رغم كل سياسات العدوان
الإسرائيلي المستمر، وهجمات
المستعمرين واقتحامات بن غفير للمساجد والقرى والتهديد بفرض التهجير القسري وهدم
المنازل
الفلسطينية، واستمرار حرب الإبادة والحصار على غزة، وثبات السياسة
الأمريكية الداعمة للعدوان على الشعب الفلسطيني، وتعطيل أي مسار لـ"السلام"،
تستمر سلطة رام الله التمسك بما دمره
الاحتلال من شعارات تتعلق بالسلام والقانون
الدولي.
وللمرة الألف بعد المليون تثبت إسرائيل بسياسات واضحة
العدوان والحسم سعيها لمنع قيام دولة فلسطينية على الأرض، بخطوات يلمسها سكان
المدن والقرى والبلدات والتجمعات البدوية والأحياء العربية في مدينة القدس، فكلها
باتت محاصرة بالمستعمرات، والمستعمرون يطوفون حولها وفيها لتنفيذ عمليات قتل وحرق
وسطو على الممتلكات تحت سمع وبصر سلطة لا حول ولا قوة لها، إلا بنفخ شعارات واصدار
مراسيم لا تنفذ على الأرض.
لكأن سياقات الزمن، والمكان أيضا، ترغب أن تقدم وضوح
معادلة التراخي والتساهل الفلسطيني والعربي والدولي مع السياسة الإسرائيلية
الاستعمارية، وقد شكلت لوحة الاستيطان وجرائم الإبادة وخطط التهجير وضم ما تبقى من
الأرض؛ شكل الكيان الفلسطيني الموعود وشكل مستقبل "السلام" المنتظر بعد
انتهاء إسرائيل من وضع الريشة الأخيرة عليها، فإذا كانت السلطة الفلسطينية بعد
أكثر من
إذا كانت السلطة الفلسطينية بعد أكثر من ثلاثة عقود على "أوسلو" لم تألف إبراز نفسها على النحو الذي يفرض عليها كسر تقاليد التمسك بالبند الأمني ومواصلة التنسيق مع المحتل، وفرض حالة قمع شامل لى الشارع الفلسطيني، فإن إسرائيل نفسها تجاوزت كل مألوف
ثلاثة عقود على "أوسلو" لم تألف إبراز نفسها على النحو الذي يفرض عليها كسر تقاليد التمسك بالبند الأمني ومواصلة
التنسيق مع المحتل، وفرض حالة قمع شامل لى الشارع الفلسطيني، فإن إسرائيل نفسها
تجاوزت كل مألوف، وإذا شئنا وفرت ذرائع وحجج قوية لامتلاك السلطة بعضا من شجاعتها
بظهار ما هو غير مألوف.
ليس في كل السياسة الفلسطينية الرسمية ما يبرر تجاهل
الأحداث الجارية على الأرض، وليس المقصود هنا نقلها في وكالة "وفا"
الفلسطينية أو احصاء الاعتداءات وابراز التصريحات المنددة بها على وسائل اعلام،
لكن المؤكد أن هناك استحالة لقول يتبعه فعل حقيقي يوقف بهجة بن غفير وسموتريتش و
يقلب الطاولة على الاحتلال وعلى المجتمع الدولي، لا يريد الشارع الفلسطيني ديباجة
فلسطينية لازمة ومعروفة عن ضرورة تحرك المجتمع الدولي ومطالبة الإدارة الأمريكية
للتحرك للضغط على الاحتلال وقف اعتداءاته، بل يريد الفلسطيني أن تبدأ سلطته
وقيادته وأحزابه وفصائله إطلاق صافرة البدء نحو سياق مختلف وغير مألوف، أقله
الخروج من حالة الهبوط التي غرقت فيها حركة التحرر الوطي الفلسطيني، وصياغة
مشروعها وفق مبادئ التحرر من الاحتلال.
أما حالة التكيف الرسمي الفلسطيني مع العدوان، أنتجت
حالة عربية تكيفت بدورها مع المحتل وطبعت وتحالفت معه حتى تبلغ إسرائيل مرادها كما
بلغته من الفلسطينيين في اوسلو، فالمأزق الذي تعيشه السلطة الفلسطينية وعكسته بحدة
القمع على الشارع مع استمرار العدوان والاستيطان وارتكاب الجرائم،إضافة لاستمرار
الابتزاز الصهيوني والأمريكي للسلطة من باب " إصلاح "ذاتها، تؤشر لعقم
خيارات بائسة من عقلية سياسية هزيلة، وتؤكد في ذات الوقت هشاشة كل ما جرب لعدم
تلبيته الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، فسياسة التردد والانتظار لإطلاق صافرة
نهوض حقيقي وإصلاح علاقة الشارع الفلسطيني بقضيته ومؤسساته الوطنية، خدمت بشكل أو
بآخر عملية تصفية القضية وتجريدها من أوراق قوتها.
رداءة الأداء السياسي الفلسطيني ومن خلفه أداء عربي غادر في زمن التراجع والانهيار، والتحولات العاصفة التي تدفع بالبعض إعلان الإفلاس، والانهيار أمام الهجمة الصهيونية الأمريكية الراهنة على المنطقة
إنها رداءة الأداء السياسي الفلسطيني ومن خلفه أداء عربي
غادر في زمن التراجع والانهيار، والتحولات العاصفة التي تدفع بالبعض إعلان الإفلاس،
والانهيار أمام الهجمة الصهيونية الأمريكية الراهنة على المنطقة. ومن تجليات
الرداءة السياسية الفلسطينية أكثر ما تكون عند طرح قضية معاناة الأسرى وظروفهم،
الذين ومنذ البدايات الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة كانوا في مقدمة الصفوف
وانغمسوا في معمعان النضال ضد الاحتلال وما زالوا، ودفعوا ثمن نضالهم من لحمهم
ودمهم وحريتهم التي لا يساويها شيء، وكان جزاؤهم أن تنصلت منهم السلطة واعتبرتهم
من الماضي الذي يجب نسيانه وتجريمه نزولاً عند شروط سجانهم.
وماذا كانت نتيجة كل هذه الرداءة؟ ما كان مكسبا وإنجازا
تاريخيا للفلسطينيين (
منظمة التحرير الفلسطينية) استبدل بسلطة تعمل على هدم بنائها
ومنع ترميمها ببرنامج إجماع وطني على أسس ديمقراطية، والتخلي عن مكسب الشارع
الفلسطيني وعن كل أشكال مواجهة الاحتلال السلمي والشعبي وحتى الدبلوماسي، لم تعد
هناك من عناوين ساطعة تجذب الشارع والمناضلين الفلسطينيين والعرب، على العكس، تحشد
السلطة قوتها وأذرعها لمحاولة تقزيم أي حالة نهوض في الشارع، وحتى من يسجل حضورا
ومنطق الدفاع السليم عن قضيته ضد الاحتلال.
لم يعد أمام السلطة الفصائل وبقايا منظمة التحرير وكل
القوى، سوى التوجه الجاد نحو إنضاج بدائل وطنية شاملة ببرامجها تستجيب للحظة الراهنة
وترتقي لمستواها وتؤسس بدائل عن رداءة الأداء والعقلية.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.