تخيل معي هذا المشهد
السينمائي المهيب: العالم كله يقف على أطراف أصابعه، واضعا يده على قلبه البوارج
الحربية
الأمريكية تمخر عباب البحر، المقاتلات الإسرائيلية في مرابضها ومحركاتها "تُسخّن"
بانتظار إشارة الانطلاق، والصواريخ
الإيرانية فوق منصاتها مشرئبة نحو السماء، تستعد
لمنح أمر "الضربة الكبيرة" التي ستُشعل الشرق الأوسط، وتُدخل المنطقة في
نفق حرب إقليمية مدمّرة توقف حال الجميع.. وفجأة.. وسط هذا الضجيج العسكري المرعب،
يخرج دونالد
ترامب بتدوينة صغيرة على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي ليقول بأنه
سيوقع اتفاقا يوقف الحرب في الشرق الأوسط، ويؤكد أن إيران ماضية في طريق القبول.
هنا يثور السؤال البديهي:
ما هو هذا السلاح السري الخارق الذي امتلك القدرة على كبح جماح آلاف الصواريخ في الثواني
الأخيرة؟ ما الذي أجبر واشنطن وتل أبيب وطهران على الجلوس فجأة وتهدئة الأجواء؟ هل
الضغوط الاقتصادية التي بدأ العالم يشتكي منها من إغلاق المضيق، والتي مست الولايات
المتحدة نفسها، أم الصواريخ التي تطال حلفاء أمريكا في الخليج، وكشفت عن ضعف القواعد،
وطرحت تساؤلات حول جدوى وجودها، أم الخوف من وجود سلاح نووي سري لدى إيران؟
ترامب، بعقليته التجارية والسياسية، لن يسمح إطلاقا بأن تطير "لقطته التاريخية" بسبب حرب ترفع أسعار البنزين، وتُعكر مزاج المشجعين والناخبين، خصوصا وهو مقبل على تجديد نصفي حرج لحزبه في الكونغرس
الإجابة تكمن في مكان
آخر تماما؛ إنها "كرة القدم"..
كأس العالم الذي ستستضيفه الولايات المتحدة
وكندا والمكسيك في حزيران/ يونيو القادم، والتي لم يكن يتوقع ترامب أن تمتد الحرب لتؤثر
فيها، ويبدو أن ترامب أراد لهذه الحرب أن تذبح على عتبات الملاعب الخضراء قربا لمتعة
الملايين وأرباح الشركات.
في الساعات الأخيرة،
سارعت المنصات الإعلامية الأمريكية، وعلى رأسها موقع "أكسيوس" وصحيفة
"نيويورك بوست"، لتسريب كواليس ديبلوماسية سرية للغاية تؤكد أن كل هذا التصعيد
يجب أن يتوقف فورا. والسبب ليس حبا في السلام بطبيعة الحال، بل "عشان خاطر عيون"
المونديال الذي ينطلق في حزيران/ يونيو القادم.
ترامب، بعقليته التجارية
والسياسية، لن يسمح إطلاقا بأن تطير "لقطته التاريخية" بسبب حرب ترفع أسعار
البنزين، وتُعكر مزاج المشجعين والناخبين، خصوصا وهو مقبل على تجديد نصفي حرج لحزبه
في الكونغرس.
ومن هنا، طُبخت الصفقة
على نار هادئة، وحيكت شبكة اتصالات عجيبة قادها ترامب مع قادة المنطقة من السعودية
ومصر وتركيا والإمارات وباكستان وعُمان.. وصولا إلى نتنياهو. وبوساطة شاقة تولت حقيبتها
الديبلوماسية قطر وباكستان، صِيغت "مسودة التفاهم" التي لخصها الموقف الأمريكي
بعبارة حاسمة: " No Uranium, No
Dollars".
تسريبات "أكسيوس"
تكشف عن بنود صادمة.. هدنة الـ60 يوما لاحظ أن تمديد وقف إطلاق النار سيغطي فترة المونديال
وزيادة، ومن ثم تأمين شريان الطاقة بإلزام إيران بفتح مضيق هرمز تماما، بل وقيامها
بتنظيف المضيق من الألغام البحرية التي زرعتها بنفسها لضمان مرور ناقلات النفط بسلام،
في المقابل ترفع واشنطن حصارها البحري عن الموانئ الإيرانية، وتخفف العقوبات على قطاع
النفط لتسمح لطهران بجمع "الكاش" لإنقاذ اقتصادها المخنوق، وكذا إنهاء النزاع
المسلح بين إسرائيل وحزب الله، مع بقاء القوات الأمريكية في المنطقة بالكامل، كرسالة
لردع أي محاولة غدر إيرانية.
المفاجأة الأكبر التي
فجرتها "نيويورك بوست" هي أن المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، وافق
"مبدئيا" على فكرة خارج الصندوق طرحها ترامب، تقضي بتدمير حوالي 450 كيلوغراما
من اليورانيوم عالي التخصيب، والاستعانة بالصين لنقل وتفريغ هذه المواد خارج إيران،
إلا أن ذلك لن يرفع عنها العقوبات النهائي؛ بل ظل الأمر مشروطا بالتوقيع النهائي على
اتفاق ينهي المسائل العالقة، والتي تظل مصدر قلق "للمجتمع الدولي" بحسب واشنطن.
رغم هذا التفاؤل الأمريكي،
فإن الاتفاق ما زال يقف على شعرة الصياغة اللغوية؛ طهران تبحث عن "تخريجة"
تحفظ كبرياءها الوطني أمام المتشددين في الداخل، لتبدو منتصرة ولم تفرط في حلمها النووي
من أجل "مباراة كرة قدم".
كواليس السياسة الدولية تثبت دائما أن المصالح الكبرى تولد من رحم أغرب المفارقات. الشرق الأوسط الذي كان قبل أيام على شفا حرب عالمية مصغرة، يجد نفسه مجبرا على الانصياع لإرادة "الساحرة المستديرة"
وعلى الجانب الآخر،
يعيش رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغطا عصبيا مرعبا، فهو يرى في التفاؤل
الأمريكي "مماطلة إيرانية" لكسب الوقت. نتنياهو مرعوب؛ إن وافق على الهدنة
سينهار مشروعه الذي عمل عليه منذ ثلاث سنوات، وإن رفض فإنه يخاطر بإفساد "لقطة
حفل المونديال" على ترامب، وهو يعلم أن الأخير رجل لا يسامح من يفسد صفقاته. وفي
طهران أيضا، يخرج رئيس البرلمان باقر قاليباف مهددا بأن الرد الإيراني سيكون قاسيا
بلا رحمة إن عادت الضربات، مما يعكس حجم الرفض لدى صقور الطرفين للتهدئة المفروضة.
إن كواليس السياسة
الدولية تثبت دائما أن المصالح الكبرى تولد من رحم أغرب المفارقات. الشرق الأوسط الذي
كان قبل أيام على شفا حرب عالمية مصغرة، يجد نفسه مجبرا على الانصياع لإرادة
"الساحرة المستديرة"، فترامب يريد أن يثبت للعالم أنه "الساحر"
الذي يوقف الحروب بـ"تغريدة" على منصة تواصل اجتماعي، وأنه الوحيد الضامن
لنجاح كأس العالم، وإيران وافقت على التنازل عن طموحها مؤقتا لتتنفس اقتصاديا، وإسرائيل
تقف مرغمة ويدها على الزناد، بانتظار إطلاق صافرة نهاية البطولة.
الساعات القادمة ستكون
حاسمة بكل المقاييس؛ فهل نشهد مراسم توقيع تطوي صفحة الحرب لمدة شهرين احترما للمستطيل
الأخضر؟ أم أن الشياطين المستترة في تفاصيل "الألغام واليورانيوم" ستفخخ
المشهد، وتُشعل النيران مجددا بمجرد أن تفهم طهران اللعبة؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام
القليلة القادمة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.