برلين تتكلم والعرب يصمتون.. من يوقف الإبادة في السودان ويُحاكم الجناة؟

مبارك المطوع
يدفع السودان الثمن مضاعفًا؛ حرب داخلية دامية تُرتكب فيها انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب، وصمت دولي وإقليمي يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول جدوى منظومة الحماية الدولية.. الأناضول
يدفع السودان الثمن مضاعفًا؛ حرب داخلية دامية تُرتكب فيها انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب، وصمت دولي وإقليمي يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول جدوى منظومة الحماية الدولية.. الأناضول
شارك الخبر
في مشهد إقليمي يزداد اضطرابًا وتعقيدًا، تتقاطع المآسي الإنسانية مع الحسابات السياسية والقانونية على نحوٍ غير مسبوق؛ فالإبادة في قطاع غزة مستمرة تحت أنظار العالم، والاعتداءات في لبنان تتصاعد على وقع توترات مفتوحة، فيما تظل آفاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران غامضة ومشحونة بكل احتمالات الانفجار.

وفي خضم هذا المشهد القاتم، يدفع السودان الثمن مضاعفًا؛ حرب داخلية دامية تُرتكب فيها انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب، وصمت دولي وإقليمي يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول جدوى منظومة الحماية الدولية.

إن ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد نزاع داخلي عابر، بل هو انهيار شامل لمنظومة الحماية الإنسانية، حيث يُستهدف المدنيون، وتُدمّر البنية التحتية، ويُهجّر الملايين من ديارهم قسرًا، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني. ومع ذلك، فإن الموقف العربي والإسلامي، في مجمله، لا يزال دون مستوى المسؤولية التاريخية والشرعية، إذ يغلب عليه التردد، ويغيب عنه القرار الحازم الذي يرقى إلى حجم المأساة.
وبين رهانات السياسة ونداءات الضمير الإنساني، يبقى المدنيون هم الضحية الأولى، في وقتٍ يفترض فيه القانون الدولي والشرائع السماوية أن تكون حمايتهم أولوية لا تقبل التأجيل أو المساومة.

في هذا السياق المضطرب، حيث تتزاحم الأزمات وتتنافس المآسي على هامش الاهتمام الدولي، يبرز مؤتمر برلين لداعمي السودان الذي انعقد في برلين بوصفه محاولة لإعادة تسليط الضوء على الجرح السوداني المنسي. غير أن هذا المؤتمر، رغم أهميته الرمزية والسياسية، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يكفي أن يجتمع العالم للحديث عن السودان، بينما تستمر معاناة شعبه دون تدخل حاسم يوقف النزيف، ويضع حدًا للانتهاكات، ويؤسس لمسار قانوني يضمن مساءلة الجناة وإنصاف الضحايا؟

إن ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد نزاع داخلي عابر، بل هو انهيار شامل لمنظومة الحماية الإنسانية، حيث يُستهدف المدنيون، وتُدمّر البنية التحتية، ويُهجّر الملايين من ديارهم قسرًا، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني. ومع ذلك، فإن الموقف العربي والإسلامي، في مجمله، لا يزال دون مستوى المسؤولية التاريخية والشرعية، إذ يغلب عليه التردد، ويغيب عنه القرار الحازم الذي يرقى إلى حجم المأساة.

من منظور قانوني، لا يمكن تبرير هذا الصمت أو الاكتفاء ببيانات الإدانة. فالقانون الدولي، منذ اتفاقيات جنيف وحتى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يفرض التزامًا واضحًا على الدول ليس فقط بإدانة الجرائم، بل بالعمل على منعها ومعاقبة مرتكبيها. إن الجرائم المرتكبة في السودان، بما تحمله من سمات الاستهداف المنهجي للمدنيين، تندرج ضمن أخطر الجرائم الدولية، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز التساهل في ملاحقة مرتكبيها.

وعليه، فإن مسؤولية معاقبة مجرمي الحرب ليست خيارًا سياسيًا، بل واجب قانوني وأخلاقي. وهي مسؤولية لا تقتصر على المجتمع الدولي بمعناه الغربي، بل تشمل كذلك الدول العربية والإسلامية التي تربطها بالسودان روابط الدين والتاريخ والمصير المشترك. إن التقاعس عن اتخاذ موقف واضح وحاسم لا يعني الحياد، بل يرقى ـ في بعض صوره ـ إلى مستوى التواطؤ بالصمت.

أما من الناحية الحقوقية، فإن ما يحدث في السودان يمثل انتهاكًا جوهريًا لحقوق الإنسان الأساسية: الحق في الحياة، الحق في الأمن، الحق في الكرامة الإنسانية. وهذه الحقوق ليست منحة من سلطة، بل هي حقوق أصيلة، مكفولة بموجب الشرائع السماوية قبل أن تقرها المواثيق الدولية. ومن هنا، فإن الدفاع عن الشعب السوداني ليس شأنًا سياسيًا فحسب، بل هو التزام حقوقي يستوجب التحرك العاجل لوقف الانتهاكات، وتأمين الحماية للمدنيين، وضمان عودة النازحين إلى ديارهم بكرامة وأمان.

وإذا انتقلنا إلى البعد الشرعي، فإن الصورة تزداد وضوحًا وحسمًا. فالشريعة الإسلامية تقرر بشكل قاطع حرمة الدماء، وتُعلي من شأن حفظ النفس باعتباره أحد المقاصد الكلية للدين. يقول الله تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا"، وهو نصّ يضع حماية الحياة الإنسانية في أعلى سلم الأولويات. كما أن مبدأ "رفع الظلم" و"نصرة المظلوم" ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل هو واجب شرعي لا يسقط بالتقاعس أو التذرع بالمصالح السياسية.

إن السكوت عن جرائم القتل الجماعي، أو الاكتفاء بالمراقبة، يتعارض مع مقاصد الشريعة التي توجب التدخل لوقف العدوان، بكل الوسائل الممكنة والمشروعة. كما أن محاسبة الجناة تدخل في باب إقامة العدل، الذي هو أساس الحكم وركيزة الاستقرار. فلا استقرار بلا عدل، ولا عدل بلا محاسبة.
إن السكوت عن جرائم القتل الجماعي، أو الاكتفاء بالمراقبة، يتعارض مع مقاصد الشريعة التي توجب التدخل لوقف العدوان، بكل الوسائل الممكنة والمشروعة. كما أن محاسبة الجناة تدخل في باب إقامة العدل، الذي هو أساس الحكم وركيزة الاستقرار. فلا استقرار بلا عدل، ولا عدل بلا محاسبة.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط عقد المؤتمرات، بل ترجمة هذه اللقاءات إلى خطوات عملية: الضغط السياسي الحقيقي لوقف إطلاق النار، إنشاء آليات دولية وإقليمية لمراقبة الانتهاكات، دعم مسارات العدالة الانتقالية، وتمكين الجهات القضائية من ملاحقة المسؤولين عن الجرائم. كما يجب العمل على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإعادة الأمل للشعب السوداني في العيش الكريم على أرضه.

إن مؤتمر برلين، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن إرادة سياسية صادقة من الدول العربية والإسلامية. فهذه الدول، بحكم موقعها وتأثيرها، قادرة على لعب دور حاسم في إنهاء هذه المأساة، إذا ما توفرت الإرادة. أما الاستمرار في حالة التردد، فإنه لن يؤدي إلا إلى تعميق الجرح السوداني، وإطالة أمد المعاناة.

ختامًا، فإن التاريخ لا يرحم، والقانون لا ينسى، والشرع لا يبرر الظلم. وما يحدث في السودان اليوم هو اختبار حقيقي لضمير العالم، قبل أن يكون اختبارًا للأنظمة السياسية. فإما أن نكون في صف العدالة، قولًا وفعلًا، أو نتحمل تبعات الصمت، قانونيًا وأخلاقيًا وشرعيًا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل