مقتل خامنئي ومحاولة إعادة هندسة التوازن الإقليمي

ياسر عبد العزيز
"مشاهد تظاهرات مؤيدة للنظام الإيراني في الجامعات وفي الشوارع، في محاولة لنقل عدوى التأييد بهدف فرض حالة من التماسك الشعبي"- الأناضول
"مشاهد تظاهرات مؤيدة للنظام الإيراني في الجامعات وفي الشوارع، في محاولة لنقل عدوى التأييد بهدف فرض حالة من التماسك الشعبي"- الأناضول
شارك الخبر
منذ أيام وأثناء المباحثات الدبلوماسية الجارية في جنيف برعاية عمانية، كان لأحد المسؤولين المقربين من المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي تصريح غريب في حينها، لا سيما في ظل حالة التفاؤل التي حاول وزير الخارجية الإيرانية بثها حول المفاوضات، صرح المسئول الإيراني بأن المرشد الأعلى أوصى بأن يتولى علي لارجاني مهام المرشد في حال اغتياله!

بعد إعلان التلفزيون الرسمي الإيراني مقتل المرشد، فإن تداعيات الحدث تلقي بظلالها على الحرب الدائرة الآن، فقد يسبب صدمة داخلية قد تضعف تماسك النظام مؤقتا، لا سيما مع توالي أنباء مقتل القيادات العسكرية، وهو ما قد يؤدي إلى صراع محتمل داخل مراكز القوة، مثل الحرس الثوري الذي يرتبط بالمرشد، ويدين له بالولاء، كما أن مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي كان يترأسه المرشد يمكن أن يشهد هو الآخر صراعا، مدفوعا بطول أمد رئاسة المرشد لهما وطموحات شخصية داخل قيادات المؤسستين، إلا أن هذا الاحتمال يمكن استبعاده في حال نجحت المؤسسة الأمنية في ضبط الانتقال، فتتحول الضربة إلى عامل تعبئة، بدأت تظهر شواهدها على استحياء بخروج عدة آلاف إلى الشوارع بعد سماع خبر مقتل المرشد.

المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا تمثل انتقالا من حرب الظل إلى حرب كسر الإرادات، وهو ما يرشح الحرب لأن تتحول إلى حرب طويلة باستراتيجية عض الأصابع من خلال توسع إقليمي يهدف إلى استنزاف كل طرف للآخر، وهو ما أظن أن القيادة الإيرانية تراهن عليه، مدفوعة في ذلك بحالة الإنهاك التي تعيشها تل أبيب وجيشها

التصريحات الصادرة عن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع بداية الضربة الإسرائيلية على إيران، أوضحت أن الهدف يتجاوز الردع إلى تفكيك القيادة وتهيئة بيئة لتغيير النظام، فقد وضع في بنك أهداف جيش الاحتلال، ومن ثم القوات الأمريكية التي دُفعت إلى المنطقة، قائمة اغتيالات طويلة شملت المرشد وقائد الحرس الثوري ووزير الدفاع وغيرهم، وفيما يبدو، وبحسب تصريحات جيش الاحتلال، فإن الضربات تحقق بعض النجاحات، وهي بالنتيجة محاولة لشل منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، كما حمل بنك أهداف تل أبيب إنهاء منظومة الردع الإيرانية أو على الأقل إضعافها، وتقليص نفوذ إيران الإقليمي وأذرعها، وهو ما بدأ منذ أشهر بضربات لحزب الله، وتحييد المليشيات في العراق، ومليشيا الحوثي باتفاقات من تحت الطاولة.

في الجهة الأخرى، دخلت إيران الحرب وهي مسكونة بأمل عدم دخولها بعد أن تم سحبها إلى مفاوضات اشتم العالم أجمع فيها رائحة الخداع، إلا قادة طهران الذين أزكمت أنوفهم، فراحوا يبشرون بانفراجة تعطيهم نفسا بعد حرب الاثني عشر يوما التي أجهدت دفاعات إيران، مع ذلك دخلت الحرب وهي تريد أن تثبت قدرتها على الردع رغم تلك الحرب المجهدة، والمشاهد أنها تريد أن تنقل الحرب في عمق الاحتلال، وتوقع أكبر خسائر ممكنة للقواعد الأمريكية في الجوار، فلا شك في أن إيران دولة لها ثقلها العسكري، رغم الضغوط التي قلصت من قدراتها خلال السنوات الأخيرة سواء بالعقوبات أو الضربات التي لحقت بأذرعها، وإجهادها في الحرب السورية.

المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا تمثل انتقالا من حرب الظل إلى حرب كسر الإرادات، وهو ما يرشح الحرب لأن تتحول إلى حرب طويلة باستراتيجية عض الأصابع من خلال توسع إقليمي يهدف إلى استنزاف كل طرف للآخر، وهو ما أظن أن القيادة الإيرانية تراهن عليه، مدفوعة في ذلك بحالة الإنهاك التي تعيشها تل أبيب وجيشها، وعدم تحمل دافع الضرائب الأمريكي المزيد من دعم الكيان المحتل بعد عامين من الحرب في غزة، والتي قدرتها كلية واتسون للشئون الدولية والعامة بـ21.7 مليار دولار أمريكي، كما تعول طهران على الرفض الخليجي للحرب من المبتدأ لما أوردناه في مقال لنا بعنوان "شظايا أي ضربة أمريكية محتملة لإيران ستتناثر على الخليج"، مع ذلك فإن هذه الحرب الطويلة سيكون لها تداعيات، ما يجعل متأثرين جددا يدخلون على للتهدئة.

الخليج الذي سيتضرر من إطالة أمد الحرب، سيستفيد على المدى الاستراتيجي، فإزالة نظام يشكل مصدر إزعاج منذ وصوله إلى سدة الحكم يعد إنجازا، لكنه في الوقت نفسه سيعيد رسم الخريطة لصالح إسرائيل، التي بدأ قادة الخليج يوازنون بين خطرها والخطر الإيراني بعد تقليم الكثير من أظافره، مع ذلك فإن ارتفاع أسعار النفط المتوقع سيضخ في خزائنهم المزيد من الأوكسجين، فيطيل عمر الحالة التي ينتظر أن تتحول خلال مدة ليست بالبعيدة.

وعلى الخط نفسه ستستفيد روسيا ونفطها، كما تستفيد بإشغال أمريكا بحرب طويلة ومستنزفة عن أطماعها في أوكرانيا، ويجعل الأخيرة عبئا يجب التخلص منه أمريكيا. وعلى العكس، سيكون حال الأوروبيين المستوردين الرئيسيين للنفط الخليجي والروسي؛ سيزيد إنفاقهم على الطاقة، ما يجعلهم يسعون لوقف الحرب في أقرب فرصة.

نجاح مشروع تغيير النظام في إيران، يتوقف على مدى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية على المستويين المؤسسي والشعبي

بالعودة إلى الأهداف التي وضعت من طرفي الحرب الآن، نجد أن عدم وصول الطرف الإسرائيلي- الأمريكي للهدف الرئيس بإسقاط النظام في إيران، كخطوة أولى يتبعها خطوة تقسيم إيران إلى أربع دول (عرب وأذر وبلوش وكرد) بالإضافة إلى دولة للفرس، لإنهاء الحلم الفارسي الذي ستحاصر وسط الجغرافية الإيرانية الحالية وتكون محبوسة، فإن النظام سيخرج من هذه الحرب أكثر قوة سياسيا، حتى ولو أنهك عسكريا واقتصاديا، كما أنه سيدفع إلى إعادة رسم خرائط التحالفات في الخليج، وبالتالي تعزيز الاستقطاب بين محور أمريكي ومحور أوراسي.

بالنتيجة، فإن نجاح مشروع تغيير النظام في إيران، يتوقف على مدى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية على المستويين المؤسسي والشعبي، لذا فإنه من الطبيعي أن نقرأ من ساعة لأخرى عن القبض عمن تصفهم المخابرات الإيرانية بالجواسيس، كما نرى مشاهد تظاهرات مؤيدة للنظام الإيراني في الجامعات وفي الشوارع، في محاولة لنقل عدوى التأييد بهدف فرض حالة من التماسك الشعبي، مع الوضع في الاعتبار العامل الديني المذهبي، والذي أججه اغتيال المرشد الأعلى، فالأرجح أننا أمام أزمة ممتدة، وحرب استنزاف ستعيد هندسة التوازن في الشرق الأوسط.
التعليقات (0)