تثير مسألة
مقاطعة الانتخابات في الأنظمة
غير الديمقراطية نقاشا فكريا وسياسيا عميقا حول جدوى العمل من داخل المؤسسات
الرسمية مقارنة بالعمل من خارجها؛ إذ يتجاوز هذا السلوك مجرد الامتناع عن التصويت
ليغدو تعبيرا عن موقف سياسي يرفض القواعد المؤسساتية الرسمية القائمة.
إن تفكيك بنية هذه الأنظمة يدفع فاعلين،
أحزابا وشخصيات مستقلة، إلى اتخاذ المقاطعة خيارا سياسيا مبنيا على قراءة دقيقة
للمشهد العام؛ فهؤلاء يرون أن البيئة السياسية التي تفتقر إلى ضمانات التنافس
الحقيقي تحول صناديق الاقتراع إلى أداة لإعادة إنتاج النخب الحاكمة وتثبيت الوضع
القائم. من هنا ينبثق التساؤل: إلى أي حد يمكن للمقاطعة الانتخابية في الأنظمة غير
الديمقراطية تصبح أداة فعالة لتعرية هذا
المسار وسحب الشرعية الشعبية والدولية عنه وليس مجرّد موقف سلبي وانكفاء سياسي،
ووضع للقواعد في "الثّلاجة"؟ ويرتبط بهذا التساؤل شق آخر: كيف يساهم
"الاعتزال الانتخابي" في إعادة تعريف مفهومي "العمل السياسي"
و"المعارضة" من خلال نقل الفعل من المؤسسات الشكلية إلى الفضاء المجتمعي؟
وهل يمكن، بواسطته، بناء شرعية بديلة؟
إن الانخراط في عملية سياسية تفتقر إلى سيادة القرار يساهم في إضعاف المعارضة ويجعلها شريكة في تحمل مسؤولية سياسات فاشلة لا يد لها في صياغتها أو تنفيذها. ب
إن الإجابة عن هاتين الإشكاليتين تتطلب
العودة إلى الأدبيات السياسية التي تؤصل لفعل المقاطعة، فالمدافعون عن هذا الطرح
يؤكّدون أن المشاركة في انتخابات معلومة النتائج سلفا ومحسومة الضوابط ليست سوى
وسيلة لمنح النظام القائم "صك غفران" وتزكية له أمام نفسه أولا، وأمام
الرأي العام الداخلي، والمجتمع الدولي.
إن
الانخراط في عملية سياسية تفتقر إلى سيادة القرار يساهم في إضعاف المعارضة ويجعلها
شريكة في تحمل مسؤولية سياسات فاشلة لا يد لها في صياغتها أو تنفيذها. بناء على
هذا التقدير، الذي لا شكّ يصدر عن نسق فكري متكامل، تصبح هذه المقاطعة والاشتباك
مع الواقع من خارج الأسوار الرسمية هو الموقف الأكثر اتساقا مع المبادئ
الديمقراطية الحقة، فهو يحمي الرأسمال المعنوي والمصداقية الشعبية التي تشكل
الثروة الحقيقة للقوى المعارضة.
وبهذا المعنى ينضوي هذا
"الاعتزال" ضمن أشكال المقاومة السلمية والاحتجاج الواعي وليست انسحابا
أو سلبية كما يدعي خصومه. إنّها دعوة صريحة ومسؤولة لإعادة بناء الحقل السياسي على
أسس الحرية والنزاهة.
تنتقل الجماعات السياسية التي تتبنى هذا
الخيار من منطق العمل البرلماني والحكومي إلى فضاءات أخرى، يقع الشارع والمجتمع في
بؤرتها، مما يعني أن "الاعتزال الانتخابي" هو تغيير في تمركز الفاعل
السياسي وقنوات تأثيره. فهي تفضل أن تتحرك نحو توجيه الرأي العام وإثارة النقاشات
الكبرى حول طبيعة الدستور وفصل السلطات وجدوى المؤسسات الرسمية التي توصف بأنها
شكلية ولا تملك سلطة القرار الفعلي.
ومن خلال هذا البديل تسعى إلى صناعة وعي
مجتمعي يرفض التماهي مع قواعد اللعبة التي يضعها النظام المنفرد بالسلطة، وتعمل
على تقديم تقديراتها السياسية بديلا أخلاقيا وسياسيا يرفض التنازل عن المبادئ من
أجل مكاسب صغيرة أو مناصب عابرة لا تغير من جوهر الاستبداد شيئا. إن هذا الفعل
الموازي، الذي قد لا يُؤتي ثماره سريعا، يشكل ضغطا مستمرا على السلطة ويدفعها
تجميل صورتها أو تقديم تنازلات جزئية لامتصاص الاحتقان، وهو ما يثبت أن التأثير من
الخارج قد يكون في أحيان كثيرة أكثر قوة وأعمق أثرا من المعارضة المدجنة داخل
المجالس التشريعية.
إن تجارب الهيئات والأحزاب السياسية الأخرى التي سبقتها إلى دخول غمار التجربة البرلمانية والحكومية تشكل بالنسبة للجماعة دليلا حيا على أن المشاركة في ظل الشروط الراهنة تنتهي بخسارة كل شيء بما في ذلك المصداقية الشعبية والتميز الأيديولوجي.
وإذا أردنا أن نضرب مثلا لهذا التّوجّه فإن
جماعة العدل والإحسان
المغربية تبرز واحدة من أشهر التّيارات التي تصرّ عليه دون
أن تقدّم أية تنازلات أو تقوم بمراجعات بعد اقترابها من نصف قرن على تأسيسها. وهي
تبني موقفها على تأصيلات نظرية وعملية راسخة في أدبياتها وفلسفتها السياسية. إنها
تؤسس موقفها على استيقان تام بصوابية هذا الخيار وضرورته لحفظ ذاتها واستمراريتها،
وهي ترى في اللعبة المؤسساتية القائمة مجرد فخ يقود المشاركين فيه نحو الحتف
السياسي المعنوي والمادي.
إن تجارب الهيئات والأحزاب السياسية الأخرى
التي سبقتها إلى دخول غمار التجربة البرلمانية والحكومية تشكل بالنسبة للجماعة
دليلا حيا على أن المشاركة في ظل الشروط الراهنة تنتهي بخسارة كل شيء بما في ذلك
المصداقية الشعبية والتميز الأيديولوجي.
إن هذا الوعي التاريخي والسياسي يجعل
الجماعة تتخذ موقفا حاسما لا يقبل المساومة أو التراجع، حتى أنه ـ في تقديري ـ لو
فرض عليها ـ جدلا ـ في يوم من الأيام الاختيار بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: بين
أن تشارك في الانتخابات بنفس الشروط والآليات القائمة حاليا، وبين أن تتحول بشكل كامل
إلى تيار دعوي تربوي صرف يبتعد عن الشق السياسي، لاختارت قطعا وبدون أي تردد
الخيار الثاني لتجنب الالتباس وحماية مشروعها من التأكل والاندثار الذي أصاب بقية
الفاعلين الذين قبلوا بالاندماج في بنية النظام.
*كاتب من
المغرب
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.