنح الاتفاق ثقلا تاريخيا يتجاوز كونه مجرد تفاهم تقني.

ترتكز هذه المذكرة على منهجية التدرج، أو ما يعرف بآلية خطوة بخطوة، كمسار تمهيدي يهدف إلى بناء الثقة وتفكيك الأزمات المعقدة تدريجيا، وصولا إلى إبرام اتفاق نهائي وشامل يتجاوز التهدئة المؤقتة. وفي خضم هذا التفاهم الأولي، ترهن إدارة الرئيس دونالد ترامب أي تقدم في مسار رفع العقوبات أو تقديم التسهيلات الاقتصادية بمدى التزام طهران الصارم بتعهداتها الميدانية، مع التركيز على مراقبة وتدقيق سلوكها في الملف النووي ونفوذها الإقليمي. هذا يجعل المذكرة أداة اختبار حقيقية للنوايا، وفرصة لإعادة صياغة توازن القوى في الشرق الأوسط.

مع دخول اتفاق فرساي حيز التنفيذ، يبرز التحدي الإسرائيلي كمتغير حرج يهدد بخلط الأوراق الاستراتيجية. فالقيادة الإسرائيلية تجد نفسها أمام واقع دولي جديد يتعارض مع عقيدتها الأمنية القائمة على الضربات الاستباقية

مع دخول اتفاق فرساي حيز التنفيذ، يبرز التحدي الإسرائيلي كمتغير حرج يهدد بخلط الأوراق الاستراتيجية. فالقيادة الإسرائيلية تجد نفسها أمام واقع دولي جديد يتعارض مع عقيدتها الأمنية القائمة على الضربات الاستباقية. يقودنا التحليل الميداني إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:

يرجح المسار الأول ذهاب المنطقة نحو حرب منفصلة ومحدودة؛ حيث يستمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هجومه العسكري سعيا لتثبيت حزامه الأمني في جنوب لبنان، مستغلا الثغرات القانونية والتفسيرات المتباينة لبنود الاتفاق. في المقابل، يلتزم حزب الله اللبناني بقواعد اشتباك دفاعية مدروسة تمنع انهيار المظلة الدولية للاتفاق وتظهر إسرائيل كطرف معتد. هذا الإصرار الإسرائيلي على العمل خارج الإجماع الدولي سيقود تل أبيب حتما إلى صدام سياسي ودبلوماسي حاد مع واشنطن، التي ترى في الاتفاق إنجازا تاريخيا لإدارتها، مما قد يدفع الولايات المتحدة إلى استخدام أوراق ضغط خشنة، تشمل تقليص إمدادات السلاح والذخائر الدقيقة لإجبار إسرائيل على الانصياع.

يحذر المسار الثاني من إمكانية الانهيار الكامل لاتفاق فرساي والتدحرج نحو مواجهة إقليمية شاملة ومدمرة. وتتحقق هذه الفرضية إذا تجاوزت العمليات العسكرية الإسرائيلية الخطوط الحمراء لطهران وحلفائها، سواء عبر تنفيذ غارات واسعة تستهدف العمق الاستراتيجي، أو تصفية قيادات سياسية وعسكرية وازنة. هذا التصعيد سيدفع حزب الله لشن هجمات صاروخية مكثفة تستهدف البنى التحتية الإسرائيلية الحيوية، وسيجبر الدبلوماسية الإيرانية على إعلان بطلان المذكرة، وإعادة تفعيل جبهات الإسناد في العراق واليمن، وتهديد ممرات الملاحة البحرية. نتيجة لذلك، ستجهض فترة الستين يوما الانتقالية، وتعود المنطقة إلى مربع الصراع الصفري المفتوح على كافة الاحتمالات.

يطرح المسار الثالث احتمال رضوخ إسرائيل للضغوط الدولية والأمريكية المكثفة، والقبول بصفقة لبنانية منفصلة ترتبط عضويا بالمخرجات العامة لاتفاق فرساي. في هذا السيناريو، يتراجع الزخم العسكري الإسرائيلي تدريجيا تحت وطأة الإنهاك الاقتصادي الخانق، وضغوط الجبهة الداخلية المطالبة بعودة النازحين. سيجد نتنياهو نفسه مضطرا للقبول بترتيبات أمنية صارمة لجبهة الشمال، تفضي إلى تراجع قوات حزب الله وراء نهر الليطاني، مقابل انسحاب إسرائيلي كامل وتفعيل آليات مراقبة دولية.

لا يمكن قراءة فرص نجاح هذا الاتفاق بمعزل عن موقف القوى الإقليمية والدولية الأخرى. فدول الخليج العربي تنظر إلى الاتفاق بحذر براغماتي؛ فهي تدعم خفض التصعيد لحماية رؤاها الاقتصادية الطموحة، لكنها تشترط ألا يكون أي تقارب أمريكي-إيراني على حساب أمنها القومي. لذا، ستلعب هذه الدول دور الموازن المالي والدبلوماسي، لضمان عدم توظيف إيران للعوائد الاقتصادية المفرج عنها في تمويل أذرعها.

أما الصين وروسيا، فستؤدي بكين وظيفة الضامن الاقتصادي الظل لطهران، وسيدفعها الاتفاق لتعزيز استثماراتها بعيدا عن شبح العقوبات، بينما موسكو، التي تستفيد من انشغال الغرب في الشرق الأوسط، قد تجد في الاستقرار الإقليمي تحديا لنفوذها إذا ما أدى إلى تفرغ واشنطن كليا للملف الأوكراني، مما قد يدفعها لمحاولة إبطاء مفاعيل الاتفاق.

على هذا الأساس، فإن المسار المتدرج يثبت أن نجاح مذكرة فرساي في إنهاء الحروب لا يتوقف فقط على الالتزام الثنائي بين واشنطن وطهران، بل يرتبط بنيويا بقدرة الإدارة الأمريكية على كبح جماح الأطراف الإقليمية الرافضة وعلى رأسها إسرائيل، ودمج مصالح الحلفاء الخليجيين، لضمان تحول هذا التفاهم التكتيكي إلى بنية أمنية مستدامة في الشرق الأوسط.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل