برنهام والترابي.. مفاجأة اللامركزية في عالم السياسة

عادل الحامدي
هي ليست مقارنة بين رجلين، بل بين رؤيتين انطلقتا من بيئتين مختلفتين وانتهتا إلى سؤال واحد: كيف يمكن للدولة أن تكون قوية من دون أن تكون متسلطة؟ وكيف يمكن للسلطة أن تكون فعالة من دون أن تنفصل عن الأخلاق؟
هي ليست مقارنة بين رجلين، بل بين رؤيتين انطلقتا من بيئتين مختلفتين وانتهتا إلى سؤال واحد: كيف يمكن للدولة أن تكون قوية من دون أن تكون متسلطة؟ وكيف يمكن للسلطة أن تكون فعالة من دون أن تنفصل عن الأخلاق؟
شارك الخبر
في السياسة، ليست المقارنات حكماً بالتشابه، وإنما هي وسيلة لاكتشاف كيف يمكن لأفكار متباعدة جغرافياً وأيديولوجياً أن تلتقي عند سؤال واحد. ولعل من أكثر المقارنات إثارة للدهشة أن يوضع عمدة مانشستر الكبرى، آندي برنهام، إلى جانب المفكر الإسلامي السوداني الراحل الدكتور حسن الترابي. فمن الصعب تخيل شخصيتين تنتميان إلى عالمين أكثر اختلافاً: الأول ابن المدرسة العمالية البريطانية التي تشكلت داخل تقاليد الديمقراطية الليبرالية، والثاني أحد أبرز منظري الإسلام السياسي في القرن العشرين، الذي خاض تجربة فكرية وسياسية معقدة في بلد لم يعرف الاستقرار إلا نادراً.

لكن التاريخ يعلمنا أن الأفكار لا تعترف بالجغرافيا، وأن الأسئلة الكبرى تعيد إنتاج نفسها في كل زمان ومكان. ومن بين هذه الأسئلة: أين ينبغي أن تقيم السلطة؟ في العاصمة، أم بين الناس؟

لم يكن دفاع آندي برنهام عن منح المدن الإنجليزية صلاحيات أوسع مجرد مطلب إداري لتحسين الخدمات، بل كان تمرداً هادئاً على نموذج الدولة البريطانية شديد المركزية. فالرجل الذي خاض أكثر من مواجهة مع الحكومة المركزية في لندن، خصوصاً خلال جائحة كورونا، كان يرى أن الديمقراطية لا تكتمل إذا بقيت المدن تنتظر قرارات موظفين يبعدون مئات الكيلومترات عن واقعها اليومي. وكان يؤمن بأن سكان مانشستر أدرى بمصالحهم من بيروقراطية وايتهول، وأن نقل السلطة ليس منحة من المركز، بل استعادة لحق المجتمع في إدارة شؤونه.

لم يكن دفاع آندي برنهام عن منح المدن الإنجليزية صلاحيات أوسع مجرد مطلب إداري لتحسين الخدمات، بل كان تمرداً هادئاً على نموذج الدولة البريطانية شديد المركزية. فالرجل الذي خاض أكثر من مواجهة مع الحكومة المركزية في لندن، خصوصاً خلال جائحة كورونا، كان يرى أن الديمقراطية لا تكتمل إذا بقيت المدن تنتظر قرارات موظفين يبعدون مئات الكيلومترات عن واقعها اليومي.
أما حسن الترابي، فقد نظر إلى القضية من زاوية مختلفة، لكنها تلتقي في الجوهر. ففي السودان، حيث تتشابك الأعراق والثقافات والأقاليم، رأى أن الدولة التي تحتكر السلطة في العاصمة تنتج شعوراً دائماً بالتهميش، وأن الوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى عبر مشاركة حقيقية في القرار. لذلك كان يدعو إلى توسيع صلاحيات الولايات والأقاليم، معتبراً أن التنوع السوداني لا يمكن أن يستقر في ظل مركز يقرر كل شيء.

صحيح أن تجربة الترابي السياسية أثارت جدلاً واسعاً، وأن خصومه يحملونه مسؤولية خيارات كان لها أثر بالغ في تاريخ السودان، لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين الفكرة وتجلياتها السياسية. فالأفكار تبقى قابلة للنقاش حتى عندما تتعثر التجارب التي رفعتها.

ولعل المفارقة أن النقاش الذي بدأ في السودان قبل عقود حول توزيع السلطة، عاد اليوم بقوة داخل الديمقراطيات الغربية نفسها. ففي بريطانيا، لم تعد اللامركزية شعاراً إدارياً، بل أصبحت جزءاً من معركة اقتصادية وسياسية تتعلق بتقليص الفجوة بين لندن وبقية البلاد. وفي إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، كما في كندا، تتجدد الأسئلة نفسها: هل تستطيع الدولة الحديثة أن تستمر بعقلية العاصمة الواحدة؟ أم أن المستقبل سيكون لدولة تمنح أقاليمها مساحة أوسع من القرار والمسؤولية؟

هذه ليست قضية تقنية، بل قضية فلسفية. فمنذ أن كتب أرسطو أن السياسة غايتها تحقيق الخير العام، ظل السؤال الأخلاقي ملازماً لفكرة الحكم. غير أن نيكولو مكيافيلي جاء ليكسر هذا التصور، معلناً أن الدولة لا تُدار بالمثاليات، بل بحسابات القوة والمصلحة. ومنذ ذلك الحين، والسياسة تتأرجح بين مدرستين: مدرسة تجعل الأخلاق أساس الشرعية، وأخرى ترى أن نجاح الدولة هو المعيار الوحيد للحكم على السياسة.

هنا يبرز خيط آخر يجمع، ولو جزئياً، بين برنهام والترابي. فالأول يتحدث باستمرار عن العدالة الاجتماعية، وعن كرامة المواطن، وعن أن السلطة يجب أن تُقاس بقدرتها على تحسين حياة الناس لا بقدرتها على السيطرة عليهم. والثاني كان يصر على أن السياسة، في التصور الإسلامي، لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية، وأن الحاكم ليس مالكاً للدولة، بل مؤتمن عليها.

قد تختلف اللغة، لكن الفكرة واحدة: السلطة بلا أخلاق تتحول إلى هيمنة، والأخلاق بلا سلطة تبقى أمنيات جميلة.

المفارقة أن النقاش الذي بدأ في السودان قبل عقود حول توزيع السلطة، عاد اليوم بقوة داخل الديمقراطيات الغربية نفسها. ففي بريطانيا، لم تعد اللامركزية شعاراً إدارياً، بل أصبحت جزءاً من معركة اقتصادية وسياسية تتعلق بتقليص الفجوة بين لندن وبقية البلاد. وفي إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، كما في كندا، تتجدد الأسئلة نفسها: هل تستطيع الدولة الحديثة أن تستمر بعقلية العاصمة الواحدة؟ أم أن المستقبل سيكون لدولة تمنح أقاليمها مساحة أوسع من القرار والمسؤولية؟
وربما تكمن أزمة عالمنا اليوم في أن السياسة فقدت كثيراً من بعدها الأخلاقي. فقد أصبحت الانتخابات صناعة تسويق، وتحولت الأحزاب إلى آلات انتخابية، وغلبت لغة الأرقام على لغة القيم. حتى الديمقراطيات العريقة لم تعد بمنأى عن هذا التآكل، إذ تتراجع الثقة بالمؤسسات، وتتسع الهوة بين النخب والمجتمعات المحلية، وهو ما يفسر صعود الشعبوية في أكثر من بلد.

إن اللامركزية، في جوهرها، ليست مجرد إعادة توزيع للصلاحيات، بل إعادة توزيع للثقة. إنها اعتراف بأن الإنسان ليس مجرد متلقٍ للقرارات، وإنما شريك في صنعها. ولذلك فإنها تحمل بعداً أخلاقياً عميقاً، لأنها تعيد الكرامة السياسية إلى المواطن، وتجعل السلطة أقرب إلى المساءلة.

من هنا، تبدو المقارنة بين آندي برنهام وحسن الترابي أقل غرابة مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فهي ليست مقارنة بين رجلين، بل بين رؤيتين انطلقتا من بيئتين مختلفتين وانتهتا إلى سؤال واحد: كيف يمكن للدولة أن تكون قوية من دون أن تكون متسلطة؟ وكيف يمكن للسلطة أن تكون فعالة من دون أن تنفصل عن الأخلاق؟

ربما لا توجد إجابة نهائية. لكن التاريخ يهمس دائماً بأن الدول التي تُصغي إلى أطرافها تعيش أطول من الدول التي لا تسمع إلا صوت عواصمها، وأن الشرعية لا تُبنى فقط بالقانون، بل أيضاً بالعدل. أما السياسة التي تنسى الأخلاق، فقد تكسب معركة اليوم، لكنها تخسر ثقة الأجيال القادمة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)