الحرب التي للعرب فيها ناقة وجمل

نزار السهلي
إن الأمر الذي تجدر معاينته، الآن، هو ما يمكن أن يثمر عنه استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة وعلى بقية المدن الفلسطينية، واستمرار الاحتلال للجنوب السوري وتوسيع توغله هناك، إضافة للعدوان على لبنان.. غيتي
إن الأمر الذي تجدر معاينته، الآن، هو ما يمكن أن يثمر عنه استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة وعلى بقية المدن الفلسطينية، واستمرار الاحتلال للجنوب السوري وتوسيع توغله هناك، إضافة للعدوان على لبنان.. غيتي
شارك الخبر
أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلى تحول عميق في المواقف والاستراتيجيات العالمية المتعلقة بالأمن والطاقة وطرق الإمداد، وفي التحالفات، لكن واحداً من بين هؤلاء الحلفاء لم يتغير، وهو إسرائيل، دول كثيرة حول العالم رفضت الانخراط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وأكدت ضرورة التوافق على حل سلمي للأزمة مع إيران، ودول المنطقة العربية المعنية بتداعيات هذه الحرب كان لها مواقف واضحة أيضا بالانخراط بجهود الوساطة لوقف الحرب، بعدما ورطتها الولايات المتحدة بها وبثقل العلاقة معها، وبما أن المصلحة الإسرائيلية أولاً بالنسبة لإدارة ترامب وتُلح في العمق ما يريده نتنياهو بالضبط لجهة استئناف الحرب، ولأهمية تداعياتها على الأمن العربي وتقويضه، خدمة للأهداف الإسرائيلية، فالمطروح الآن ليس فرزاً للتحولات التي تُقابل بجدية عربية مخاطر مفهومة جداً، وتتعلق بتدمير كل الروابط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تربط دول الخليج ببعضها البعض ومع العالم العربي، وما يربط هؤلاء مع القضية الفلسطينية.

أقصى ما يعول عليه الأمريكي من استئناف الحرب في المنطقة واستمرارها، ليس إضعاف إيران فقط، بل جعل المنظومة الأمنية العربية برمتها هشة، ومنح إسرائيل المكانة المعتادة في المنطقة من التفوق والسيطرة والتحكم، و في القلب من كل ذلك تبديد الحقوق الفلسطينية وتهميش أكثر للقانون الدولي ومتعلقاته المرتبطة بحل الصراع وعملية السلام، في هذا الشأن، نجحت إدراة ترامب في اقرار مجموعة من التفاهمات بين إسرائيل وبعض النظام العربي مع عمليات التطبيع، واتباع ما يمكن تسميته سياسة إملاءات الضرورة التي اقتضتها تبديل "المخاطر" من خلال رغبة بعض الأطراف ربط مصالحها وأمنها مع الاحتلال الإسرائيلي، وفتح علاقتها مع القضية الفلسطينية من باب الانقلاب على مفاهيم أساسية وقانونية وأخلاقية.

أقصى ما يعول عليه الأمريكي من استئناف الحرب في المنطقة واستمرارها، ليس إضعاف إيران فقط، بل جعل المنظومة الأمنية العربية برمتها هشة، ومنح إسرائيل المكانة المعتادة في المنطقة من التفوق والسيطرة والتحكم، و في القلب من كل ذلك تبديد الحقوق الفلسطينية وتهميش أكثر للقانون الدولي ومتعلقاته المرتبطة بحل الصراع وعملية السلام..
وبنفس المنطق "الضرورة" تطرح بعض الأسئلة الكبرى عربياً، عن مدى التحول في المواقف ومراجعة عبء العلاقة مع الولايات المتحدة، وأسئلة مماثلة أمريكيا وغربياً أيضاً عن عبء مماثل عن علاقتهم مع إسرائيل، وإذا أخذنا تصريح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، في هجومه على التأثير الإسرائيلي في السياسة الأمريكية ومحاولاتها المتكررة لتعطيل المسار التفاوضي مع طهران، فذلك يعني محاولة الخروج من مرحلة الفرز والاستقطاب في هذه الحرب التي صنفت فيها أمريكا حلفاءها (الناتو)، واعتبرت العلاقة معهم غير مفيدة، بينما ينظر ترامب لحلفائه العرب مملولين للحرب التي شنها نع إسرائيل ضد إيران، ودون اعتبار لأي مصلحة عربية من تداعياتها الخطيرة عليهم.

يضاف إلى ما تقدم، احتمال أن تحبط الولايات المتحدة وإسرائيل، أي توقعات عربية بشأن إمكان تثبيت أي تحولات عميقة في السياسات العربية، ومنع أي تماسك محتمل للمواقف سواء في التعبير عن الضرر الذي لحق بهم وبأمنهم المشترك نتيجة تقديم المصلحة الإسرائيلية فوق أي اعتبار للمصالح الأمنية والسياسة والاقتصادية العربية، أو في تفريغ أي غضب شعبي ورسمي من العدوان الإسرائيلي وجرائمه في فلسطين، والتي تشكل كما أسلفنا جوهر القضايا، والتي من أجلها تخوض إسرائيل حروبها على المنطقة بدعم أمريكي للقضاء على الحقوق الفلسطينية، وإتمام السيطرة الكلية على الأرض بجرائم الضم والاستيطان والتهجير وإقامة نظام الفصل العنصري، وحروب إسرائيل وتوسعها في المنطقة، لها معادلة شائعة الآن مقايضة ما لدى العرب من أراضٍ وأمن واقتصاد مع إسرائيل مقابل سيطرتها عليهم، ودفعهم للتحالف معها مقابل لاشيء، أي فرض سياسة أمريكية إسرائيلية تقوم على نقض القانون الدولي كله واستبداله وتراجع عن مبادئه وأسسه المتعلقة "بالسلام" وعن تعهداته والتزاماته.

في ضوء ذلك، فإن الأمر الذي تجدر معاينته، الآن، هو ما يمكن أن يثمر عنه استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة وعلى بقية المدن الفلسطينية، واستمرار الاحتلال للجنوب السوري وتوسيع توغله هناك، إضافة للعدوان على لبنان، مع استمرار تحكم قصر النفس والتزاحم المعروف للموقف العربي باتجاه الزحف نحو واشنطن وتل أبيب، والتلكؤ في البحث عن أساسيات تحفظ الأمن العربي، على الأقل فيما يخص وقف العدوان الإسرائيلي ولجم جرائمه ضد الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري، وتدهور الأمن العربي نتيجة توريطه بحرب أمريكا وإسرائيل على إيران لإبعادهم عن النزاع الحقيقي مع المشروع الاستعماري الصهيوني في المنطقة.

أخيراً، الحديث عن استحالة وجود بدائل لتحول عميق في مواقف عربية، وانعدام أي بدائل أخرى لحماية الأمن العربي من المظلة الأمريكية الإسرائيلية، هو تأجيل ضمني لحماية الذات من مخاطر وجودية تهدد الجميع، فالرهانات الخاسرة التي تبناها الجميع على واشنطن، كانت مبنية قطعاً لتوفير الحماية لإسرائيل، وهنا مكمن الخطورة الذي يجب استشفافه منذ أكتوبر 2023، إلى شن العدوان على إيران وردها بعدوان يطال كل المنطقة التي تقول أنها لم تستشر بها، بينما أصحاب المنطقة وناسها يقولون أنهم أصحاب الناقة والجمل والأرض التي يعتدى عليهما لسلبها مقدراتها وتفتيتها، ولعل هذا يطرح على السياسة العربية ومنها الفلسطينية التدقيق ملياً فيما يمتلكون ويخسرون.

وفي سياق تحديد قواعد جديدة للصراع، فإن القول: "لا ناقة لنا ولا جمل في الصراع الحاصل" ليس إلا هروبًا مُجرَّبًا من المسؤولية، ويصبّ، في نهاية المطاف، في مصلحة لصوص المنطقة في تل أبيب وواشنطن، الذين يعززون عوامل القطيعة مع قضاياهم، ويدفعون باتجاه التسليم بأحقية المعتدي عليهم وضرورة الاستسلام له.

ويتجلى ذلك في القول التافه: "ما لنا ومال فلسطين وسوريا ولبنان والسعودية وقطر والأردن والعراق والسودان ومصر وليبيا والكويت والبحرين؟"، في مقابل خطاب صهيوني وتوراتي يجهر بحق إقامة «إسرائيل الكبرى» على أجزاء من الجغرافيا العربية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)