الحصار البحري الأمريكي على إيران: تصعيد يهدد العالم كله

حامد أبو العز
"تكمن المفارقة الكبرى في أن الأداة المصممة للضغط قد تصبح بنفسها مولدة للحرب"- جيتي
"تكمن المفارقة الكبرى في أن الأداة المصممة للضغط قد تصبح بنفسها مولدة للحرب"- جيتي
شارك الخبر
حين يتحول البحر من فضاء للتجارة إلى أداة للإكراه، فإن العالم لا يكون أمام مجرد إجراء ضاغط، بل أمام لحظة سياسية مشحونة بكل معاني الخطر. فالحصار البحري، في منطقه القانوني والاستراتيجي، ليس تفصيلا تقنيا يمكن إدراجه في خانة العقوبات العادية، بل هو فعل يتاخم الحرب مباشرة، بل ويكاد يكون أحد تجلياتها الصريحة. ذلك أن جوهره يقوم على منع دولة من الوصول الحر إلى موانئها، وتعطيل قدرتها على استقبال ما تحتاج إليه من سلع ومواد حيوية، وهو ما يجعل أثره يتجاوز الدولة بوصفها كيانا سياسيا ليصيب المجتمع في صميم حياته اليومية. ومن هنا فإن الحصار البحري المفروض على إيران يجب أن يفهم بوصفه تصعيدا بالغ الخطورة، لا لأنه يستهدف حركة التجارة فحسب، بل لأنه يعيد تعريف التوتر القائم بلغة أقرب إلى المواجهة المفتوحة.

إن خطورة هذا الحصار لا تنبع فقط من طبيعته القانونية بوصفه عملا حربيا وعدوانيا وفق منطق القانون الدولي، وإنما أيضا من موضوعه المباشر: الموانئ، أي الشرايين التي يتصل عبرها المجتمع بالعالم. فعندما يجري منع الموانئ الإيرانية من استيراد السلع الأساسية والأدوية، يصبح الضغط الاقتصادي في حقيقته ضغطا على الحياة نفسها. هنا لا تعود المسألة نزاعا بين دولتين حول النفوذ أو البرنامج النووي أو توازنات الإقليم، بل تصبح مسألة تمس الغذاء والدواء والمعيشة العامة. وهذا التحول بالغ الدلالة، لأن العقوبة حين تنزل من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع، فإنها تنتج توترا مضاعفا، توترا سياسيا في الأعلى، واختناقا إنسانيا في الأسفل.

الولايات المتحدة، حين تصمم الحصار البحري باعتباره وسيلة لإخضاع إيران أو دفعها إلى تغيير سلوكها، تنطلق من افتراض أن تشديد الخناق سيؤدي إلى انكفاء الطرف المقابل. غير أن هذا الافتراض، مهما بدا منطقيا في الحسابات النظرية، يصطدم بواقع أكثر تعقيدا

ومن الناحية الاستراتيجية، تكمن المفارقة الكبرى في أن الأداة المصممة للضغط قد تصبح بنفسها مولدة للحرب. فالولايات المتحدة، حين تصمم الحصار البحري باعتباره وسيلة لإخضاع إيران أو دفعها إلى تغيير سلوكها، تنطلق من افتراض أن تشديد الخناق سيؤدي إلى انكفاء الطرف المقابل. غير أن هذا الافتراض، مهما بدا منطقيا في الحسابات النظرية، يصطدم بواقع أكثر تعقيدا. فالحصار البحري ليس عقوبة جامدة، بل فعل احتكاكي بطبيعته، لأنه يجري في فضاء متحرك، حيث السفن، والدوريات، والممرات الدولية، والقوات العسكرية، وحسابات الردع المتبادلة. وفي مثل هذا السياق، لا يكون الخطر كامنا فقط في القرار نفسه، بل في ما يفتحه من احتمالات سوء التقدير، والخطأ في الحسابات، والانزلاق من الردع إلى الاشتباك.

وهذا هو البعد الذي يجعل الحصار البحري بداية خطيرة لا مجرد مرحلة ضغط، فالحرب الشاملة لا تبدأ دائما بقرار معلن، بل كثيرا ما تبدأ من سلسلة أخطاء صغيرة تتراكم في بيئة مشحونة؛ سفينة يجري اعتراضها، رسالة عسكرية يساء فهمها، حركة بحرية تفسر على أنها تهديد، أو رد ميداني محدود يتوسع بفعل التوتر. في هذه اللحظة بالذات يفقد الحصار صفته الأداتية، ويتحول إلى مسرح قابل للاشتعال. ولذلك فإن أخطر ما في الحصار البحري على إيران ليس فقط ما يفرضه من ضيق، بل ما يخلقه من مناخ استراتيجي يجعل العودة إلى الحرب الشاملة احتمالا قائما لا فرضية بعيدة.

غير أن التحليل الأعمق يكشف أن هذا الحصار لا يضغط على إيران وحدها، بل يكشف حدود القوة الأمريكية نفسها حين تستخدم أدوات عالية الكلفة في عالم مترابط. فالمشكلة في العقوبات والحصارات الكبرى أنها قد تبدو أحادية الاتجاه في لحظة القرار، لكنها سرعان ما تصبح متعددة الارتدادات في لحظة الأثر. وما فعلته الولايات المتحدة عبر هذا الحصار هو أنها لم ترفع منسوب الضغط على إيران فقط، بل دفعت أيضا الاقتصاد العالمي، والاقتصاد الأمريكي نفسه، إلى منطقة أكثر هشاشة، ذلك أن إيران ليست جزيرة معزولة خارج معادلة الطاقة والتجارة الدولية، وأي اختناق يصيب ممراتها أو موقعها في سوق الطاقة ينعكس فورا على الأسواق العالمية.

من هنا يمكن فهم الارتفاع الكبير في أسعار النفط لا بوصفه نتيجة جانبية، بل بوصفه أثرا بنيويا ملازما لهذا النوع من التصعيد. فالنفط، في الاقتصاد العالمي، ليس مجرد مورد من الموارد، وإنما هو عصب الحركة الصناعية والتجارية واللوجستية. وكلما ارتفع منسوب القلق بشأن أمن الإمدادات أو سلامة الممرات البحرية أو احتمالات توسع النزاع، اندفعت الأسواق إلى تسعير الخطر قبل وقوعه. ولهذا فإن الحصار البحري على إيران يرفع قيمة النفط إلى مستويات قياسية، لا فقط بسبب النقص الفعلي المحتمل، بل بسبب الخوف العالمي من المستقبل القريب. والاقتصاد الحديث يتأثر بالخوف بقدر تأثره بالوقائع، بل إن التوقعات أحيانا تكون أشد أثرا من الأحداث المنجزة نفسها.

وعندما ترتفع أسعار النفط، فإن المسألة لا تبقى محصورة في قطاع الطاقة، بل تنتقل عدواها إلى كل مفاصل الاقتصاد. وهنا تظهر إحدى أهم نتائج هذا الحصار: ارتفاع قيمة الوقود داخل الولايات المتحدة نفسها. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تكشف أن أداة الضغط الخارجي قد تتحول إلى عبء داخلي. فالمستهلك الأمريكي لا يتلقى أثر الحصار في صيغة بيانات استراتيجية، بل يراه في سعر البنزين، وفي كلفة النقل، وفي ارتفاع أسعار السلع الأساسية. وحين تتزايد أسعار الوقود، تتزايد معها كلفة الإنتاج والشحن والتوزيع، فتدخل السوق الأمريكية نفسها في حلقة ضغط اقتصادي لم تكن بعيدة عنها كما قد يتصور صناع القرار.

وعلى هذا الأساس، يصبح من الممكن القول إن الحصار البحري على إيران لا ينجح في نقل الأزمة إلى الداخل الإيراني فقط، بل يعيد تصديرها إلى الداخل الأمريكي أيضا. وهذه ليست ملاحظة دعائية، بل خلاصة منطقية لطبيعة الاقتصاد العالمي المترابط. فحين تستخدم قوة كبرى أداة عنيفة في بيئة حساسة للطاقة والملاحة، فإنها لا تملك التحكم الكامل في مسارات الأثر؛ قد تتحكم في بدء الضغط، لكنها لا تتحكم تماما في امتداد نتائجه. ولذلك فإن هذا الحصار، بدلا من أن يكون وسيلة نظيفة ومحدودة الكلفة، يكشف عن طابع ارتدادي واضح، إذ يفاقم الأعباء الاقتصادية على الطرف الذي فرضه، تماما كما يفاقمها على الطرف المستهدف.

العالم كله يدخل تحت وطأة موجة تضخمية أشد قسوة، ذلك أن ارتفاع النفط والوقود ليس حدثا قطاعيا منعزلا، بل هو محرك عام للتضخم. فتكاليف الشحن ترتفع، وأسعار التأمين البحري تصعد، وكلفة الصناعة والنقل والتخزين تتزايد، ثم تنتقل هذه الزيادات تدريجيا إلى أسعار الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية

أما النتيجة الأوسع، فهي أن العالم كله يدخل تحت وطأة موجة تضخمية أشد قسوة، ذلك أن ارتفاع النفط والوقود ليس حدثا قطاعيا منعزلا، بل هو محرك عام للتضخم. فتكاليف الشحن ترتفع، وأسعار التأمين البحري تصعد، وكلفة الصناعة والنقل والتخزين تتزايد، ثم تنتقل هذه الزيادات تدريجيا إلى أسعار الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية. وهكذا يصبح الحصار البحري، الذي صيغ في البداية بوصفه وسيلة ضغط على إيران، سببا في توسيع دائرة الغلاء على العالم بأسره. وهذه هي المفارقة الكبرى: إجراء يدعي أنه يستهدف دولة بعينها، لكنه في الواقع يفرض أثمانه على ملايين البشر خارج حدود تلك الدولة.

إن القيمة التحليلية لهذه الصورة تكمن في أنها تكشف اختلالا عميقا في منطق القوة المعاصرة. فليست كل أداة ضغط تعني بالضرورة مزيدا من السيطرة، بل قد تعني مزيدا من فقدان التحكم، والحصار البحري، في هذه الحالة، يقدم نموذجا صارخا على ذلك. إنه يبدو، في ظاهره، تعبيرا عن القدرة، لكنه في نتائجه يكشف عن حدود هذه القدرة؛ فهو عجز عن احتواء التصعيد، وعجز عن منع الارتداد الاقتصادي، وعجز عن ضمان ألا ينقلب الضغط إلى حرب. ومن ثم فإن النظر إليه بوصفه أداة فعالة وبسيطة هو قراءة قاصرة، لأن فعاليته الظاهرية تخفي وراءها بنية عالية الهشاشة وشديدة القابلية للانفجار.

وبناء على ذلك، فإن أكثر قراءة إيجابية ورصانة للأفكار المطروحة هي تلك التي ترى أن الحصار البحري ليس طريقا للاستقرار، بل وصفة لتوسيع الأزمة. فهو يضاعف الضغط على الشعب الإيراني عبر استهداف حاجاته الأساسية، ويقرب المنطقة من حافة المواجهة بفعل احتمالات الخطأ في الحسابات، ويزيد من الأعباء الاقتصادية على الولايات المتحدة نفسها، ويدفع الاقتصاد العالمي نحو تضخم أوسع وأقسى.

إن البحر في الأصل فضاء وصل لا فصل، ومجال تبادل لا خنق، وحين يجري تحويله إلى مسرح حصار، فإن العالم كله يدفع الثمن. ولذلك فإن الحصار البحري على إيران لا ينبغي أن يفهم فقط باعتباره ضغطا على دولة، بل باعتباره مؤشرا على خلل أعمق في إدارة الصراعات الدولية، خلل يخلط بين القوة والجدوى، وبين العقاب والاستقرار، وبين الإكراه والحل. ومن هذه الزاوية، كلما اتسع الحصار، اتسعت معه احتمالات الحرب، وكلما ارتفعت وتيرة الضغط، ارتفعت معها أيضا كلفة العالم كله. وهذا بالضبط ما يجعل رفض هذا المسار دفاعا عن الاستقرار الدولي، وعن العقلانية السياسية، وعن حق الشعوب في ألا تتحول إلى رهائن لمعادلات القوة الخشنة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)