ليست كل
الحروب تخاض دفاعا عن الأوطان، ولا كل المعارك تشعلها المصالح الوطنية. فثمة حروب
تصنع في غرف السياسة، ثم تسوق بخطاب العقيدة، وتدار بوقود الشعوب. وما يجري اليوم
في الشرق الأوسط يكشف، أكثر من أي وقت مضى، عن محاولة إعادة تشكيل المنطقة وفق
رؤية تخدم مشروعين متداخلين: مشروع بنيامين
نتنياهو للبقاء السياسي، ومشروع دونالد
ترامب لإعادة إنتاج النفوذ الأمريكي بأدوات أقل كلفة وأكثر فاعلية.
إن
القراءة المتأنية للمشهد تظهر أن
الحرب الدائرة ليست حربا بين
العرب وإيران، ولا
هي معركة وجود بالنسبة إلى الدول العربية، بل هي حرب يسعى نتنياهو إلى توسيع
دائرتها حتى تتحول من مواجهة إسرائيلية
إيرانية إلى صراع إقليمي تستنزف فيه القوى
الإسلامية والعربية، بينما تبقى إسرائيل المستفيد الأكبر من إعادة رسم موازين
القوة.
لقد أدرك
نتنياهو أن الاحتلال لم يعد قادرا على تحمل حرب استنزاف طويلة بمفرده، وأن المجتمع
الإسرائيلي يعيش انقساما سياسيا وأمنيا غير مسبوق، وأن استمرار المواجهة المباشرة
مع إيران يفرض أثمانا اقتصادية وعسكرية باهظة. ومن هنا، برزت الحاجة إلى تحويل
طبيعة الصراع من حرب إسرائيلية إلى حرب تقدم بوصفها مواجهة بين السنة والشيعة، أو
بين العرب وإيران، بحيث تتحول إسرائيل من طرف مباشر إلى مستفيد غير مباشر.
عندما يصبح الخلاف المذهبي هو القضية المركزية، تتراجع القضية الفلسطينية إلى الهامش، ويتحول الاحتلال إلى مراقب لصراع يلتهم خصومه بعضهم بعضا. وهنا تتحقق المعادلة التي حلمت بها المؤسسة الصهيونية منذ عقود
إن أخطر
ما في المشروع الإسرائيلي ليس السلاح، وإنما القدرة على تغيير تعريف العدو. فعندما
يصبح الخلاف المذهبي هو القضية المركزية، تتراجع القضية الفلسطينية إلى الهامش،
ويتحول الاحتلال إلى مراقب لصراع يلتهم خصومه بعضهم بعضا. وهنا تتحقق المعادلة
التي حلمت بها المؤسسة الصهيونية منذ عقود: أن يقاتل المسلمون بعضهم بعضا، بينما
تنعم إسرائيل بأكبر قدر من الأمن الاستراتيجي.
أما
الولايات المتحدة، فإن موقفها لا يمكن فصله عن مصالحها الجيوسياسية. فالرئيس
الأمريكي دونالد ترامب ينظر إلى الشرق الأوسط بعين رجل الصفقات أكثر من نظرته إليه
بعين رجل الدولة. ولذلك فإن دعمه لإسرائيل لا ينطلق فقط من اعتبارات أيديولوجية،
وإنما أيضا من حسابات تتعلق بالنفوذ والطاقة وسوق السلاح وإعادة تثبيت القيادة
الأمريكية في عالم يشهد صعود قوى منافسة.
ومن هنا،
يصبح دفع بعض الدول العربية إلى الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران خيارا يحقق
أكثر من هدف؛ فهو يضعف إيران، ويرهق الدول العربية، ويزيد اعتماد الجميع على
المظلة الأمنية الأمريكية، وفي الوقت نفسه يمنح إسرائيل فرصة لتكريس نفسها قوة
إقليمية لا تنازع.
لكن
السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: ماذا ستجني الشعوب العربية من هذه الحرب؟
الجواب،
في الغالب، واضح ومؤلم. فالحروب لا تنتج إلا مزيدا من الخراب، واستنزاف الثروات،
وتعطيل التنمية، وتوسيع دوائر الفقر، وإضعاف مؤسسات الدول. أما المنتصر الحقيقي،
فليس من يطلق أكبر عدد من الصواريخ، وإنما من ينجح في جعل الآخرين يدفعون فاتورة
معاركه.
ولذلك فإن
تحويل الصراع إلى مواجهة طائفية يمثل أخطر انحراف سياسي في المنطقة. فالطائفية
ليست مشروعا للحل، وإنما وسيلة لتفكيك المجتمعات وإعادة تشكيل الولاءات على أسس
مذهبية بدل المصالح الوطنية والقومية. وعندما تُختزل السياسة في الهوية المذهبية،
يصبح العقل أسير الانفعال، وتغدو الحروب أكثر قابلية للاستمرار، لأن الكراهية لا
تعرف سقفا زمنيا.
الشرق الأوسط اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجبهات، بل يحتاج إلى مشروع إقليمي يعيد الاعتبار للتنمية والاستقرار والتكامل الاقتصادي والحوار السياسي. فالقوة الحقيقية ليست في اتساع رقعة الحرب، وإنما في القدرة على منع اندلاعها
إن القضية
الفلسطينية نفسها تعد أكبر المتضررين من هذا التحول. فكلما اتجهت الأنظار نحو صراع
إيراني عربي، تراجعت جرائم الاحتلال في غزة والضفة الغربية عن واجهة الاهتمام
الدولي، وأصبح الحديث عن الاستيطان والتهجير والإبادة أقل حضورا في الإعلام
والسياسة. وهكذا يحقق نتنياهو أحد أهم أهدافه، وهو نقل مركز الصراع بعيدا عن
الاحتلال، وإغراق المنطقة في نزاعات جانبية.
ولا يعني
ذلك تبرئة أي طرف من أخطائه أو سياساته، فلكل دولة حساباتها ومصالحها، غير أن
الحكمة السياسية تقتضي التمييز بين الخلافات الإقليمية المشروعة، وبين تحويل تلك
الخلافات إلى حرب وجود تخدم مشروع الاحتلال أكثر مما تخدم شعوب المنطقة.
إن الشرق
الأوسط اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجبهات، بل يحتاج إلى مشروع إقليمي يعيد
الاعتبار للتنمية والاستقرار والتكامل الاقتصادي والحوار السياسي. فالقوة الحقيقية
ليست في اتساع رقعة الحرب، وإنما في القدرة على منع اندلاعها.
وفي
النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تقنع الشعوب بأن معركة غيرها هي معركتها،
وأن مصالح الآخرين هي مصالحها، وأن الدم العربي والإسلامي يمكن أن يصبح وقودا
لتحقيق أهداف لا تخدم إلا من خطط لها. فالأمم العاقلة لا تقاس بقدرتها على خوض
الحروب، بل بقدرتها على تمييز الحرب التي تستحق أن تخاض من الحرب التي يراد لها أن
تكون فخا تاريخيا. ومن لا يقرأ خرائط المصالح بعين العقل، سيجد نفسه يقاتل في
معركة كتب انتصارها لغيره منذ البداية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.