لم يكن المشهد الذي ظهر فيه وزير الخارجية
السوري أسعد الشيباني وهو يرفع علم بلاده
فوق مبنى السفارة السورية في الرباط مجرد تفصيل بروتوكولي عابر في أجندة
الدبلوماسية العربية، بل بدا أقرب إلى لحظة كثيفة بالرموز، تختصر مساراً طويلاً من
القطيعة والتحولات والانكسارات التي أعادت تشكيل
سوريا والمنطقة معاً. ففي
السياسة، لا تُفتح السفارات فقط بالأقفال والمفاتيح، بل تُفتح أيضاً بالتحولات
العميقة في الوعي والخيارات والتحالفات.
ولهذا، فإن عودة البعثة السورية إلى
المغرب
لا تعني مجرد استئناف
العلاقات الدبلوماسية بين دولتين، بقدر ما تعكس إعلاناً
ضمنياً عن نهاية مرحلة كاملة، وبداية أخرى مختلفة في شكلها وخطابها ورهاناتها.
لسنوات طويلة، ظلت العلاقات السورية
المغربية أسيرة إرث سياسي ثقيل صنعته دمشق في عهد حزب البعث، خصوصاً خلال حقبة حكم
آل الأسد. فقد اختار النظام السوري آنذاك التموضع داخل محور إقليمي وأيديولوجي
وضعه في مواجهة مباشرة مع المصالح الاستراتيجية للمغرب، وعلى رأسها قضية الصحراء
المغربية. ولم يكن احتضان جبهة البوليساريو سياسياً وإعلامياً داخل دمشق مجرد موقف
دبلوماسي تقليدي، بل كان بالنسبة إلى المغاربة انحيازاً صريحاً ضد وحدة المملكة
الترابية، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوعي الوطني المغربي.
اليوم، حين تتحدث القيادة السورية الجديدة عن "فتح صفحة جديدة" مع المغرب، فإن الأمر لا يبدو مجرد لغة دبلوماسية للاستهلاك السياسي، بل أقرب إلى مراجعة ضمنية لإرث كامل من السياسات التي قادت سوريا نفسها إلى العزلة والتفكك.
هكذا، تحولت العاصمة السورية لسنوات إلى
منصة خطابية داعمة للأطروحة الانفصالية، ضمن شبكة تحالفات جمعت النظام السوري
بالجزائر وإيران وبعض القوى الراديكالية في المنطقة. وبينما كانت الرباط تتعامل
بحذر وبراغماتية مع دمشق، كان النظام السوري يواصل استثمار ملف الصحراء في إطار
حسابات المحاور الإقليمية، غير مدرك أن مثل هذه السياسات لا تبني نفوذاً دائماً
بقدر ما تصنع عزلات طويلة الأمد.
لكن المفارقة التي تكشف جانباً مهماً من
طبيعة الدولة المغربية، أن الرباط لم تنقل خلافها مع النظام السوري إلى الشعب
السوري نفسه حين اندلعت الثورة عام 2011. فعلى العكس، تبنى المغرب موقفاً إنسانياً
وأخلاقياً واضحاً تجاه السوريين، سواء عبر دعمه السياسي لتطلعاتهم، أو من خلال
مبادرات إنسانية مباشرة تركت أثراً بالغاً في الذاكرة السورية.
وفي هذا السياق، لعبت الرباط دوراً سياسياً
عربياً ودولياً بارزاً من خلال استضافتها مؤتمر أصدقاء سوريا سنة 2012،
الذي جمع عشرات الدول الداعمة للشعب السوري والمعترفة بحق السوريين في التغيير
السياسي. لم يكن المؤتمر مجرد اجتماع دبلوماسي، بل رسالة واضحة بأن المغرب اختار
الاصطفاف إلى جانب تطلعات السوريين، في لحظة كانت فيها دمشق تغرق أكثر في منطق
الحل الأمني والعنف المفتوح.
كما استقبل المغرب مئات السوريين الفارين من
الحرب والمجازر، وفتح أمامهم أبواب الإقامة والعمل والتعليم، في وقت كانت فيه دول
كثيرة تنظر إلى اللاجئين باعتبارهم عبئاً أمنياً أو ديموغرافياً. وأقامت الرباط
أيضاً مستشفى ميدانياً في مخيم الزعتري بالأردن لعلاج اللاجئين السوريين، في خطوة
لم تكن إنسانية فقط، بل حملت رسالة سياسية وأخلاقية مفادها أن المغرب يميز بين
خلافه مع النظام وتعاطفه مع الشعب.
ولعل هذه الروح لم تكن وليدة لحظة الثورة
وحدها، بل امتداداً لعلاقة ثقافية وإنسانية أعمق بين المغاربة والسوريين. ويكفي
هنا استحضار تجربة الشاعر السوري الكبير عمر بهاء الدين الأميري الذي وجد في المغرب ملاذاً كريماً بعد التضييق الذي تعرض
له في بلاده، حين استقبله العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني ومنحه الإقامة
في الرباط، تقديراً لمكانته الفكرية والأدبية. كان ذلك الموقف يحمل في جوهره فرقاً
عميقاً بين دولة ترى في المثقف قيمة حضارية، ونظام اعتاد النظر إلى الأصوات الحرة
باعتبارها تهديداً أمنياً.
اليوم، حين تتحدث القيادة السورية الجديدة
عن "فتح صفحة جديدة" مع المغرب، فإن الأمر لا يبدو مجرد لغة دبلوماسية
للاستهلاك السياسي، بل أقرب إلى مراجعة ضمنية لإرث كامل من السياسات التي قادت
سوريا نفسها إلى العزلة والتفكك. كما أن الإشارات المتكررة إلى احترام الوحدة
الترابية للمغرب تحمل دلالة سياسية عميقة، لأنها تعني عملياً إسقاط أحد أكثر
الملفات توتراً بين البلدين، وفتح الباب أمام علاقة تقوم على الاحترام المتبادل لا
على الحسابات الأيديولوجية الضيقة.
وتأتي إعادة فتح السفارة السورية في الرباط
في لحظة عربية شديدة الحساسية، حيث يبدو العالم العربي بأكمله في طور إعادة تشكيل
توازناته بعد سنوات من الحروب والانقسامات والاستقطابات الحادة. فسوريا الخارجة من
ركام الحرب والاستبداد تبدو اليوم في حاجة إلى إعادة وصل ما انقطع مع عمقها
العربي، لكن ليس عبر الشعارات القديمة التي رفعها البعث لعقود باسم "الوحدة"
و"الممانعة"، بل عبر بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة واحترام
سيادة الدول وعدم التدخل في قضاياها الوطنية.
ليست السفارات مجرد بنايات دبلوماسية تُرفع فوقها الأعلام، بل هي مرايا تعكس طبيعة العلاقات بين الدول والشعوب. وما حدث في الرباط يتجاوز كثيراً إعادة فتح مقر دبلوماسي؛ إنه محاولة لإعادة ترميم ذاكرة عربية أنهكتها الخصومات والمحاور المغلقة والسياسات التي جعلت من الخلافات الإقليمية جروحاً طويلة الأمد.
لقد رفعت دول ومحاور ما عُرف بـ "الممانعة"
شعارات الدفاع عن القضايا العربية ومواجهة الهيمنة الخارجية، وكانت لدى كثير منها
قناعات حقيقية بضرورة حماية القرار العربي المستقل، غير أن تعقيدات الواقع
الإقليمي وطبيعة الأدوات السياسية التي استُخدمت خلال العقود الماضية قادت أحياناً
إلى نتائج عكسية عمّقت الانقسامات العربية وأثقلت كلفة الصراعات داخل المنطقة.
ولذلك تبدو صورة وزير خارجية سوري يزور الرباط لإعادة افتتاح السفارة، بعد سنوات
من القطيعة، تعبيراً عن مرحلة عربية جديدة تحاول تقديم البراغماتية والحوار
والتقارب بين الدول العربية بوصفها مدخلاً أكثر واقعية لترميم العلاقات العربية.
في النهاية، ليست السفارات مجرد بنايات
دبلوماسية تُرفع فوقها الأعلام، بل هي مرايا تعكس طبيعة العلاقات بين الدول
والشعوب. وما حدث في الرباط يتجاوز كثيراً إعادة فتح مقر دبلوماسي؛ إنه محاولة
لإعادة ترميم ذاكرة عربية أنهكتها الخصومات والمحاور المغلقة والسياسات التي جعلت
من الخلافات الإقليمية جروحاً طويلة الأمد.
وربما يدرك السوريون اليوم، بعد كل ما دفعوه
من دماء وأثمان، أن سوريا لا تستطيع العودة إلى محيطها العربي بالعقلية نفسها التي
حكمتها نصف قرن. وربما يدرك المغاربة أيضاً أن وقوفهم إلى جانب الشعب السوري لم
يكن موقفاً عابراً، بل استثماراً أخلاقياً في مستقبل عربي مختلف.
وفي هذا المعنى تحديداً، تبدو الرباط اليوم
أقرب إلى دمشق الحرة الجديدة، من دمشق البعث التي خاصمت المغرب طويلاً وخاصمت
معها، في لحظة ما، روح العرب أنفسهم.
وربما تكون القيمة الأعمق لكل ما جرى، أن
المنطقة العربية ما تزال قادرة ـ رغم كل الندوب ـ على إنتاج لحظات مصالحة تتغلب
فيها الجغرافيا والتاريخ وروابط الشعوب على إرث القطيعة والمحاور.
وإذا كانت صورة العلم السوري وهو يُرفع
مجدداً في الرباط تحمل كل هذه الرمزية، فلعل الأمل العربي الأكبر يظل معلقاً على
اليوم الذي تستعيد فيه العلاقات المغربية الجزائرية دفئها الطبيعي، بعيداً عن
التوترات المزمنة وحسابات الصراع المغلق. فالمغرب والجزائر ليسا بلدين عابرين في
الجغرافيا السياسية، بل جناحان لذاكرة واحدة ومصير مغاربي واحد، وكل قطيعة بينهما
تبقى، في النهاية، نزيفاً صامتاً لفكرة المغرب الكبير نفسها.
وربما تدرك الأجيال القادمة أن ما يجمع شعوب
المنطقة أكبر بكثير مما فرّقته السياسة، وأن أكثر الصور صدقاً في تاريخ العرب ليست
صور الخصومات الطويلة، بل تلك اللحظات النادرة التي تنتصر فيها الحكمة على الجراح،
ويعود فيها الأشقاء إلى بعضهم كما لو أنهم يكتشفون للمرة الأولى أن المستقبل لا
يُبنى إلا معاً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.