ما بعد الزنازين.. سؤال الدولة والمستقبل في تونس

عادل الحامدي
تونس، التي ألهمت المنطقة ذات يوم بشعار الحرية والكرامة، فما تزال تملك فرصة لتستعيد روح تلك اللحظة التاريخية النبيلة.
تونس، التي ألهمت المنطقة ذات يوم بشعار الحرية والكرامة، فما تزال تملك فرصة لتستعيد روح تلك اللحظة التاريخية النبيلة.
شارك الخبر
ليست الأوطان مجرد حدود مرسومة على الخرائط، وليست السياسة مجرد صراع على السلطة، وليست المحاكمات مجرد أرقام تتراكم في منطوق الأحكام. فهناك لحظات في حياة الشعوب تتحول فيها الوقائع القضائية إلى أسئلة وجودية كبرى تتعلق بمعنى العدالة، وبمصير الوطن، وبصورة المستقبل التي سنورثها لأبنائنا.

وما صدر هذه الأيام في قضية ما يعرف بـ"الجهاز السري" من أحكام ثقيلة بحق عدد من قيادات حركة "النهضة" يضع تونس اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتستدعي وقفة ضمير وتأمل عميق في المسار الذي وصلت إليه البلاد بعد عقود طويلة من النضال والتضحيات.

لقد عرفت تونس منذ الاستقلال تجربة فريدة في بناء الدولة الوطنية الحديثة. ففي عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وُضعت أسس الدولة ومؤسساتها، وتحققت مكاسب اجتماعية وتعليمية مهمة، لكن ذلك ترافق أيضاً مع هيمنة الحزب الواحد وضيق مساحة التعددية السياسية. ثم جاءت مرحلة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، حيث تمددت القبضة الأمنية وتراكمت المظالم، ودخل آلاف التونسيين من مختلف الاتجاهات السياسية تجربة السجون والمنافي والملاحقات.

عندما اندلعت ثورة الحرية والكرامة سنة 2011، بدا وكأن التاريخ يمنح تونس فرصة استثنائية لم تُمنح لغيرها من البلدان العربية. كانت فرصة لبناء النموذج العربي الناجح في الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، وإثبات أن الشعوب العربية قادرة على إدارة اختلافاتها عبر صناديق الاقتراع لا عبر السجون، وعبر المؤسسات لا عبر الإقصاء. لكن تلك الفرصة التاريخية العظيمة لم تكتمل.
وعندما اندلعت ثورة الحرية والكرامة سنة 2011، بدا وكأن التاريخ يمنح تونس فرصة استثنائية لم تُمنح لغيرها من البلدان العربية. كانت فرصة لبناء النموذج العربي الناجح في الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، وإثبات أن الشعوب العربية قادرة على إدارة اختلافاتها عبر صناديق الاقتراع لا عبر السجون، وعبر المؤسسات لا عبر الإقصاء. لكن تلك الفرصة التاريخية العظيمة لم تكتمل.

ففي كل منعطف من منعطفات الانتقال الديمقراطي ظهرت قوى مقاومة للتغيير، بعضها من بقايا المنظومات القديمة، وبعضها من المستفيدين من الانقسام والاستقطاب، وبعضها من الذين لم يؤمنوا يوماً بأن الديمقراطية قيمة ثابتة وليست مجرد وسيلة ظرفية. وهكذا تحولت الثورة التي كان يفترض أن تكون جسراً نحو المستقبل إلى ساحة صراع مفتوح استُنزفت فيها طاقات الوطن وأحلام أبنائه.

واليوم، عندما يقرأ التونسي هذه الأحكام التي تجمع بين السجن المؤبد وعشرات السنوات الإضافية من العقوبات ثم المراقبة اللاحقة، يجد نفسه أمام مشهد غير مألوف في الوعي العام. فبعيداً عن الجدل القانوني الذي ستبقى له ساحاته ومساراته، لا يستطيع المرء أن يتجاهل الأثر النفسي والإنساني الذي تتركه مثل هذه الأحكام في نفوس الناس.

وهنا تخرج القضية من حدود السياسة إلى فضاء الإنسان. فخلف الأرقام والأحكام توجد أعمار كاملة، وتجارب إنسانية طويلة، وعائلات وأمهات وآباء وأبناء ينتظرون خلف الأبواب المغلقة.

حين يُذكر اسم راشد الغنوشي، فإننا لا نتحدث فقط عن رئيس حركة سياسية أو مسؤول سابق، بل عن رجل بلغ منتصف عقده التاسع، أمضى عقوداً طويلة بين السجن والمنفى والملاحقة، وترك عشرات المؤلفات في الفكر والسياسة والفلسفة وقضايا الحرية والديمقراطية. قد يختلف معه الناس أو يتفقون، وقد يؤيدون خياراته أو ينتقدونها، لكن من الصعب إنكار حضوره في تاريخ تونس الحديث.

وحين يُذكر اسم علي العريض، تحضر سيرة رجل قضى سنوات طويلة من عمره في السجون خلال الحقبة السابقة. وعندما يقرأ الإنسان الأحكام الصادرة بحقه اليوم، لا يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير في سؤال موجع: هل كتب على بعض الرجال في عالمنا العربي أن يقضوا حياتهم بين جدران الزنازين حتى يكون الممر الأخير إلى المقبرة؟

حين يُذكر اسم راشد الغنوشي، فإننا لا نتحدث فقط عن رئيس حركة سياسية أو مسؤول سابق، بل عن رجل بلغ منتصف عقده التاسع، أمضى عقوداً طويلة بين السجن والمنفى والملاحقة، وترك عشرات المؤلفات في الفكر والسياسة والفلسفة وقضايا الحرية والديمقراطية. قد يختلف معه الناس أو يتفقون، وقد يؤيدون خياراته أو ينتقدونها، لكن من الصعب إنكار حضوره في تاريخ تونس الحديث.
ثم تتسع دائرة الألم لتشمل أسماء أخرى من مختلف التوجهات والانتماءات في ما يعرف بقضية التآمر، من أمثال جوهر بن مبارك وأحمد نجيب الشابي وعصام الشابي وغازي الشواشي ورضا بلحاج وغيرهم. هنا يتراجع السياسي أمام الإنساني، ويتراجع الجدل الأيديولوجي أمام مشهد العائلات التي تدفع أثمان الصراعات الكبرى.

لقد قرأت قصة المناضل عز الدين الحزقي، والد جوهر بن مبارك، وهو يصارع المرض وثقل السنوات متنقلاً بين المستشفيات وغرف العلاج، بعدما لم يعد قادراً على زيارة فلذة كبده في السجن كما كان يفعل. لم أر في تلك القصة إسلامياً أو علمانياً، معارضاً أو موالياً، بل رأيت أباً يتشبث بما تبقى من العمر وهو يتمنى أن يرى ابنه حراً قبل أن يودع الدنيا.

وعند هذه النقطة تحديداً يصبح السؤال أكبر من السياسة وأكبر من الأحزاب وأكبر حتى من المحاكم نفسها: هل يمكن أن يقود الخلاف في الرأي إلى كل هذا القدر من الألم الإنساني؟ وهل وجدت السياسة أصلاً لإدارة الاختلاف أم لتحويله إلى خصومة أبدية بين أبناء الوطن الواحد؟

وعندما يمتد بنا التأمل في مصائر الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بقضايا الحرية والديمقراطية، يحضر اسم الرئيس الدكتور المنصف المرزوقي بوصفه أحد أبرز رموز النضال الحقوقي في تونس المعاصرة. فقبل أن يكون رئيساً للجمهورية كان طبيباً ومناضلاً حقوقياً كرّس سنوات طويلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية في مواجهة الاستبداد.

ولعل ما يضفي على تجربته بعداً إنسانياً خاصاً أن المنفى لم يكن مجرد محطة سياسية في حياته، بل كان قدراً عائلياً ممتداً. فقد توفي والده بعيداً عن وطنه في المغرب الأقصى، فيما توزعت الأسرة بين ضفتي المغرب العربي. وكأنها صورة تختزل جانباً من مأساة الإنسان العربي الذي دفع في كثير من الأحيان ثمن تمسكه بحريته وانحيازه لكرامته.

لكن قضية المنصف المرزوقي، كما هي قضية كثير من المناضلين، لم تكن في جوهرها قضية منصب أو سلطة، بل قضية الإنسان نفسه. ذلك الإنسان الذي خلقه الله حراً، ومنحه الكرامة قبل أن تمنحه الدولة أوراق الهوية وجوازات السفر. فالحرية ليست منحة من حاكم ولا امتيازاً تمنحه سلطة متى شاءت وتسحبه متى شاءت، بل هي جزء من المعنى العميق للوجود الإنساني.

يحضر اسم الرئيس الدكتور المنصف المرزوقي بوصفه أحد أبرز رموز النضال الحقوقي في تونس المعاصرة. فقبل أن يكون رئيساً للجمهورية كان طبيباً ومناضلاً حقوقياً كرّس سنوات طويلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية في مواجهة الاستبداد.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الدول القوية لا تُقاس بعدد من يدخلون السجون، بل بعدد من يشاركون في صناعة المستقبل. وأن الاستقرار الحقيقي لا يولد من الخوف، بل من الثقة. ولا يولد من الإقصاء، بل من الشعور العام بأن الجميع متساوون أمام القانون، ومصونون في كرامتهم الإنسانية مهما اشتدت الخلافات السياسية.

لقد خاض العالم العربي طوال عقود صراعات مريرة بين الأنظمة القائمة وحركات الإسلام السياسي، حتى بدا أحياناً وكأن تلك الصراعات استنزفت من أعمار الشعوب وطاقاتها أكثر مما استنزفته كثير من الحروب التقليدية. وكانت النتيجة في أغلب الأحيان خسارة الجميع: السلطة والمجتمع والمعارضة والوطن نفسه.

أما تونس، التي ألهمت المنطقة ذات يوم بشعار الحرية والكرامة، فما تزال تملك فرصة لتستعيد روح تلك اللحظة التاريخية النبيلة. فالعدالة الحقيقية لا تتناقض مع الرحمة، وسيادة القانون لا تتناقض مع الحكمة، وحماية الدولة لا تتناقض مع المصالحة الوطنية.

إن الأمم العظيمة ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتراجع نفسها، وأن تتعلم من أخطائها، وأن تضع مستقبل أبنائها فوق أحقاد اللحظة وانفعالات السياسة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل