لماذا يصعب إخضاع إيران بحرب خاطفة

حامد أبو العز
"الواقع جعل الاستراتيجية الإيرانية تقوم على مفهوم يمكن وصفه بالاستقلال الاستراتيجي"- الأناضول
"الواقع جعل الاستراتيجية الإيرانية تقوم على مفهوم يمكن وصفه بالاستقلال الاستراتيجي"- الأناضول
شارك الخبر
منذ بداية الحرب العسكرية المتصاعدة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ظهرت فرضية متكررة في التفكير الاستراتيجي الغربي مفادها أن الضربات الجوية المركزة يمكن أن تفرض على إيران تراجعا سريعا أو حتى انهيارا سياسيا خلال فترة قصيرة. هذه الفرضية تستند إلى تجارب سابقة نجحت فيها إسرائيل أو الولايات المتحدة في تحقيق أهداف عسكرية حاسمة عبر ضربات محدودة زمنيا، كما حدث في حرب 1967 أو في العمليات الجوية التي استهدفت منشآت عسكرية في العراق في مراحل مختلفة. غير أن تطبيق هذا النموذج على إيران يواجه مشكلة أساسية هي أنّ إيران ليست دولة صغيرة ذات بنية عسكرية مركزية يمكن تعطيلها بضربة واحدة، بل هي دولة ذات عمق جغرافي كبير وعقيدة عسكرية مبنية على الصمود طويل الأمد.

لفهم سبب صعوبة إخضاع إيران بسرعة، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية التي شكلت تصور الدولة الإيرانية للأمن والبقاء. فالإمبراطورية منذ العهد الأخميني أدركت أن الحفاظ على الاستقلال في بيئة جيوسياسية معقدة يتطلب القدرة على امتصاص الضربات والاستمرار في القتال لفترات طويلة. الإمبراطوريات التي واجهت إيران تاريخيا من الإغريق إلى الرومان ثم العثمانيين اصطدمت دائما بحقيقة أن السيطرة الكاملة على الأراضي الإيرانية عملية معقدة بسبب الجغرافيا الواسعة وتعدد المراكز السكانية والعسكرية. هذا الإدراك التاريخي رسخ فكرة أن القوة الحقيقية للدولة لا تكمن فقط في القدرة على الانتصار السريع، بل في القدرة على منع العدو من تحقيق انتصار سريع.

الجانب التقني لا يفسر وحده طبيعة التفكير العسكري الإيراني، فإيران تواجه وضعا جيوسياسيا فريدا يجعلها تعتمد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية

هذه الفكرة عادت بقوة في العصر الحديث خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، وهي الحرب التي شكلت نقطة تحول في التفكير العسكري الإيراني. عندما بدأت الحرب كانت إيران في وضع شديد الصعوبة؛ فقد خرجت لتوها من ثورة سياسية عميقة أدت إلى تفكك جزء كبير من بنيتها العسكرية التقليدية، كما كانت معزولة دوليا إلى حد كبير. في تلك الفترة لم تكن إيران تمتلك صناعة عسكرية متطورة ولا منظومات صاروخية بعيدة المدى، كما أن معظم القوى الكبرى كانت إما تدعم العراق أو ترفض تزويد إيران بالأسلحة المتقدمة. حتى الاتحاد السوفييتي، الذي كان يمكن أن يمثل مصدرا بديلا للتسليح، لم يقدم دعما كبيرا لطهران.

هذا الواقع دفع القيادة الإيرانية إلى استخلاص درس استراتيجي بالغ الأهمية: لا يمكن الاعتماد على الخارج في ضمان الأمن القومي. ومن هنا بدأ مشروع طويل لبناء قدرات عسكرية محلية، وهو مشروع استمر لعقود وشمل تطوير الصناعات الدفاعية، وبرامج الصواريخ، والطائرات المسيرة، إضافة إلى شبكة من القدرات غير المتكافئة التي تسمح لإيران بمواجهة خصوم أقوى تقنيا.

خلال العقود التالية ركزت إيران بشكل خاص على تطوير القدرات الصاروخية. والسبب في ذلك يعود إلى عدة اعتبارات عملية؛ أولا، بناء قوة جوية حديثة يتطلب استثمارات هائلة وتكنولوجيا يصعب الحصول عليها في ظل العقوبات الدولية. ثانيا، الصواريخ توفر وسيلة فعالة لتحقيق الردع دون الحاجة إلى السيطرة الجوية الكاملة. وثالثا، يمكن إنتاج الصواريخ بكميات كبيرة نسبيا مقارنة بالطائرات المقاتلة، ما يسمح بخلق قدرة على إغراق الدفاعات المعادية بوابل كثيف من الضربات.

نتيجة لهذا التوجه، أصبحت الترسانة الصاروخية الإيرانية اليوم واحدة من أكبر الترسانات في الشرق الأوسط، وتشمل هذه الترسانة صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى قادرة على الوصول إلى أهداف في مختلف أنحاء المنطقة. بعض هذه الصواريخ يحمل رؤوسا حربية كبيرة، مثل صاروخ خرمشهر الذي يتميز بقدرة حمل رأس حربي ثقيل، بينما تتميز نماذج أخرى بقدرات مناورة خلال مرحلة العودة إلى الغلاف الجوي بهدف تقليل فعالية أنظمة الدفاع الصاروخي. كما تعمل إيران على تطوير صواريخ عالية السرعة وصواريخ ذات دقة متزايدة، وهو ما يعكس تركيزا واضحا على جعل القوة الصاروخية أداة رئيسية في الردع.

إلى جانب الصواريخ، طورت إيران خلال العقدين الماضيين برنامجا واسعا للطائرات المسيرة. هذا البرنامج لم يكن مجرد إضافة تقنية، بل أصبح جزءا أساسيا من العقيدة العسكرية الإيرانية. الطائرات المسيرة توفر وسيلة منخفضة التكلفة نسبيا لجمع المعلومات الاستخبارية وتنفيذ ضربات دقيقة، كما أنها تسمح بتنفيذ عمليات على مسافات بعيدة دون المخاطرة بطواقم بشرية. ومع مرور الوقت أصبحت هذه الطائرات جزءا من منظومة أوسع تعتمد على الجمع بين الصواريخ والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية في إطار ما يمكن وصفه باستراتيجية الإغراق الكمي.

غير أن الجانب التقني لا يفسر وحده طبيعة التفكير العسكري الإيراني، فإيران تواجه وضعا جيوسياسيا فريدا يجعلها تعتمد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية. فهي ليست عضوا في تحالف عسكري كبير يوفر لها مظلة أمنية، كما هو الحال بالنسبة لدول حلف شمال الأطلسي، ولا تمتلك اتفاقيات دفاع جماعي تضمن تدخل قوة عظمى للدفاع عنها في حال تعرضها لهجوم واسع؛ صحيح أن إيران تحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية مع دول مثل روسيا والصين، لكن هذه العلاقات لا ترقى إلى مستوى التحالف العسكري الرسمي.

هذا الواقع جعل الاستراتيجية الإيرانية تقوم على مفهوم يمكن وصفه بالاستقلال الاستراتيجي، بمعنى أن إيران تسعى إلى بناء منظومة ردع تجعل تكلفة مهاجمتها مرتفعة إلى درجة تجعل الخصوم يترددون في الدخول في حرب شاملة معها. هذه المنظومة لا تعتمد فقط على الدفاع عن الأراضي الإيرانية، بل أيضا على القدرة على الرد في عمق مناطق الخصوم أو في مناطق انتشار قواتهم.

كما أن الجغرافيا الإيرانية نفسها تلعب دورا مهما في هذه المعادلة؛ إيران دولة كبيرة المساحة ذات تضاريس متنوعة تشمل جبالا وسهولا وصحارى، ما يجعل استهداف بنيتها العسكرية بالكامل في ضربة واحدة أمرا صعبا. بالإضافة إلى ذلك، قامت إيران خلال السنوات الماضية بتطوير شبكة واسعة من المنشآت العسكرية تحت الأرض، بما في ذلك قواعد صاروخية ومخازن أسلحة محصنة. الهدف من هذه المنشآت هو ضمان بقاء جزء كبير من القدرات العسكرية حتى في حال تعرض البلاد لضربات جوية مكثفة.

هذا لا يعني أن إيران قوة عسكرية لا يمكن تحديها، لكنه يعني أن أي مواجهة معها لن تكون بالضرورة سريعة أو سهلة كما يتصور البعض

كل هذه العوامل تجعل فكرة تحقيق نصر سريع وحاسم ضد إيران موضع نقاش واسع بين الخبراء العسكريين. فحتى لو تمكنت الضربات الجوية من إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية العسكرية، فإن القدرة على إطلاق الصواريخ أو تنفيذ عمليات رد قد تستمر لفترة طويلة. وفي مثل هذه الحالة يمكن أن يتحول الصراع من عملية عسكرية قصيرة إلى حرب استنزاف إقليمية تمتد آثارها إلى مساحات واسعة من الشرق الأوسط.

إيران اليوم تختلف كثيرا عن إيران في ثمانينيات القرن الماضي، ففي تلك الفترة كانت البلاد في مرحلة إعادة بناء بعد الثورة وكانت قدراتها العسكرية محدودة نسبيا. أما اليوم فقد أصبحت تمتلك قاعدة صناعية دفاعية أوسع، وترسانة صاروخية متطورة، وخبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة. هذا لا يعني أن إيران قوة عسكرية لا يمكن تحديها، لكنه يعني أن أي مواجهة معها لن تكون بالضرورة سريعة أو سهلة كما يتصور البعض.

يكمن جوهر المسألة في أن العقيدة العسكرية الإيرانية مبنية على منع الخصم من تحقيق انتصار سريع، ومن خلال الجمع بين العمق الجغرافي، والقدرات الصاروخية، والتصنيع العسكري المحلي، تسعى إيران إلى خلق معادلة ردع تجعل الحرب ضدها خيارا عالي التكلفة. ولذلك فإن أي تقييم استراتيجي للصراع المحتمل في المنطقة لا بد أن يأخذ في الاعتبار هذه الحقيقة الأساسية، وهي أنّ الحروب التي تبدأ على أساس فرضية الحسم السريع قد تتحول، في ظروف معينة، إلى صراعات طويلة ومعقدة تتجاوز بكثير التوقعات الأولية.
التعليقات (0)