كان السادس عشر من نيسان / أبريل، في
سنواتنا الأولى بعد الاستقلال، منذ اعتماده في منتصف السبعينيات يومًا مختلفًا عن
سائر الأيام. لم يكن مجرد تاريخ في الروزنامة الدراسية، لقد كان حدثا تربويا
متميزا ، يوقظ فينا معنى العلم ومعنى الوطن معًا. كنا صغارا في مقاعد الدراسة،
وكانت روح نوفمبر لا تزال، من حولنا، عميقة في النفوس، حاضرة في وجدان المعلم، وفي
خطاب المدرسة، وفي ذاكرة المجتمع كله.
كانوا يحدثوننا عن عبد الحميد بن باديس، بعد
الاستقلال، باعتباره رائد النهضة
الجزائرية، وليس مجرد عالم أو مصلح، لقد كانوا
يشعروننا بأنه الرجل الذي أعاد تشكيل الوعي الجزائري. وكم ترسخت في مخيال أجيال الاستقلال صورته الشهيرة
تلك، إصبعه المرفوعة عند صدغه، كأنه يشير إلى موطن التفكير والوعي، إلى أن المعركة
الحقيقية كانت معركة عقل قبل أن تكون معركة سلاح.
لقد كان
يوم العلم يومًا مشهودًا بحق، تتحول
فيه المدارس إلى فضاءات نابضة بالحياة: مسابقات ثقافية، عروض مسرحية، أناشيد
وطنية، وخطب تستحضر فكر
ابن باديس وروح الثورة. لم تكن تلك الأنشطة مجرد احتفالات،
بل كانت عملية غرس متواصلة لأفكار الإصلاح في نفوسنا، وربطًا عميقًا بين العلم
والتحرر، بين المعرفة والسيادة.
لقد كان يوم العلم يومًا مشهودًا بحق، تتحول فيه المدارس إلى فضاءات نابضة بالحياة: مسابقات ثقافية، عروض مسرحية، أناشيد وطنية، وخطب تستحضر فكر ابن باديس وروح الثورة. لم تكن تلك الأنشطة مجرد احتفالات، بل كانت عملية غرس متواصلة لأفكار الإصلاح في نفوسنا، وربطًا عميقًا بين العلم والتحرر، بين المعرفة والسيادة.
وكان قادة جيل المجاهدين، ممن عايشوا الثورة
وشاركوا فيها، يحدثوننا بكثير من التقدير عن تأثير الإصلاح الباديسي في تكوين
الجيل الذي فجّر الثورة. كان أبطالٌ نوفمبريون كبار في أحيائنا، منحهم جهادهم ضد
الاستعمار مكانة كبيرة في النفوس، يرون في ابن باديس الأرضية الفكرية والأخلاقية
التي أنجبت المجاهدين، ولذلك كان احترامهم للرجل كبيرا، يتجاوز حدود التقدير
العلمي إلى نوع من الامتنان التاريخي.
إن عمق هذا التقدير يعود إلى زمن الحركة
الوطنية قبل الثورة، إذ كان قادتها جميعا يلتقون على احترام ابن باديس، رغم اختلاف
الرؤى والمسارات. كانت بينهم مساحات التقاء وطني كبيرة، و اتصالات، ولقاءات،
ومشاريع مشتركة، وحماية متبادلة، ضمن تسامح بديع وتقدير متبادل، وكانوا جميعهم
يدركون أن ذلك الرجل المعمم اللطيف الوقور، لم يكن يعمل من أجل فئة من الجزائريين
دون أخرى، بل كان مشروعه مشروع وطن، مشروع أمة.
لقد تخصصت جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين في مهمة استراتيجية: تشييد المدارس في كل أنحاء الوطن، لمواجهة الجهل
الذي كرّسه الاستعمار، وإعادة بناء الشخصية الجزائرية على أسسها الإسلامية
وانتسابها للعروبة المحمدية وفق قوله رحمه الله: "شعب الجزائر مسلم .. وإلى
العروبة ينتسب"، وترسيخ وحدة الجزائريين الثقافية، وتحديد بوصلة الحياة وفق
قوله رضي الله عنه: "أعيش للإسلام والجزائر". ولم يكن ذلك العمل الحضاري
العظيم سهلا في سياق استعماري معاد، لقد كان جهادا حقيقيا، وكانت ساحته الأساسية
في ميدان التربية والتعليم، التي لا تنهض الأمم بغيرها.
يحكي لنا الأستاذ بن مالك، رحمه الله، حين
كنا طلبة في جامعة سطيف، وهو من علماء نواحي سطيف ببني ورتلان، وكان منتمياً إلى
جمعية العلماء وقاضيًا في الثورة، قصة تختصر التحول الذي أحدثه ابن باديس في
النفوس. يقول: "كنا قبل أن نعرف ابن باديس نشعر وكأننا ذباب أمام الفرنسيين،
فلما جلسنا إليه، أحيى قلوبنا ونوّر عقولنا بالعلم، وبالسيرة النبوية، وتاريخ
الفتوحات الإسلامية، وشعر النخوة العربية، فكنا نخرج من عنده نتمايل من الطرب نكاد
نجعل الفرنسيين تحت أقدامنا" هكذا يصنع العلم الإنسان، وهكذا تتحول المعرفة
إلى قوة.
ومن هنا كان العلم، عند ابن باديس، طريق
النهضة الشامل، للرجال والنساء على حد سواء. وما تزال الصور شاهدة على ذلك، حيث
يظهر هو والبشير الإبراهيمي في مدارس الجمعية، وبينهم فتيات من مختلف الأعمار، في
رسالة واضحة بأن النهضة لا تقوم بنصف المجتمع.
وبمناسبة الحديث عن يوم العلم، أود أن أتطرق
إلى بعض المسائل المعرفية المهمة، في إطار منهج جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين، كامتداد للحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي، كما تجلت في فكر جمال
الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وما أكد عليه لاحقًا مالك بن نبي، وتأثرت به
شرائح واسعة من الموارد البشرية في الصحوة الإسلامية.
ومن أبرز هذه المسائل ما يتعلق بالثنائية
المصطنعة بين "العلم الشرعي" و"العلم الكوني"، وهي ثنائية لم
تنشأ في السياق الحضاري الإسلامي، بل تبلورت في سياقات فكرية غربية حديثة، خاصة مع
تطور التخصصات العلمية منذ القرن التاسع عشر، وما رافق ذلك من توجهات فصلت بين
مجالات المعرفة.
فالحضارة الإسلامية لم تعرف هذا الانفصال
الحاد، بل عرفت نموذج العالم الموسوعي الذي يجمع بين علوم متعددة في إطار رؤية
معرفية متكاملة. فهذا الإمام الشافعي كان فقيهًا وطبيا وأصوليًا ولغويًا، والرازي
كان طبيبًا وفيلسوفًا ومفسرًا، وابن سينا جمع بين الطب والفلسفة، وابن خلدون بين
التاريخ والاجتماع والاقتصاد.
وهذا النموذج لم يكن خاصًا بالحضارة
الإسلامية، بل عرفته الحضارة الغربية في مراحلها التأسيسية أيضًا، حيث كان ديكارت
فيلسوفًا ورياضيًا، وكان باسكال عالم رياضيات وفيزياء وفيلسوفًا، وكان آدم سميث
فيلسوفًا أخلاقيًا واقتصاديًا، كما جمع نيوتن بين علم اللاهوت والفيزياء
والرياضيات والفلسفة الطبيعية، وكان كوبارنيكوس رجل دين وعالم رياضيات وفلك.
من أبرز هذه المسائل ما يتعلق بالثنائية المصطنعة بين "العلم الشرعي" و"العلم الكوني"، وهي ثنائية لم تنشأ في السياق الحضاري الإسلامي، بل تبلورت في سياقات فكرية غربية حديثة، خاصة مع تطور التخصصات العلمية منذ القرن التاسع عشر، وما رافق ذلك من توجهات فصلت بين مجالات المعرفة.
إن القاعدة التي تحفظ التوازن هي قاعدة
التعميم والتركيز: أن تتشكل لدى الطالب أرضية معرفية واسعة متعددة العلوم، ثم
يتخصص بعد ذلك في مجال أو مجالين أو أكثر، حسب همته وقدراته وظروفه، فيكون صاحب
علم وفكر، خلافا للتوجهات المتأخرة للحضارة الغربية التي تركز على التخصص فتجعل
العالم متبحرا في اختصاصه، ولكنه ساذج، دون أي قدرات فكرية، لا يعرف شيئا عمّا
يحدث خارج مخبره، ولا يشعر بأي اهتمام لما يحدث في وطنه وفي العالم، فيكون بذلك،
مجرد أداة فائقة الإبداع في الاختصاص لصالح الآلة الرأسمالية التي تتحكم فيها أقلية متحكمة في ناصية حياته وحياة
البشرية.
غير أن الواقع المؤلم في كثير من بلداننا
الإسلامية أن الطلبة لا ينجحون لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم الكونية، لا في
الثقافة العامة ولا في الاختصاص، وأن بعضهم لا يتفوق إلا حين يخرج خارج هذا الفضاء
التعليمي المختل. وهذا يطرح سؤالًا عميقًا حول طبيعة المنظومة التعليمية
وأولوياتها.
وقد أشرت في حلقة من برنامج
"مسافة صفر" إلى مسألة أخرى تمثل إشكالا بالغ الخطورة، يتعلق بوضعية
العلوم الاجتماعية في بلداننا، كعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس،
والآداب، والقانون، والتاريخ. فهذه العلوم، التي تحمل في بنيتها حمولة ثقافية
غربية عميقة، تُترك غالبًا للطلبة الأقل تفوقًا في شهادة البكالوريا، مما ينقص فرص
بروز المفكرين الكبار القادرين على إعادة بنائها في ضوء مرجعيتنا الحضارية.
ذلك أن تفكيك هذه العلوم من حمولتها
الثقافية الغربية وإعادة تركيبها ليس أمرا يسيرا، بخلاف العلوم الكونية (الطبيعية
والرياضية والتقنية) التي يمكن التحكم فيها وتحييد أبعادها الثقافية. فتخصص
النجباء في العلوم الكونية أمر محبذ ولكن، من جهة أخرى، نحرم بلداننا من نخب فكرية
قادرة على بناء مشروع حضاري متماسك لو تخصصوا كذلك في العلوم الاجتماعية.
إن هذا النهج، المبني على التركيز المتوازي
للعلوم الاجتماعية من داخل المنظومة الثقافية المحلية، وللعلوم الكونية، وتوجيه
النجباء إليها جميعا، معمول به في الدول الناهضة، خارج العالم الإسلامي، بل ومن
داخله في بعض البلدان الإسلامية، مثل ماليزيا وأندنوسيا وتركيا وإيران وباكستان،
فهذه الدول تسير بخطى ثابتة، بدرجات متفاوتة، في التحكم في العلوم الكونية
والتكنولوجية، مع المحافظة على قدر معتبر من السيادة الثقافية والحضارية في مجال
التعليم عبر الاهتمام الكبير بالعلوم الاجتماعية. وهو ما يؤكد أن الإشكال ليس في
طبيعة العلوم، بل في كيفية التعامل معها وموقعها ضمن المشروع المجتمعي.
إن يوم العلم ليس مجرد استذكار لابن باديس
رحمه الله، بل هو دعوة متجددة لإعادة طرح سؤال النهضة: كيف نبني إنسانًا حرًا
بعلمه، معتزًا بهويته، قادرًا على فهم العالم والتأثير فيه؟
ذلك هو الدرس الذي تركه لنا ابن باديس، وذلك
هو التحدي الذي لا يزال قائمًا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.