الطوفان يكتب فصلاً جديداً

عادل الحامدي
بينما تتجه البنادق إلى الصمت في أكثر من ساحة، يبقى السؤال الأخلاقي والإنساني معلقاً فوق سماء غزة: متى يحين دور أهلها في أن ينالوا حقهم في الحياة والأمن والسكينة؟ فيسبوك
بينما تتجه البنادق إلى الصمت في أكثر من ساحة، يبقى السؤال الأخلاقي والإنساني معلقاً فوق سماء غزة: متى يحين دور أهلها في أن ينالوا حقهم في الحياة والأمن والسكينة؟ فيسبوك
شارك الخبر
في التاريخ لحظات لا تُقاس بما يحدث فيها فقط، وإنما بما تكشفه من تغيرات عميقة في موازين القوة واتجاهات المستقبل. قد تبدو اتفاقية أو مذكرة تفاهم أو حتى اتصال هاتفي بين خصمين مجرد تفصيل سياسي عابر، لكنها في الحقيقة تكون أحياناً عنواناً لمرحلة كاملة تنتهي وأخرى تبدأ.

هكذا يمكن النظر إلى التفاهم الذي انتهت إليه المواجهة الأمريكية الإيرانية بعد أشهر من التوتر والتصعيد. فالقصة هنا ليست نصاً موقعاً أو بنوداً متفقاً عليها بقدر ما هي اعتراف متبادل بحدود القوة وحدود القدرة على فرض الإرادة. وحين تجلس أقوى دولة في العالم إلى طاولة التفاوض مع خصم جعلت من مواجهته عنواناً لعقود طويلة من سياساتها، فإن الحدث يتجاوز الطرفين ليصبح مؤشراً على تحولات أكبر تعصف بالإقليم والعالم معاً.

منذ السابع من أكتوبر لم يعد الشرق الأوسط هو ذاته. ذلك اليوم الذي أطلقت فيه المقاومة الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى" لم يكن مجرد حدث عسكري أو أمني، بل كان بداية زلزال استراتيجي ما تزال ارتداداته تتوالى حتى اللحظة. فكل ما جرى بعده، من غزة إلى جنوب لبنان، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، ومن طهران إلى واشنطن، يكشف أن المنطقة دخلت طوراً جديداً لم تعد فيه المعادلات القديمة صالحة للتفسير أو التنبؤ.
منذ السابع من أكتوبر لم يعد الشرق الأوسط هو ذاته. ذلك اليوم الذي أطلقت فيه المقاومة الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى" لم يكن مجرد حدث عسكري أو أمني، بل كان بداية زلزال استراتيجي ما تزال ارتداداته تتوالى حتى اللحظة. فكل ما جرى بعده، من غزة إلى جنوب لبنان، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، ومن طهران إلى واشنطن، يكشف أن المنطقة دخلت طوراً جديداً لم تعد فيه المعادلات القديمة صالحة للتفسير أو التنبؤ.

كانت الولايات المتحدة لعقود طويلة تتصرف باعتبارها القوة التي ترسم حدود الممكن والممنوع في الشرق الأوسط. وكانت إسرائيل تُقدم للعالم باعتبارها القوة التي لا تُهزم والدولة التي لا يمكن تحديها. لكن مشاهد الأشهر الأخيرة وضعت هذه المسلمات أمام اختبار قاسٍ.

ففي غزة، وبعد كل ما استُخدم من قوة نارية وتدمير وقتل وحصار، ما تزال إسرائيل عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة. لم تستطع القضاء على المقاومة، ولم تستطع فرض سيطرتها الكاملة على القطاع، ولم تستطع حتى إخماد فكرة المقاومة نفسها. وفي الضفة الغربية، حيث ظن كثيرون أن القبضة الأمنية قادرة على إنهاء أي شكل من أشكال التحدي، ما تزال المواجهة مفتوحة بأشكال مختلفة.

وفي لبنان واليمن وإيران، ظهر واقع جديد عنوانه أن قوى كانت تُصنف لسنوات طويلة باعتبارها مجرد أطراف محلية أو إقليمية باتت تمتلك من أدوات التأثير ما يجعل تجاهلها مستحيلاً. ليست القضية هنا في الاتفاق أو الاختلاف معها، وإنما في الاعتراف بحقيقة أنها أصبحت جزءاً من معادلة القوة في المنطقة.

ولهذا فإن أي تفاهم أمريكي إيراني لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق الأوسع. إنه ليس انتصاراً مطلقاً لطرف ولا هزيمة كاملة لطرف آخر، لكنه تعبير واضح عن مرحلة أصبحت فيها القوة العسكرية وحدها عاجزة عن إنتاج الحلول النهائية. فالحروب تستطيع أن تدمر المدن، لكنها لا تستطيع دائماً أن تفرض الاستسلام السياسي.

ولعل أكثر ما يكشف حجم التحول الجاري هو ذلك التباين المتزايد بين واشنطن وتل أبيب. فالتلاسن الذي ظهر أكثر من مرة بين بنيامين نتنياهو وفريقه من جهة، ودونالد ترامب وفريقه من جهة أخرى، ليس مجرد خلاف عابر بين حليفين. إنه انعكاس لاختلاف متزايد في تقدير المصالح والخيارات. فحين تصل الإمبراطورية إلى لحظة مراجعة، غالباً ما تكتشف أن وكلاءها وحلفاءها يريدون منها أكثر مما تستطيع تقديمه.

لقد بُني جزء كبير من النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة التفوق الأمريكي غير القابل للمنافسة. وكانت هذه الفكرة تمنح كثيرين حول العالم شعوراً بأن المستقبل مضمون طالما بقيت واشنطن في موقع القيادة. غير أن السنوات الأخيرة، من أوكرانيا إلى آسيا، ومن الشرق الأوسط إلى أفريقيا، تشير إلى أن العالم يتحرك تدريجياً نحو صورة أكثر تعقيداً وأقل أحادية.

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت دولة ضعيفة أو أن نفوذها انتهى، فالتاريخ لا يتحرك بهذه البساطة. لكنه يعني أن قدرتها على فرض إرادتها منفردة لم تعد كما كانت. ويعني أيضاً أن إسرائيل التي بُنيت أسطورتها السياسية والعسكرية على فكرة الردع المطلق تواجه اليوم اختباراً وجودياً لم تعرفه منذ عقود.

قد تكون مذكرة التفاهم الأخيرة استراحة للمحاربين أكثر منها نهاية للصراع. وقد تؤجل بعض المواجهات دون أن تلغي أسبابها العميقة. لكن المؤكد أنها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتشكل ملامحها على مهل، مرحلة تتراجع فيها اليقينيات القديمة وتظهر فيها حقائق جديدة.

إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من كل ما جرى ويجري هو أن التاريخ لا يمنح أحداً صكاً أبدياً بالهيمنة. الإمبراطوريات تصعد وتهبط، وموازين القوة تتغير، والشعوب التي تمتلك إرادة البقاء قادرة دائماً على إعادة كتابة المعادلات مهما بدا ميزان القوى مختلاً.

إن أي تفاهم أمريكي إيراني لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق الأوسع. إنه ليس انتصاراً مطلقاً لطرف ولا هزيمة كاملة لطرف آخر، لكنه تعبير واضح عن مرحلة أصبحت فيها القوة العسكرية وحدها عاجزة عن إنتاج الحلول النهائية. فالحروب تستطيع أن تدمر المدن، لكنها لا تستطيع دائماً أن تفرض الاستسلام السياسي.
ولذلك فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار بين خصوم، بل فصل جديد في قصة عالم يتغير. عالم لم تعد فيه أمريكا وحدها القطب الذي يقرر، ولم تعد فيه إسرائيل القوة التي لا تُقهر، ولم تعد فيه شعوب المنطقة مجرد متلقية للقرارات التي تُصنع خارج حدودها. إنها لحظة انتقال كبرى، وربما يكون "الطوفان" قد أصبح الاسم الأكثر تعبيراً عنها.

وبينما تتجه البنادق إلى الصمت في أكثر من ساحة، يبقى السؤال الأخلاقي والإنساني معلقاً فوق سماء غزة: متى يحين دور أهلها في أن ينالوا حقهم في الحياة والأمن والسكينة؟ فغزة ليست جزيرة معزولة في بحر الألم، وليست شعباً يتيماً تُترك دماؤه رهينة الحسابات الدولية والإقليمية. إنها جزء من أمة تمتد من المحيط إلى الخليج، وتختزن في وجدان العرب جميعاً معنى الانتماء المشترك والمصير الواحد.

وإذا كانت الحروب تنتهي عادة عندما يكتشف المتحاربون أن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من كلفة إيقافها، فإن أهل غزة يستحقون هم أيضاً وقفاً حقيقياً لإطلاق النار يضع حداً لآلة القتل والدمار، ويفتح نافذة للأمل بعد سنوات طويلة من الفقد والمعاناة. فالأوطان لا تُقاس فقط بحدودها السياسية، بل أيضاً بقدرتها على أن تشعر بأوجاع أبنائها حيث كانوا، وأن تثبت أن عبارة "بلاد العرب أوطاني" ليست مجرد نشيد جميل من ذاكرة الماضي، بل قيمة حية تتجلى في التضامن والمسؤولية والوفاء للإنسان العربي حين يكون في أشد لحظات حاجته إلى إخوته.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)