في ظل
انشغال العالم بالحرب على إيران، وما سبقها من عدوان متواصل على غزة، تتواصل في
السودان حرب أهلية تدخل عامها الرابع بين الجيش النظامي وقوات
الدعم السريع، لتصنع
واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية المعاصرة من دون أن تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام
أو الغضب الدولي. يتعلق الأمر هنا ليس فقط بمأساة شعب عربي متفاقمة الخطورة، بل
بحلقة ضمن سلسلة العبث الإقليمي التي تستهدف إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط من
بوابات متعددة، من فلسطين إلى السودان.
يبرز جوهر
هذه الأزمة من خلال تشظي الجغرافيا السودانية إلى فضاءات نفوذ تسيطر عليها سلطات
أمر واقع متنازعة، حيث يمسك الجيش بالخرطوم والشرق بينما تبسط قوات الدعم السريع
نفوذها على دارفور وأجزاء واسعة من الغرب، وتتحول ولايات أخرى مثل كردفان والنيل
الأزرق إلى مناطق موزعة بين تشكيلات مسلحة متنافسة. هذا التفكك الميداني لا يعكس
فقط هشاشة الدولة الوطنية، بل يكشف كذلك عن دور الآليات الإنسانية نفسها، حين
تُدار عبر التفاوض مع القوى المسلحة في كل رقعة، في تكريس الخرائط الحالية وتقنين
سيطرة
المليشيات بوصفها شركاء أمر واقع.
هذا التفكك الميداني لا يعكس فقط هشاشة الدولة الوطنية، بل يكشف كذلك عن دور الآليات الإنسانية نفسها، حين تُدار عبر التفاوض مع القوى المسلحة في كل رقعة، في تكريس الخرائط الحالية وتقنين سيطرة المليشيات بوصفها شركاء أمر واقع
على
المستوى العسكري، شهدت السنوات الأخيرة تصعيدا نوعيا في استخدام الطائرات
المسيّرة، حيث قُتل المئات من المدنيين في بضعة أشهر بفعل الضربات التي تنفذها هذه
الوسائل الحديثة، في مؤشر على انزلاق الحرب إلى مستوى تقني أكثر فتكا وارتباطا
بمنظومات تسليح خارجية. في الوقت ذاته، تتحدث المعطيات عن دعم لوجستي إقليمي لبعض
أطراف الصراع من خلال توفير آليات قتالية وأراضٍ للتدريب، ما ينقل طبيعة الحرب من
نزاع داخلي على السلطة إلى حلقة في شبكة تنافس إقليمي على الموانئ والموارد
والممرات البحرية الاستراتيجية التي تجعل من السودان جزءا لا يتجزأ من معادلة
البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
إن
الكارثة الإنسانية الناتجة عن هذا الوضع تكشف حجم الفاتورة البشرية لحرب منسية؛
فملايين السودانيين باتوا بين نازح ولاجئ، وملايين آخرون يعيشون في حالة انعدام
أمن غذائي حاد، بينما لا يحظى العمل الإغاثي إلا بجزء يسير من التمويل المطلوب،
بما يعمق هشاشة المجتمعات المحلية ويجعلها رهينة لاقتصاد الحرب وشبكات المليشيات
المتعددة. وتترافق هذه المأساة مع اتهامات موثقة بجرائم حرب وعمليات تطهير عرقي في
بعض المناطق، ما يذكّر بفظاعات سابقة عاشها الإقليم نفسه، وكأن التاريخ يعيد إنتاج
نفسه تحت أعين عالم يكتفي بإدارة الأزمات بدل السعي الجدي لمعالجتها جذريا.
أما على
الصعيد الداخلي، فتتجلى مفارقة قاسية: شعب يحاول التكيّف مع الكارثة من أجل
البقاء، في مقابل نخب سياسية تحاول إعادة تقديم نفسها ممثلا وحيدا للسودانيين في
المحافل الدولية، رغم مسؤوليتها عن تفويت فرصة الانتقال الديمقراطي في مراحل سابقة.
هذا التناقض هو الذي يعمّق فجوة الشرعية بين الشارع وقواه الحية من لجان مقاومة
وحركات مدنية من جهة، وبين الطبقة السياسية التقليدية التي تحاول الظهور في صورة
الشريك المدني المقبول لدى القوى الغربية والإقليمية من جهة أخرى، تماما كما يجري
في ملفات عربية أخرى حيث يُختزل تمثيل الشعوب في دوائر ضيقة منفصلة عن النبض
الحقيقي للمجتمع.
ترك السودان يغرق في حرب منسية يعني القبول بتفكك حلقة جديدة من حلقات النظام العربي، وإفساح المجال أمام مزيد من التدخلات التي لن تقف عند حدوده، بل ستنعكس على التوازنات في البحر الأحمر وشرق المتوسط وعلى مسارات القضية الفلسطينية نفسها
أما على
المستوى الإقليمي والدولي، فإن طريقة إدارة الملف السوداني تتم بنفس الآليات
المألوفة في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط، من فلسطين إلى اليمن وسوريا وليبيا.
فالدول المنخرطة في ما يسمى آليات الوساطة أو "الرباعيات" تجمع بين دور
الوسيط ودور الطرف المستفيد إما من استمرار الفوضى أو إعادة تشكيل موازين القوى
لصالحها، من خلال دعم هذا المعسكر أو ذاك، أو استثمار حالة انهيار الدولة في
ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة، وهو ما يجعل من السودان ساحة إضافية لتصفية
الحسابات وتبادل الرسائل بين العواصم الإقليمية والدولية.
في ضوء
ذلك، لا تبدو الحرب السودانية حدثا معزولا عن أصابع العبث نفسها التي تعمل على
إعادة هندسة الشرق الأوسط. فالمنطق واحد: إغراق المجتمعات في حروب طويلة تستنزف
قواها الحية، وتفكيك الدول المركزية إلى كانتونات نفوذ، وتحويل المساعدات إلى أداة
إدارة للأزمة بدل أن تكون مدخلا لتسويتها، ثم فرض مسارات سياسية فوقية تعيد إنتاج
النخب الفاشلة نفسها شريكة في أي ترتيبات مقبلة.
إن
الانتباه إلى ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد واجب تضامني مع شعب عربي يواجه
الجوع والقصف والنزوح، بل هو أيضا فعل وعي استراتيجي يرى في هذا البلد ركيزة من
ركائز الأمن العربي والأفريقي، من البحر الأحمر إلى العمق الصحراوي والنهري. فترك
السودان يغرق في حرب منسية يعني القبول بتفكك حلقة جديدة من حلقات النظام العربي،
وإفساح المجال أمام مزيد من التدخلات التي لن تقف عند حدوده، بل ستنعكس على
التوازنات في البحر الأحمر وشرق المتوسط وعلى مسارات القضية الفلسطينية نفسها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.