من أبرز المفارقات التي تطبع المشهد السياسي
المغربي تداول خطاب سياسي صادر عن كل القيادات الحزبية، يؤكد أن الحكومة، التي
يفترض أنها منبثقة عن صناديق الاقتراع، لا تحكم، ولا قدرة لها على ذلك، بل تقتصر
مهمتها على دور مساعدٍ للمؤسسة الملكية ومنفّذ لتوجهاتها وتعليماتها.
ورغم هذا التشخيص، المُجْمِعِ حول صدقيته،
والذي ـ كما هو واضح ـ يقلل من حجم السلطة التنفيذية، فإن هذه القيادات نفسِها لا
تملّ من قيادة حملات موسمية من أجل تعبئة واسعة لحث المواطنين على المشاركة في ما
تُسمّيه "استحقاقات انتخابية"، حتّى إنّ أحد رموز حزب العدالة والتنمية
المغربي نشر على صفحته الفايسبوكية ملصقا "يستثمر" فيه الكوجيطو
الديكارطي بشكل كاريكاتوري ممجوج، فكتب: "أنا مُسجّل ـ يقصد في اللوائح
الانتخابية ـ إذن أنا موجود".
يفرز هذا التناقض الصارخ إشكالية نظرية
وعملية معقدة تتعلق بجدوى المشاركة السياسية برمتها في ظل ثنائية السلطة؛ بين
مشروعية انتخابية ومستويات القرار الفعلي، مما يدفع فئات واسعة من المجتمع إلى
التساؤل عن الغاية من الانخراط في عملية انتخابية تبدو نتائجها محدودة التأثير
مسبقا.
أكثر من ستّين في المائة من المغاربة الذين يحق لهم التصويت يقاطعون الانتخابات. كما أن هذا الوضع يُسهم في إضعاف الأحزاب السياسية، بصفتها "قنوات وسائطية" أساسية بين الدولة والمجتمع، وتحويلها إلى كيانات بدون أية فاعلية، مما يفقد النظام السياسي صمامات الأمان التي تمتص الأزمات والاحتقانات.
ينبني هذا التحليل على قراءة واقعية لطبيعة
النظام المغربي الذي يمنح المؤسسة الملكية مركزا مركزيا ومحوريا في هندسة السياسات
العامة للدولة وتفاصيلها. وحين يتبنى "الفاعل السياسي" المغربي هذا
الطرح ويدافع عنه فإنه يسهم في تعرية ما يصطلح عليه بـ"
سياسة الواجهة"؛
حيث تتحول المؤسسات المنتخبة إلى هيئات تنفيذية تفتقر لأية قدرات على بلورة برامج
حيوية نابعة من هويتها الحزبية الخالصة.
وهنا تصبح التعبئة الانتخابية، في نظر
الملاحظين، مجرد آلية لإعادة تدوير وتوزيع النخب وتدبير المواقع داخل الإدارة
الرسمية دون أن تحمل في طياتها إمكانية حقيقية لإحداث تحول، من أي نوع، في
التوجهات الاقتصادية والاجتماعية، مما يفرغ التنافس الحزبي من مضمونه الإيديولوجي
والبرنامجي ويدرجه في سياق الطقوس الإجرائية الهادفة إلى إضفاء المشروعية الشكلية
على اختيارات الملكية وبرامجها المحددة سلفا.
تترتب على تكريس هذا النمط من الخطاب
والممارسة تداعيات سلبية ومخاطر حقيقية تمس في الصميم استقرار وتوازن النسق
السياسي؛ وتتجلى أولى هذه السلبيات في اتساع رقعة العزوف الانتخابي وتعميق مشاعر
الإحباط والعدمية السياسية لدى المواطنين؛ ذلك أن اقتناع الشارع بعدم
جدوى صوته
الانتخابي يؤدي تلقائيا إلى مقاطعة الصناديق وفقدان الثقة في قدرة العمل الحزبي
على تغيير الواقع المعيش.
وهذا ما أشار إليه آخر تقرير لمؤسسة دولية؛
إذ أكّد على أنّ أكثر من ستّين في المائة من المغاربة الذين يحق لهم التصويت
يقاطعون
الانتخابات. كما أن هذا الوضع يُسهم في إضعاف الأحزاب السياسية، بصفتها
"قنوات وسائطية" أساسية بين الدولة والمجتمع، وتحويلها إلى كيانات بدون
أية فاعلية، مما يفقد النظام السياسي صمامات الأمان التي تمتص الأزمات
والاحتقانات.
وتكمن الخطورة القصوى هنا في انتقال الفعل
الاحتجاجي والمطلبي تقودها وتؤطّرها جهات مؤسساتية منظمة إلى الشارع بشكل عفوي
وغير مؤطر كالحراكات الشعبية والتنسيقيات المستقلة، وهذا يهدد، إذا حدث وأن تضافرت
مع ظروف معينة سياسية واجتماعية، برفع كلفة تدبير الاستقرار الأمني والاجتماعي،
ويضع الدولة برمّتها في مواجهة مكشوفة ومباشرة مع مطالب المواطنين دون وجود نخب
وسيطة تمتلك المصداقية اللازمة لإدارة التفاوض والتهدئة.
يقود هذا التحليل إلى مشكلة مركّبة دقيقة ـ
معرفية وسياسية ـ تتعلق، أوّلا، بمدى أخلاقية السلوك الحزبي الحالي وواقعيته؛ إذ
يثور التساؤل حول ما إذا كان إصرار النخب السياسية على خوض الانتخابات وحشد
الجماهير مع علمها المسبق بسقف الصلاحيات الحكومية الضيق يمثل نوعا من البراغماتية
السياسية المفروضة للحفاظ على الحد الأدنى من شروط العمل السياسي وتفادي الفراغ
المؤسساتي، أم أنه يعكس رغبة في استدامة المصالح الحزبية الضيقة والحصول على
المكتسبات المادية والرمزية الناتجة عن "الحضور ضمن دائرة خَدَم
السلطة".
كما يتصل، ثانيا، بمدى قدرة النموذج السياسي القائم على استدامة
استقراره بالاعتماد الحصري على "الشرعية التاريخية" و"شرعية
الإنجازات" المباشرة للمركز، الذي تمثله الملكية، في ظل الموت السريري
للمؤسسات المنتخبة وتآكل مشروعيتها الشعبية.
*كاتب من
المغرب
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.