لماذا "لم" تستسلم إيران؟

حمزة زوبع
"لم تحقق أمريكا ودولة الكيان الصهيوني أيا من أهدافهما المعلنة، وهي استسلام القيادة الإيرانية للمطالب الأمريكية أو إسقاط النظام أو التخلي"- جيتي
"لم تحقق أمريكا ودولة الكيان الصهيوني أيا من أهدافهما المعلنة، وهي استسلام القيادة الإيرانية للمطالب الأمريكية أو إسقاط النظام أو التخلي"- جيتي
شارك الخبر
"وحتى لو تم عزل النظام بالقتل أو بالخطف كما يتصور البعض فإن سلسلة القيادة البديلة في إيران جاهزة ومعدة سلفا، وهي ليست أقل من حزب الله الذي استطاع تعويض القيادات بعد اغتيال الأمين العام الشيخ حسن نصر الله واغتيال هاشم صفي الدين المرشح البديل له بعد عشرة أيام من اغتيال نصر الله، وهذا يدل على سرعة تعاطي سلسلة القيادة للضربات والتعافي السريع منها في الحزب فما بالك بدولة بحجم إيران؟" (جزء من مقالي "لماذا لا تستسلم إيران؟" نشر على موقع "عربي21" بتاريخ 42 شباط/ فبراير2026، أي قبل بدء الحرب على إيران بأيام معدودة).

بعد دخول الحرب أسبوعها الرابع لم تحقق أمريكا ودولة الكيان الصهيوني أيا من أهدافهما المعلنة، وهي استسلام القيادة الإيرانية للمطالب الأمريكية أو إسقاط النظام أو التخلي عن برنامجها النووي أو وقف إنتاج الصواريخ الباليستية متوسطة وبعيدة المدى أو وقف دعمها للأذرع العسكرية في المنطقة؛ من حزب الله في لبنان إلى أنصار الله في اليمن إلى الحشد الشعبي في العراق، فالأذرع تعمل وبقوة خصوصا حزب الله الذي دخل المعركة وجر دولة الكيان إلى الحرب كي يخفف من ضغط القصف الصهيوني على إيران، وقد نجح في تكبيد الكيان خسائر عسكرية معتبرة كان آخرها الكمين الذي أوقع عدة دبابات من نوع ميركافا في جنوب لبنان، ناهيك عن القتلى والإصابات في صفوف الجنود والضباط والصواريخ التي تدك الجليل في شمال فلسطين.

حول المضيق إلى نقطة قوة مؤثرة في مسيرة الحرب رغم اغتيال القادة ورغم استهداف وتضرر القوة الجوية والبحرية الإيرانية، واليوم يعيد ترامب تعريف معنى النصر بنجاحه في إعادة فتح المضيق والإشراف بنفسه مع آية الله على إدارته

أما على صعيد المعارك فيكفي أن إيران نجحت في اختراق كافة الدفاعات العسكرية، من القبب الحديدية إلى النظم الدفاعية المتطورة وهي أحدث منتجات أمريكا العسكرية، واقتربت تلك الصواريخ من مناطق وجود المفاعل النووي في ديمونة وأحدثت دمارا هائلا في عراد بالنقب جعل مجرم الحرب نتنياهو يصرخ: هذا يوم أسود وحزين.. "ليلة عصيبة" وعلى العالم أن ينضم إلينا في تلك الحرب، وهو نفسه من قال في حرب حزيران/ يونيو 2025 في مقابلة صحفية إن إسرائيل أنهت الحرب، التي استمرت 12 يوما بعد ضرب "منشآت نووية ومراكز لإنتاج الصواريخ وأهداف أخرى محددة"، وأضاف أن "عملا مخططا له مسبقا قد نُفّذ، وعند اكتماله توقفت الحرب"، وهو قول يكاد يكون متطابقا مع إعلان ترامب تدمير البرنامج النووي الإيراني تماما بعد وقف الحرب، وتبين للجميع أنهما يكذبان كما يتنفسان وإلا فلماذا قاما بتكرار الحرب بعد أقل من عام؟

لم يكن البرنامج النووي (الذي تم تدميره العام الماضي كما زعموا) هو السبب في شن الحرب الراهنة، بل إن المتحدثة باسم البيت الأبيض قالت حين سئلت عن مبررات الحرب: "هناك الكثير من المبررات التي يمكن التحدث عنها". وبالفعل فقد اخترع ترامب العديد منها؛ لعل أبرزها هو أن النظام الإيراني حاول قتله! أو أن السبب هو الدفاع عن دولة الكيان الصهيوني حين قال: لقد كانت ستتعرض لهجوم يقضي عليها وقال في تصريحاته أو عبر تغريداته "إن نظاما إيرانيا مسلحا بصواريخ بعيدة المدى وأسلحة نووية سيشكل تهديدا لا يُطاق للشرق الأوسط، وللشعب الأمريكي أيضا".

الحرب وكما ذكرت في مقالي السابق هي حرب مجرم الحرب المطلوب دوليا للمحاكمة، البولندي الأصل بنيامين نتنياهو، وهي بالنسبة له حرب مصيرية وجودية حسب تعبيره، وقد استخدم هذا الوصف عدة مرات أيام الحرب على غزة وأعاد استخدامه مع الحرب الثانية على إيران، وتحديدا بعد القصف الإيراني العنيف الذي أصاب دولة الكيان في مقتل رغم التصريحات التي خرجت والتي تفيد بأن الحرب أفقدت إيران قدرتها الصاروخية وقدرتها على الرد أيضا.

بعد أن قاومت إيران على مدار 24 يوما واستطاعت أن تضرب القواعد الأمريكية في المنطقة وتصل بصواريخها إلى قلب تل أبيب ومعقل برنامجها النووي وإلى المنشآت النفطية الحيوية في داخل الكيان، وإصابة حاملة الطائرات جيرالد فورد التي تم سحبها من الحرب، وإسقاط طائرات إف 16 ومثيلاتها وإن كان العدد محدودا، إلا أن التحرك العسكري الذي أصاب الأمريكيين في مقتل هو إغلاق مضيق هرمز الحيوي والذي يتم عبره نقل 20 في المئة من نفط وغاز العالم؛ صحيح أن إيران تقول إن المضيق مفتوح أمام الملاحة الدولية، ولكنها استدركت بالقول بأنه مفتوح للأصدقاء ومغلق في وجه الأعداء كما صرح متحدث الحرس الثوري الإيراني.

إغلاق مضيق هرمز تسبب في أزمة طاقة دولية تتصاعد يوما بعد يوم، وبدأت أمريكا ذاتها تشكو من ارتفاع أسعار الوقود رغم كل محاولاتها لاستخدام المخزون الاستراتيجي، علما بأنها الدولة رقم واحد في العالم في إنتاج النفط (ما يزيد عن 13 مليون برميل يوميا)، ولكن وكما هو معلوم فإن نفط الخليج يذهب إلى معظم الدول الصناعية الكبرى ومنها دول حليفة لأمريكا مثل باكستان واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند والهند وتايوان وسنغافورة والفلبين، فتسبب غلق المضيق في أضرار جانبية لدول لم تدخل الحرب، بل أعرب بعض منها عن عدم رغبته في دخولها أو الانضمام لدعوة ترامب لفتح المضيق بالقوة أو حماية السفن التي تمر عبر المضيق، وتحول المضيق إلى نقطة قوة مؤثرة في مسيرة الحرب رغم اغتيال القادة ورغم استهداف وتضرر القوة الجوية والبحرية الإيرانية، واليوم يعيد ترامب تعريف معنى النصر بنجاحه في إعادة فتح المضيق والإشراف بنفسه مع آية الله على إدارته.

انتقل ترامب من مربع إسقاط النظام الذي لم يسقط والثورة المضادة التي لم تندلع؛ إلى مربع نجاح قوته الضاربة في القضاء على القوات الإيرانية المسلحة، إلى مربع أن الحرب كانت سهلة ويمكنه إنهاؤها في ساعات ولكنه لم يفعل، إلى مربع سندمر منشآتهم الحيوية النفطية وغيرها وقد نلجأ إلى أسلحة الدمار الشامل إن هم استخدموها، ثم مربع الإنذار الأخير، ثم مربع مد المهلة خمسة أيام أخرى، ثم فجأة ظهر الحديث عن تفاوض مع إيران عبر وسطاء رغم زعمه أنه لم يعد هناك قائد للتواصل معه.

آخر ما تحدث عنه ترامب هو موافقة إيران على عدم امتلاكها للسلاح النووي، وبالتالي بعد القصف المدمر لأسابيع يعود ترامب وفريقه إلى ما كان عليه قبل شن الحرب وهو أن إيران كانت قد وافقت فعليا على عدم إنتاجها السلاح النووي في مفاوضاتها مع كوشنر- ويتكوف عبر وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الوسيط المحترم الذي كشف الغطاء عن زيف تصريحات أمريكا وادعاءاتها وأظهر شجاعة نادرة في مواجهة البروباغندا الغربية المدعومة من وسائل إعلام عربية ممولة من بعض دول الخليج. لقد كانت تصريحات البوسعيدي واضحة وهي أن إيران وافقت، ولكن من الواضح أن موافقة إيران جاءت على غير رغبة مجرم الحرب نتنياهو وبعض دول الخليج التي أقنعها نتنياهو بأن الحرب سهلة وبسيطة وأن إسقاط النظام المحاصر مسألة وقت قصير وأن خروج الشارع على السلطة بعد إحداث فراغ القيادة يعني نهاية إيران، وهو أمر لم يحدث وبالتالي كان على أمريكا البحث عن مبررات للخروج من حرب ليست حربها، كما قال البوسعيدي بعد انهيار المفاوضات وبدء الحرب.

لماذا لم تُستدع دول الخليج لتكون جزءا من هذا الاتفاق؟ وهل ستكون جزءا من الاتفاق الجديد؟ أم أن هذه الدول كتب عليها أن تكون عالقة في المنتصف لا يصيبها خير من العلاقة الجيدة بين أمريكا وإيران؛ وإن أصابها كثير من الشر بسبب الحرب على إيران؟

لو صدقت النوايا -وأشك ولو بعض الشك في ذلك- فسوف تنتقل الحرب من ساحات القتال إلى ساحات الكلام والجدال وحرب الأفكار والمفاهيم والصياغات ولعبة الكلمات، وهي حرب صعبة تجيدها إيران في مواجهة مقاولي المعمار ومطوري العقار، كوشنر وويتكوف، لكن بالطبع ستكون في الخلفية قوى الشر المحيطة بهما من داخل الكيان أو من بعض دول الخليج التي لا تزال ترى إيران قوية ومتمردة ويجب قص المزيد من أظفارها.

الصورة لا تزال ضبابية، إذ إنه وبعد قرار ترامب بالهدنة تم استهداف منشآت للطاقة في أصفهان وخرمشهر داخل إيران وردت الأخيرة بقصف داخل دولة الكيان، وحدثت واقعة مثيرة في ولاية تكساس الأمريكية وهي انفجار مصفاة فاليرو للنفط هناك، وهو أمر غريب وعجيب يلمس المراقبون فيه أصابع الموساد الصهيوني بهدف منع ترامب من التوصل إلى اتفاق مع إيران لأن المهمة لم تكتمل بعد حسب تعبير نتنياهو، وبالتالي فقد نشهد افتراق المسارين بحيث تخرج أمريكا من الحرب وتكمل دولة الكيان ويتم استدعاء أمريكا عند الضرورة مرة أخرى، ويعلن ترامب انتصاره في المرحلة الحالية وهي منع إيران من امتلاك النووي وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

السؤال الذي لم تتم الإجابة عليه منذ اتفاق 2015 بين إيران وأمريكا، هو لماذا لم تُستدع دول الخليج لتكون جزءا من هذا الاتفاق؟ وهل ستكون جزءا من الاتفاق الجديد؟ أم أن هذه الدول كتب عليها أن تكون عالقة في المنتصف لا يصيبها خير من العلاقة الجيدة بين أمريكا وإيران؛ وإن أصابها كثير من الشر بسبب الحرب على إيران؟



المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)