يشهد العالم اليوم حالة من التوتر المزدوج،
إذ تتلاحق الأزمات على المستويات السياسية والعسكرية والإنسانية، ويبدو أن الجميع
منشغلون بمحاولة وضع حد للصراع المستعر بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان
الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى. هذا الانشغال، رغم أهميته الظرفية، يغفل
الحقيقة الجوهرية التي تتجاوز مجرد حسابات القوة والتحالفات الإقليمية والدولية:
أصل المشكلة يكمن في
فلسطين، القضية المركزية التي لم تُحل بعد، والتي لا تزال
تنزف منذ أكثر من سبعين عامًا، تاركة العالم عرضة لهزات متتالية وانعدام استقرار دائم.
إن استقرار العالم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق العدالة في فلسطين وفق القانون الدولي والعدالة الأرضية والسماوية، وهو ليس مجرد شعار أخلاقي أو سياسي، بل قاعدة قانونية إنسانية تاريخية. ما لم تُسترد حقوق الفلسطينيين، وما لم يُؤمن لهم وطنهم، فإن كل الجهود الدولية لوقف الحروب ستظل مؤقتة، وكل التسويات السياسية سطحية، وسيظل العالم يعيش في دائرة متجددة من النزاعات والصراعات.
من منظور قانوني، فلسطين ليست مجرد قضية
سياسية عابرة؛ إنها قضية تتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، وحق الشعوب في
تقرير مصيرها. القرارات الأممية، بما فيها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة
للأمم المتحدة، أكدت مرارًا أن
الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير مشروع،
وأن للشعب الفلسطيني كامل الحق في مقاومة الاحتلال، بما يوافق القانون الدولي،
وصولًا إلى استعادة أرضه وحقوقه المغتصبة. ومع ذلك، فإن تجاهل المجتمع الدولي لهذه
القواعد وترك الاحتلال يستمر في انتهاكاته يضع الاستقرار العالمي كله على المحك،
لأن الحروب لا تبدأ وتنتهي بمعارك محددة؛ بل تبدأ من اختلال
العدالة وانتهاك
الحقوق.
من منظور تاريخي، النزاع الفلسطيني ليس
حادثًا عابرًا أو مجرد نزاع حدودي؛ إنه محور الصراعات في الشرق الأوسط منذ النكبة
في عام 1948، مرورًا بالحروب العربية الإسرائيلية، وصولًا إلى الانتفاضات
الفلسطينية وثورات الربيع العربي. كل هذه الأحداث متصلة بجوهر القضية الفلسطينية،
والتي ما زالت تشكل الشرارة الخفية لكل أزمة تتفجر في المنطقة. الحرب القائمة
اليوم بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليست معزولة عن فلسطين؛ فهي تتغذى على
الإحباط الفلسطيني، وعلى الفشل المتكرر للمجتمع الدولي في فرض حل عادل وشامل. وكل
جولة من العنف تعيد إنتاج دوائر الانتقام والمعاناة، وتؤكد أن فلسطين ليست مجرد
أرض، بل رمز للعدالة المفقودة ولبنية العلاقات الدولية المضطربة.
من منظور إنساني، الثمن باهظ بلا حدود.
المدنيون الفلسطينيون يدفعون الثمن الأكبر، لكن العنف لا يقتصر عليهم فقط. الحروب
في إيران، والغزو الإسرائيلي المستمر، والتحركات الأمريكية العسكرية في المنطقة،
كلها تنتج كارثة إنسانية تتجاوز حدود فلسطين، لتصيب شعوب المنطقة بأكملها بالقتل،
والتشريد، والفقر، والحرمان. لا يمكن لأي مراقب أن يغض الطرف عن هذه المعاناة،
فمعاناة الإنسان الفلسطيني هي مؤشر مباشر على إخفاق العالم في تحقيق العدالة
والسلام.
من منظور سياسي واستراتيجي، العالم يبدو
مشغولًا بحربين دمويتين متزامنتين: الأولى في أوكرانيا بين روسيا والغرب، والثانية
في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. هذه الحروب، رغم أهميتها
بالنسبة لموازين القوى الإقليمية والعالمية، تبقى سطحية إذا لم نتفحص الجذر
الأساسي للصراعات: الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والحرمان المستمر للشعب الفلسطيني
من حقوقه. روسيا تحقق مكاسب على الأرض في أوكرانيا، والقوى الإقليمية تكبدت خسائر
في المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها، لكن هذه الحسابات لن تؤدي إلى استقرار
دائم، لأن الشرارة الحقيقية للصراع لم تُطفأ. فلسطين هي الشرارة الجوهرية لكل صراع
آخر، وأي محاولة لتأجيل حلها ستضمن استمرار الحروب في المنطقة والعالم.
إن استقرار العالم مرتبط ارتباطًا وثيقًا
بتحقيق العدالة في فلسطين وفق القانون الدولي والعدالة الأرضية والسماوية، وهو ليس
مجرد شعار أخلاقي أو سياسي، بل قاعدة قانونية إنسانية تاريخية. ما لم تُسترد حقوق
الفلسطينيين، وما لم يُؤمن لهم وطنهم، فإن كل الجهود الدولية لوقف الحروب ستظل
مؤقتة، وكل التسويات السياسية سطحية، وسيظل العالم يعيش في دائرة متجددة من
النزاعات والصراعات.
في النهاية، لا يمكن لأي مراقب عاقل أن يغفل
أن القضية الفلسطينية هي قلب الانقسام والصراع في الشرق الأوسط، ومفتاح الاستقرار
العالمي. الحل القانوني والسياسي والإنساني لفلسطين ليس خيارًا إضافيًا، بل شرط
أساسي لأي أمن عالمي مستدام. أي محاولة لتأجيله أو تجاهله هي إدانة مسبقة لعشرات
السنوات القادمة من الحروب والدماء المهدورة، ولن يكون أمام المجتمع الدولي سوى
مواجهة عواقب فشل العدالة. فلسطين ليست مجرد قضية إقليمية؛ إنها جوهر الحروب
والخلافات، وما لم يتم حلها وفق مبادئ العدالة، فلن يعرف العالم سلامًا حقيقيًا.
ربما لم يدرك كثيرون ما يعنيه أن يعيش
الإنسان في ظل الخوف المستمر من القصف، حيث يصبح الموت رفيقًا لا يفارقك. اليوم،
يلوذ شعوب الخليج والشرق الأوسط بالملاجئ هربًا من صواعق الحرب، بينما ظل
الفلسطينيون في غزة على مدى عامين يواجهون الموت في كل زاوية من زوايا حياتهم، بلا
ملجأ، بلا أمان.
فلسطين ليست مجرد أرض محتلة أو قضية سياسية؛ إنها قلب المأساة، ومرآة الانتهاكات المستمرة، وشرارة الصراعات التي تعصف بالمنطقة والعالم. ما لم يُستعد للفلسطينيين حقهم في وطنهم وكرامتهم، سيبقى الاستقرار العالمي حلمًا بعيدًا، وستستمر دوائر الحروب والمعاناة بلا نهاية، لتؤكد أن العدالة الحقيقية وحدها قادرة على إنهاء هذا الكابوس الطويل.
فلسطين ليست مجرد أرض محتلة أو قضية سياسية؛
إنها قلب المأساة، ومرآة الانتهاكات المستمرة، وشرارة الصراعات التي تعصف بالمنطقة
والعالم. ما لم يُستعد للفلسطينيين حقهم في وطنهم وكرامتهم، سيبقى الاستقرار
العالمي حلمًا بعيدًا، وستستمر دوائر الحروب والمعاناة بلا نهاية، لتؤكد أن
العدالة الحقيقية وحدها قادرة على إنهاء هذا الكابوس الطويل.
في المحصلة، لا يمكن اختزال القضية
الفلسطينية في بعدها السياسي أو القانوني فحسب؛ فهي التقاء عميق بين ثوابت الحق
التي أقرتها الشرائع السماوية، ومبادئ العدالة التي رسختها القوانين الدولية،
والقيم الإنسانية التي لا تقبل التمييز أو الانتقاص.
إن حق الإنسان في أرضه وكرامته وأمنه ليس
موضع تفاوض، بل هو أصل من أصول الشريعة، وقاعدة من قواعد القانون، وضرورة من
ضرورات الوجود الإنساني. وما لم تُصن هذه الثوابت في فلسطين، وتُترجم إلى واقع
يعيد لأهلها حقوقهم كاملة غير منقوصة، فإن العالم سيظل يدور في حلقة مفرغة من
الاضطراب، لأن الاستقرار لا يُبنى بالقوة، بل بالعدل، ولا يُحمى بالسلاح، بل
بميزان الحق الذي يجمع بين القانون والضمير، ويصون إنسانية الإنسان أينما كان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.