لم
يجد الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب طريقة للرد على استمرار إغلاق
إيران لمضيق هرمز سوى
الإعلان عن تحريك قواته البحرية لإغلاق المضيق تماما أمام جميع السفن الداخلة
والخارجة منه؛ هو تصرف ينبئ عن حالة انفعال وارتباك شديد، فإغلاق المضيق أمام جميع
السفن يعني مباشرة حرمان أسواق النفط العالمية من حوالي ربع الإمدادات، وستظهر
تداعيات ذلك على الأسواق عند افتتاحها، لقد قفز النفط من قبل وصولا إلى 120 دولار
للبرميل قبل أن يتراجع مع أخبار
الهدنة والتهدئة، لكنه سيعاود الصعود مجددا.
ورغم
أن الولايات المتحدة وحسب تصريحات ترامب نفسه لا تستخدم مضيق هرمز في الحصول على
إمدادات نفطية، إلا أن المواطن الأمريكي سيدفع ثمن حماقة رئيسه حين ترتفع أسعار
المحروقات والتي يترتب عليها ارتفاع سلع أخرى في العادة. لقد أراد ترامب أن يعاقب
إيران بمنعها من تصدير النفط عبر مضيق هرمز، ونسي أن إيران لديها قدرة عالية على
استيعاب وامتصاص هذا القرار، والتكيف معه، وهي التي تمتلك خبرة قاربت نصف القرن
تحت الحصار، أما الدول الصديقة الأخرى لإيران وخاصة الصين التي ستتأثر بهذا القرار؛
فأمامها بدائل كثيرة سواء من روسيا أو غيرها.
أراد ترامب أن يعاقب إيران بمنعها من تصدير النفط عبر مضيق هرمز، ونسي أن إيران لديها قدرة عالية على استيعاب وامتصاص هذا القرار، والتكيف معه، وهي التي تمتلك خبرة قاربت نصف القرن تحت الحصار
المتضرر
الأكبر من القرار الأمريكي طرفان؛ المصدرون للنفط وهم دول الخليج، والمستوردون
لهذا النفط وخاصة أوروبا. وحتى إذا ادعت بعض الدول الخليجية أنها قادرة على تخطي
أزمة الإغلاق عبر مد خطوط تصدير جديدة بعيدا عن مضيق هرمز فإن هذه العملية ستستغرق
وقتا طويلا، تكون خلاله الأسواق قد شبعت صراخا وألما. أما الدول الأوروبية التي ستدفع
فاتورة عالية في البحث عن بدائل أعلى تكلفة فإن ترامب يستهدف إجبارها على اللحاق
بحملته ضد إيران، والدخول معه في تحالف بحري لفتح المضيق وتأمين الملاحة فيه،
ومواجهة أي تدخل إيراني لفرض رسوم على العبور من خلاله، لكن هذه الدول رفضت مبكرا
الوقوع في فخ ترامب وحربه غير العادلة، وعبّر أكثر من مسئول أوروبي وخاصة الرئيس
الفرنسي ورؤساء حكومات بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا عن رفضهم للمشاركة في
الحرب، أو
مشاركة ترامب في تشكيل تحالف بحري لتأمين الملاحة في المضيق، مؤكدين أن ذلك ينبغي أن
يتم من خلال الحوار مع إيران، بل إنهم رفضوا مرور الطائرات الأمريكية فوق أجواء
بلادهم في طريقها لضرب إيران، فيما بدا أنه شرخ جديد في العلاقة بين أقدم حليفين
عالميين (الولايات المتحدة ودول أوروبا).
لم
يكن مضيق هرمز هو أصل النزاع وسبب العدوان الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، وبالتالي
لم يكن فتحه للملاحة هدفا أساسيا للحرب (وقد كان مفتوحا بالفعل قبل الحرب)، لقد
كانت الأهداف واضحة ومعلنة؛ وهي إسقاط النظام الإيراني، والقضاء التام على المشروع
النووي الإيراني بما يشمله من تسليم الكميات المخصبة من اليورانيوم. ورغم الدمار
الواسع، وقتل قيادات الصف الأول للحكم الإيراني إلا أن أيا من الهدفين لم يتحقق،
ومع ذلك نجحت إيران في إضافة عنصر فرعي للمعركة تحول سريعا إلى عنصر أصيل، وهو وقف
الملاحة في مضيق هرمز أمام سفن الدول المعادية، أو الصديقة للمعتدين، وظهرت على
الفور قيمة هذا العنصر الجديد، حيث ضجت الأسواق العالمية من ارتفاع سعر النفط،
واضطرت العديد من الدول بما فيها تلك البعيدة عن الحرب لاتخاذ إجراءات تقشفية
قاسية.
نجحت إيران في إضافة عنصر فرعي للمعركة تحول سريعا إلى عنصر أصيل، وهو وقف الملاحة في مضيق هرمز أمام سفن الدول المعادية، أو الصديقة للمعتدين، وظهرت على الفور قيمة هذا العنصر الجديد، حيث ضجت الأسواق العالمية من ارتفاع سعر النفط، واضطرت العديد من الدول بما فيها تلك البعيدة عن الحرب لاتخاذ إجراءات تقشفية قاسية
حين
أعلن ترامب عن قبول هدنة الأسبوعين كانت شروطها تتضمن فتح المضيق أمام الملاحة،
كما شملت أيضا وقف الاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية في كل الجبهات بما فيها جبهة
لبنان، وحين نقض الكيان الصهيوني هذه الهدنة عبر توجيه أعنف الضربات للعاصمة
اللبنانية بيروت وغيرها من المناطق اللبنانية ردت إيران بإعادة إغلاق المضيق،
وكادت الهدنة تنهار سريعا، وكادت المفاوضات تنهار قبل أن تبدأ، لكن الجانب
الأمريكي حرص على بدء المفاوضات رغم إغلاق المضيق، وكان يأمل بفتحه مجددا مع بدء
المفاوضات إلا أن إيران ربطت فتحه بنتائج المفاوضات.
وصل
المفاوضون الأمريكيون إلى إسلام آباد بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، وهو أعلى
تمثيل تفاوضي أمريكي مع إيران منذ الثورة الإسلامية، لكن هذا الفريق جاء محملا
بنظريات ترامب التي تقضي بتحقيق السلام من خلال القوة، فبينما كان فريق التفاوض في
الطريق إلى باكستان كانت البوارج الجديدة في طريقها أيضا إلى المنطقة، وأراد ترامب
من ذلك ترهيب إيران وإجبارها على الاستسلام لمطالبه، لكنه واجه مفاوضا عنيدا،
فتوقفت المفاوضات بعد عشرين ساعة.
نهاية
الجولة الأولى دون تحقيق نتيجة مرضية لا يعني فشلا تاما لمسار التفاوض، فهذه هي
طبيعة الأمور في الصراعات الكبرى، وحين تقع بين أطراف صلبة مهما تكبدت من خسائر
مادية وبشرية، وعلى الأرجح ستنعقد جولة أو ربما جولات أخرى لاحقا، خاصة أن هدنة الأسبوعين
لا تزال قائمة، ولن ييأس الوسيط الباكستاني، بل ربما ينضم إليه وسطاء آخرون حتى
دون إعلان رسمي وبشكل خاص من الدول الأكثر تضررا من إغلاق المضيق. وإذا كانت
الجولة الأولى قد جرت بشكل مباشر وحققت بعض التقدم باعتراف الطرفين، فإن جولة أو
جولات أخرى كفيلة بالوصول إلى تسوية شاملة، ولا أظنها ستخرج عن اتفاق 2015 الذي ألغاه
ترامب نفسه، ومع ذلك تبقى كل الاحتمالات مفتوحة في ظل رئيس مجنون.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.