هناك طفلٌ لا يكبر في داخل العربي. طفلٌ كان
يقف صباحًا في طابور المدرسة، يرفع صوته مع زملائه مرددًا: "بلادُ العربِ
أوطاني.. من الشامِ لبغدانِ، ومن نجدٍ إلى يمنٍ.. إلى مصرَ فتطوانِ". لم يكن
يدرك آنذاك أن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى حدود مغلقة، وأن القصيدة التي بدت
خريطةً واحدة ستصبح بعد سنوات أرشيفًا لعالمٍ تفرّق أكثر مما اجتمع.
ذلك الطفل ما زال حيًا، رغم أن الشعر شاخ،
ورغم أن الخرائط امتلأت بالحواجز والأسلاك والجدران، ورغم أن الأناشيد القديمة لم
تعد تُسمع إلا في ذاكرة جيلٍ صدّق يومًا أن العرب، حقًا، إخوة.
كل خبر يأتي من
غزة يوقظ ذلك الطفل من قسوة
الاعتياد. يطرح أسئلته الأولى ببراءة لا تعرف المناورات: كيف يتقدم العالم إلى هذا
الحد، ثم يعجز عن إنقاذ طفل يبحث عن جرعة ماء؟ وكيف تنجح الإنسانية في ابتكار أكثر
الأسلحة دقة، بينما تعجز عن حماية سرير رضيع من قذيفة عابرة؟
هناك طفلٌ لا يكبر في داخل العربي. طفلٌ كان يقف صباحًا في طابور المدرسة، يرفع صوته مع زملائه مرددًا: "بلادُ العربِ أوطاني.. من الشامِ لبغدانِ، ومن نجدٍ إلى يمنٍ.. إلى مصرَ فتطوانِ". لم يكن يدرك آنذاك أن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى حدود مغلقة، وأن القصيدة التي بدت خريطةً واحدة ستصبح بعد سنوات أرشيفًا لعالمٍ تفرّق أكثر مما اجتمع.
في غزة، لم تعد المأساة مجرد حرب، بل تحولت
إلى امتحان يومي لمعنى الإنسان نفسه. وحين يقف مسؤول أممي أمام مجلس الأمن ليقول
إن النساء والأطفال ما زالوا يُقتلون، وإن المساعدات الإنسانية ما زالت تُمنع، وإن
الضفة الغربية تنزلق بدورها نحو مزيد من الاستيطان والعنف، تبدو الكلمات أصغر من
الواقع. فثمة لحظة يصبح فيها الوصف عاجزًا، لأن الألم تجاوز قدرة اللغة على
احتوائه.
ليست غزة وحدها التي تنزف.
هناك القدس التي يُعاد تشكيلها بالحجارة
والقوانين والوقائع المفروضة. وهناك الضفة الغربية التي تتآكل خرائطها كل يوم تحت
ثقل المستوطنات والطرق العسكرية. وهناك شعب كامل يُطلب منه منذ عقود أن يعتاد
الاستثناء، وأن يعيش مؤقتًا إلى الأبد. لكن ما يؤلم أكثر ليس حجم القوة التي
يملكها
الاحتلال، بل حجم الوهن الذي أصاب المجال العربي نفسه.
كان الأجداد يرددون أن "العود تحميه
حزمته، فإذا تفرقت عيدانه انكسرت واحدًا بعد آخر". لم تكن الحكمة تتحدث عن
الخشب، بل عن الأمم. فالأمم لا تُهزم حين تفتقر إلى الثروة، وإنما تُهزم حين تفقد
القدرة على الاجتماع. ولعل هذه الحكمة البسيطة تختصر قرنًا كاملًا من التاريخ
العربي.
امتلك العرب، في مراحل كثيرة، المال والسلاح
والموارد والبشر، لكنهم فقدوا ما هو أثمن من ذلك كله: الإحساس بوحدة المصير.
ولهذا لم تعد
فلسطين، عند كثيرين، قضية
جامعة، بل ملفًا دبلوماسيًا، أو عنوانًا عابرًا في نشرات الأخبار، أو ورقة في
حسابات السياسة. غير أن فلسطين كانت دائمًا أكبر من السياسة. كانت الاسم الذي
يختبر به العرب علاقتهم بأنفسهم قبل علاقتهم بالعالم. وكلما ضعفت فلسطين، انكشف
مقدار ما أصاب الجسد العربي من وهن.
ليست القضية إنقاذ غزة وحدها، بل إنقاذ فكرة
العدالة من الانهيار، وإنقاذ القانون الدولي من التحول إلى نصوص لا تُطبَّق إلا
على الضعفاء، وإنقاذ الضمير الإنساني من اعتياده رؤية الأطفال يُنتشلون من تحت
الركام كما لو أن ذلك مشهد يومي عادي.
ربما لم يعد أحد يصدق الشعارات القديمة،
وربما لم تعد الأجيال الجديدة تحلم بوحدة رومانسية كما حلم السابقون. لكن الحد
الأدنى الذي يحتاجه هذا الزمن ليس المستحيل، بل استعادة معنى التضامن قبل الحديث
عن الوحدة، وإدراك أن الأمن القومي ليس خطوطًا على الخرائط، بل ذاكرة مشتركة،
ومصيرًا مشتركًا، وقيمًا مشتركة. فالذين يعجزون عن حماية أضعف أطفالهم، يعجزون، مع
مرور الزمن، عن حماية مستقبلهم.
ويبقى ذلك الطفل شاهدًا على كل شيء. كلما
رأى طفلة في غزة تحمل شقيقها بين الأنقاض، استعاد صوتًا قديمًا يردد: "وكل
العرب إخواني". ثم ينظر طويلًا إلى الواقع، فلا يجد سوى قصيدة يتيمة يدفع
الأطفال ثمن انكسارها.
وربما كانت المأساة الكبرى أن الطفل العربي
لم يكبر قط، لا لأنه احتفظ ببراءته فقط، بل لأنه ظل ينتظر اليوم الذي تتحول فيه
القصيدة إلى حقيقة، فلا يجد إلا خرائط تتشظى، وحدودًا تتكاثر، وأوطانًا تتباعد،
فيما تبقى غزة، مرة بعد أخرى، تذكّر الجميع بأن الأمة لا تُقاس بعدد دولها، بل
بقدرتها على ألا تترك مدينة واحدة تواجه مصيرها وحدها.
ويتوقف ذلك الطفل طويلًا أمام مشهد لا
تستطيع السياسة تفسيره. ففي غزة، حيث ينام الناس على هدير الطائرات ويستيقظون على
أخبار الشهداء، ما تزال العائلات تجد متسعًا من القلب لمتابعة مباراة لفريق عربي
أو منتخب عربي، فتفرح لانتصاره كما لو كان انتصارًا شخصيًا، وترفع الأعلام العربية
فوق الركام، وتهتف بأسماء مدن لم تطأها الأقدام، لكنها بقيت حاضرة في الوجدان
باعتبارها امتدادًا للبيت الكبير.
يبقى الطفل العربي، في النهاية، آخر ما نجا من الخراب. لا يحمل برنامجًا سياسيًا، ولا يعرف لغة البيانات والقمم، لكنه يعرف، بفطرته الأولى، أن بلاد العرب كانت وطنًا واحدًا في القصيدة، وأن العرب كانوا إخوة في الحلم، وأن الحزمة إذا تفرقت انكسر كل عود فيها وحده. وربما كان هذا الطفل، الذي رفض أن يكبر في زمن الانكسارات، آخر ما تبقى من الأمل في أن تتحول القصيدة يومًا من نشيد مدرسي إلى حقيقة يعيشها الناس.
يحدث ذلك رغم الخذلان الرسمي الذي يتسع
يومًا بعد يوم، ورغم إدراك أهل غزة أنهم تُركوا وحدهم في مواجهة آلة الحرب. كأن
غزة، وهي تدفع أثقل أثمان الانتماء العربي، ما تزال أكثر إيمانًا بالعرب من بعض
العرب أنفسهم. وما يزال أهلها يتمسكون بصورة الوطن الكبير التي حفظتها الكتب
والأغاني والذاكرة، حتى بعدما تكسرت تلك الصورة على صخور السياسة.
ولعل أكثر ما يوجع في غزة أن المأساة لم تعد
أرقامًا وإحصاءات، بل أسماء ووجوهًا وذكريات. بين الضحايا أساتذة ومفكرون وأصدقاء
حملوا رسالة العلم، وفتحوا أبواب التاريخ والفكر، وغرسوا معنى الهوية والمصير
المشترك في نفوس أجيال كاملة. كثير منهم غيبتهم القنابل الإسرائيلية، وآخرون ما
يزالون يصارعون الموت أو الجوع أو النزوح.
وعند تلك الوجوه تتسع المأساة لتتجاوز حدود
غزة. فما يحدث هناك ليس مأساة مدينة وحدها، بل مرآة لمصير شعوب كثيرة. صحيح أن
القذائف لا تتساقط بالوتيرة نفسها على كل المدن، لكن للخراب وجوهًا متعددة؛ فمن
الشعوب من تقتلها الطائرات، ومن يقتلها الاستبداد، ومن يستنزفها الفقر، ومن تبددها
الحروب الأهلية، ومن ينهكها المنفى، ومن يسرق مستقبلها اليأس.
ولهذا لا تبدو غزة استثناءً في الألم، بل
أقصى تجلياته. إنها تكشف هشاشة عالم بأسره، وتذكّر بأن العدالة إذا غابت عن مدينة
واحدة، فلن تلبث أن تغيب عن مدن أخرى، وأن كرامة الإنسان، إذا أصبحت قابلة
للتجزئة، فلن يبقى منها ما يحمي أحدًا.
ويبقى الطفل العربي، في النهاية، آخر ما نجا
من الخراب. لا يحمل برنامجًا سياسيًا، ولا يعرف لغة البيانات والقمم، لكنه يعرف،
بفطرته الأولى، أن بلاد العرب كانت وطنًا واحدًا في القصيدة، وأن العرب كانوا إخوة
في الحلم، وأن الحزمة إذا تفرقت انكسر كل عود فيها وحده. وربما كان هذا الطفل،
الذي رفض أن يكبر في زمن الانكسارات، آخر ما تبقى من الأمل في أن تتحول القصيدة
يومًا من نشيد مدرسي إلى حقيقة يعيشها الناس.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.