حين
تتصافح القوى الكبرى لا تكون المصافحة مجرد حركة دبلوماسية عابرة، بل تتحول إلى
خريطة جديدة للمصالح وموازين النفوذ. ومن هنا بدا لافتا أن يبرز اسم
لبنان في سياق
التفاهمات المتصاعدة بين
إيران والولايات المتحدة، رغم أن جوهر المفاوضات يتعلق
بملفات تبدو، للوهلة الأولى، أبعد من الساحة اللبنانية. غير أن القراءة المتأنية
لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط تكشف أن لبنان لم يكن يوما هامشا في الحسابات
الإقليمية، بل ظل واحدا من أكثر الميادين حساسية وتأثيرا في معادلات القوة.
إن إدراج
لبنان في أي تفاهم بين طهران وواشنطن لا يعكس مجرد اهتمام ببلد صغير يعاني أزمات
اقتصادية وسياسية متراكمة، بل يكشف إدراكا عميقا لدى الطرفين بأن الاستقرار
الإقليمي لا يمكن أن يتحقق دون معالجة العقد اللبنانية المتشابكة. فلبنان يمثل
نقطة التقاء بين ملفات الأمن والسياسة والطاقة والحدود والتوازنات الطائفية، وهو
ما يجعله أشبه بمرآة تعكس صورة الصراع الأوسع في المنطقة.
لبنان يمثل نقطة التقاء بين ملفات الأمن والسياسة والطاقة والحدود والتوازنات الطائفية، وهو ما يجعله أشبه بمرآة تعكس صورة الصراع الأوسع في المنطقة
من منظور
إيران، يشكل لبنان أحد أبرز مواقع النفوذ الاستراتيجي التي بنتها عبر عقود طويلة.
فالحضور الإيراني في الساحة اللبنانية لا يرتبط فقط بعلاقات سياسية أو تحالفات
ظرفية، بل أصبح جزءا من رؤية أشمل تتعلق بموقع إيران الإقليمي وقدرتها على التأثير
في معادلات الشرق الأوسط. لذلك فإن أي اتفاق مع واشنطن لا يمكن أن يتجاهل هذه
الورقة، لأن تجاهلها يعني ترك أحد أهم عناصر التوازن خارج دائرة التفاهم.
أما
الولايات المتحدة، فإنها تنظر إلى لبنان من زاوية مختلفة ولكنها لا تقل أهمية.
فواشنطن تدرك أن الانهيار الكامل للدولة اللبنانية قد يفتح الباب أمام موجات جديدة
من الفوضى وعدم الاستقرار، وقد يخلق بيئة خصبة لتصاعد التوترات الأمنية في منطقة
شديدة الحساسية. ولهذا فإن إدراج لبنان في التفاهمات لا يهدف فقط إلى إدارة النفوذ
الإيراني، بل أيضا إلى حماية الحد الأدنى من الاستقرار الذي يمنع انزلاق المنطقة
إلى مواجهات أوسع.
وفي
العمق، يبدو أن لبنان تحول إلى مساحة اختبار لمدى جدية الطرفين في الانتقال من
منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة الخلافات. فحين تتفق القوى المتنافسة على
تخفيف التوتر في ساحة معينة، فإن ذلك يمثل مؤشرا على وجود إرادة سياسية لتجنب
التصعيد الشامل. ومن هنا فإن الحديث عن لبنان لا ينبغي فهمه باعتباره تفصيلا
ثانويا، بل باعتباره جزءا من هندسة إقليمية جديدة يجري رسم ملامحها بهدوء.
غير أن
المسألة لا تتعلق فقط بإيران والولايات المتحدة، بل تمتد إلى شبكة واسعة من
المصالح الدولية والإقليمية. فلبنان يقع عند تقاطع اهتمام دول عربية وغربية عديدة،
كما أن موقعه الجغرافي على شرق المتوسط يمنحه أهمية متزايدة في ظل التحولات
المرتبطة بمشاريع الطاقة والنقل البحري. ولذلك فإن أي تفاهم حوله يحمل في طياته
رسائل تتجاوز حدوده السياسية الضيقة.
الرهان الحقيقي لا يكمن في مجرد ذكر لبنان داخل الاتفاقات أو التفاهمات، بل في قدرة اللبنانيين أنفسهم على تحويل هذه اللحظة الدولية إلى فرصة للخروج من دوامة الأزمات
ومع ذلك،
فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في مجرد ذكر لبنان داخل الاتفاقات أو التفاهمات، بل في
قدرة اللبنانيين أنفسهم على تحويل هذه اللحظة الدولية إلى فرصة للخروج من دوامة
الأزمات. فالتاريخ يعلمنا أن التفاهمات الخارجية تستطيع تخفيف الضغوط، لكنها لا
تستطيع بناء الدول نيابة عن شعوبها. والاستقرار المستدام لا يولد من النصوص
الدبلوماسية وحدها، بل من وجود مؤسسات قوية ورؤية وطنية جامعة وإرادة سياسية
تتجاوز الانقسامات التقليدية.
لذلك يمكن
القول إن حضور لبنان في التفاهم بين إيران وواشنطن ليس صدفة سياسية، ولا مجاملة
دبلوماسية، بل اعتراف ضمني بمكانة هذا البلد في معادلة الشرق الأوسط. فبرغم أزماته
العميقة وتراجع أدواره التقليدية، ما يزال لبنان يمثل عقدة استراتيجية يصعب
تجاوزها عند البحث عن تسويات كبرى في المنطقة.
وهكذا،
فإن السؤال لم يعد لماذا ذُكر لبنان في الاتفاق، بل ماذا سيعني ذلك للبنان نفسه؟
وهل سيكون مجرد بند في تفاهم عابر، أم بداية لتحول أوسع يعيد رسم موقعه في
الإقليم؟ تلك هي المسألة التي ستجيب عنها الأيام المقبلة، حين تتحول الكلمات
السياسية إلى وقائع على الأرض، ويظهر ما إذا كانت المنطقة تتجه فعلا نحو التهدئة
أم نحو إعادة ترتيب الصراعات بأدوات جديدة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.