ديمونا كنقطة تحول في الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران

حامد أبو العز
"الهجوم الذي طال ديمونا في إسرائيل وعراد مثل لحظة مفصلية"- جيتي
"الهجوم الذي طال ديمونا في إسرائيل وعراد مثل لحظة مفصلية"- جيتي
شارك الخبر
بعد ثلاثة أسابيع من الحرب الممتدة، لم تعد الهجمات الإيرانية على إسرائيل مجرد استمرار ناري في الزمن، بل تحولت إلى مسار تراكمي يكشف عن تطور نوعي واضح في طبيعة الضربات، وفي فلسفة إدارتها، وفي الرسائل الاستراتيجية التي تحملها. الحرب هنا لم تعد تقاس فقط بعدد الصواريخ والمسيرات، بل بقدرة الطرف المهاجم على إعادة تشكيل ميدان الاشتباك تدريجيا، ونقل الخصم من موقع المبادرة إلى موقع الاستنزاف والارتباك وإعادة التموضع. هذا بالضبط ما يجعل القراءة الدقيقة للهجمات الإيرانية في هذه المرحلة أكثر أهمية من رصد مشاهد الدمار وحدها.

منذ الأيام الأولى، كان الخطاب الإيراني يحرص على التلميح إلى أن ما استعمل حتى الآن لا يمثل كامل المخزون النوعي، وأن جزءا مهمّا من القدرات الصاروخية المتقدمة لم يدخل المعركة بعد. هذه الفكرة لم تعد مجرد تصريح سياسي للاستهلاك المعنوي، بل باتت تكتسب وزنا أكبر مع كل موجة هجومية جديدة تظهر فيها خصائص أكثر دقة، أو مدى أبعد، أو قدرة أفضل على اختراق الدفاعات. الهجوم الذي طال ديمونا في إسرائيل وعراد مثل لحظة مفصلية في هذا المسار، لأنه أظهر أن الانتقال من الضربات الرمزية إلى الضربات الحساسة قد بدأ فعليا، وأن العمق الإسرائيلي لم يعد محميا بالمعنى الذي حاولت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترسيخه منذ البداية. وصفت ضربات 22 آذار/ مارس على ديمونا وعراد بأنها من أشد الهجمات الإيرانية وقعا داخل إسرائيل خلال الحرب الجارية، مع فشل منظومات الدفاع في اعتراض بعض المقذوفات ووصول أضرار مباشرة إلى مناطق مدنية وقريبة من منشآت شديدة الحساسية.

الدلالة الأهم هنا ليست فقط في موقع ديمونا، بل في معنى الاقتراب منها. عندما تصبح منطقة ترتبط في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي بالبنية النووية والردع البعيد ضمن دائرة التهديد المباشر، فإن الرسالة تتجاوز التكتيك العسكري إلى إعادة تعريف معادلة الردع نفسها

الدلالة الأهم هنا ليست فقط في موقع ديمونا، بل في معنى الاقتراب منها. عندما تصبح منطقة ترتبط في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي بالبنية النووية والردع البعيد ضمن دائرة التهديد المباشر، فإن الرسالة تتجاوز التكتيك العسكري إلى إعادة تعريف معادلة الردع نفسها. إيران لا تقول فقط إنها قادرة على الرد، بل تقول إنها قادرة على اختيار نقاط الضغط التي تضرب الأعصاب الاستراتيجية للكيان. هذا التطور النوعي يعني أن بنك الأهداف لم يعد يتجه نحو الإرباك العام فحسب، بل نحو تفكيك الإحساس الإسرائيلي بالتفوق الدفاعي، وتحويل المنشآت الحساسة من رموز حصانة إلى رموز انكشاف.

وفي هذا السياق، تبدو فرضية استنزاف منظومات الاعتراض الإسرائيلية أكثر واقعية من أي وقت مضى. نجاح بعض الصواريخ في بلوغ أهدافها أو مناطقها المقصودة، وتزايد الحديث الإسرائيلي عن التحقيق في أسباب الإخفاقات، لا يوحي بوجود انهيار كامل في الدفاعات، لكنه يثبت أن هذه الدفاعات لم تعد قادرة على توفير الغطاء الشامل الذي روجت له إسرائيل لسنوات.

كل حرب طويلة تفضي حتما إلى مفاضلة قاسية في توزيع الموارد الدفاعية، ومع مرور الوقت تبدأ القيادة العسكرية بتجميع المظلة الأثقل فوق القواعد والمنشآت العسكرية والمراكز الحساسة، تاركة المجال المدني والعسكري الآخر أقل حماية مما كان عليه في الأيام الأولى. هذا ليس تفصيلا تقنيا، بل تحولا استراتيجيا بالغ الأثر، لأن الدولة التي تضطر إلى ترتيب أولويات اعتراضها تعترف عمليا بأن طاقة الدفاع لم تعد تكفي كل الجغرافيا في وقت واحد. وصول الصواريخ إلى جنوب إسرائيل، وإصابة مواقع في عراد، والتقارير عن عدم اعتراض بعضها، كلها مؤشرات على أن مبدأ "الحماية الكاملة" تآكل ميدانيا تحت ضغط الاستمرار والكثافة والتنوع.

الأهم من ذلك أن هذا التطور لا يعكس فقط بقاء القدرة الإيرانية على الضرب بعد أسابيع من الحرب، بل يعكس أيضا تحسنا في إدارة النيران نفسها. فالحروب الطويلة تمنح الجهة الأكثر صبرا فرصة تعلم متسارعة قائمة على اختبار مسارات الاختراق، ورصد أنماط الاعتراض، وتعديل زوايا الهجوم، ودمج الصواريخ والطائرات المسيرة ضمن ضغط متزامن يرهق القرار الدفاعي. من هنا، يصبح التطور النوعي أقل ارتباطا باسم الصاروخ نفسه، وأكثر ارتباطا بطريقة توظيفه ضمن حملة مركبة. إن قيمة السلاح لا تكمن في حداثته المجردة، بل في اللحظة التي يوضع فيها داخل إيقاع عملياتي يجبر الخصم على التشتت، وعلى استهلاك الذخائر الاعتراضية في مروحة واسعة من التهديدات المتزامنة.

هذا يقود إلى نقطة أعمق هي أنّ إسرائيل دخلت الحرب وهي تراهن على أن الضربات الأولى ستشل القدرة الإيرانية، أو على الأقل ستخفضها إلى مستوى يمكن احتواؤه. لكن ما ظهر بعد ثلاثة أسابيع هو العكس تقريبا؛ صحيح أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية أوقعت خسائر ثقيلة داخل إيران، لكن استمرار الإنذارات، ووصول الصواريخ إلى أهداف حساسة، والانتقال إلى استخدام صواريخ أبعد مدى، كلها تثبت أن القدرة الإيرانية على الامتصاص والرد لم تنكسر، بل أعادت تنظيم نفسها وأظهرت طبقات جديدة من الفاعلية. هذا ما يجعل التطور النوعي للهجمات الإيرانية حدثا استراتيجيا لا يمكن اختزاله في صورة صاروخ أو عدد إصابات؛ إنه تعبير عن صلابة بنية الردع الإيرانية بعد الصدمة الأولى، وعن فشل الخصم في فرض معادلة "الضربة القاصمة".

وفي موازاة الميدان الصاروخي، يتسع ميدان آخر لا يقل خطورة: ميدان السردية والتوظيف السياسي للحدث الأمني. فمع ارتفاع منسوب التوتر، تتزايد فرص استغلال أي انفجار أو حادث أو فوضى ميدانية لصناعة رواية جاهزة تُنسب مباشرة إلى إيران قبل اكتمال التحقق الفني. المثال البارز هنا ما كشفه تحقيق لرويترز بشأن انفجار 9 آذار/ مارس في منطقة سترة السكنية في البحرين، إذ خلص تحليل مدعوم بصور أقمار صناعية وفيديوهات موثقة إلى أن صاروخا من منظومة باتريوت، يُرجح أنه أمريكي التشغيل، كان المتسبب في الواقعة، لا مسيرة إيرانية سقطت مباشرة على الحي كما روجت القيادة المركزية الأمريكية. أهمية هذا المثال ليست فقط في تصحيح رواية حادث بعينه، بل في كشف قابلية البيئة الإقليمية كلها لإنتاج وقائع ملتبسة يمكن استثمارها إعلاميا وسياسيا ضد إيران حتى قبل اكتمال الأدلة.

من هنا تنشأ ضرورة التحذير من المرحلة التالية في الحرب،  وهي مرحلة العمليات المفبركة أو الحوادث الموظفة. عندما يشعر طرف ما أن خصمه بدأ يحقق أثرا تراكميا في الوعي الاستراتيجي، فإنه يبحث غالبا عن صدمة مضادة تعيد ترتيب الاصطفافات الدولية وتمنحه غطاء أخلاقيا لتوسيع الحرب. وفي مثل هذه البيئات المأزومة، تصبح الرموز الدينية والسيادية أهدافا مثالية للاستثمار الدعائي.

التحذير من إمكان التمهيد لعمليات مشابهة قد تستهدف مواقع شديدة الحساسية، بما فيها ما يرتبط بالقدس والمسجد الأقصى، ليس مجرد طرح دعائي، بل قراءة احترازية لمنطق التصعيد نفسه

لذلك فإن التحذير من إمكان التمهيد لعمليات مشابهة قد تستهدف مواقع شديدة الحساسية، بما فيها ما يرتبط بالقدس والمسجد الأقصى، ليس مجرد طرح دعائي، بل قراءة احترازية لمنطق التصعيد نفسه. خطورة السيناريو الإسرائيلي تكمن في قابليته العالية للاستخدام السياسي إذا حدث أي اختراق أو اعتداء ملتبس في لحظة اشتعال إقليمي واسعة. وهنا تصبح المعركة على الحقيقة جزءا من المعركة على الأرض، ويصبح التسرع في نسب الوقائع أخطر من الوقائع نفسها، وهو بالفعل ما تقوم به وتخطط إلى تحقيقه إسرائيل.

الخلاصة أن ما نشهده بعد ثلاثة أسابيع ليس مجرد استمرار للهجمات الإيرانية، بل ارتقاء تدريجي في مستواها النوعي، من حيث اختيار الأهداف، وفعالية الاختراق، وإدارة الاستنزاف، وفرض التحولات على سلوك الدفاع الإسرائيلي. لقد انتقلت إيران من إثبات القدرة على الرد إلى إثبات القدرة على التطوير داخل الحرب نفسها. وهذه نقطة شديدة الأهمية في أي صراع طويل، فالطرف الذي ينجح في التعلم تحت النار، وفي دفع خصمه إلى الدفاع الانتقائي، وفي جعل العمق الحساس مكشوفا نفسيا وماديا، يكون قد بدأ فعليا في إعادة صياغة ميزان الردع. أما في الميدان الموازي، ميدان الرواية والاتهام والحدث المفبرك، فإن الحذر واجب بقدر الحذر من الصواريخ نفسها، لأن الحرب الحديثة لا تُخاض بالنار فقط، بل أيضا بالرواية التي تريد تحويل كل انفجار إلى تفويض مفتوح لموجة عدوان جديدة.




المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)