قبيل ساعات من انطلاق جولة جديدة من المباحثات بين أمريكا وإيران في باكستان،
يقف العالم على أطراف أصابعه، بعد، أزمة السفينة توسكا التي احتجزتها القوات الأمريكية
التي تحاصر الموانئ
الإيرانية، وهي الواقعة التي دفعت البحرية الإيرانية لمهاجمة القطع
البحرية الأمريكية. هذه الحدثة تجعل العالم مشدودا أمام ملف الإبحار وتحديدا في مضيق
هرمز الذي يجذب تركيز المتفاوضين قبل المراقين، لا سيما بعد أن استطاعت إيران أن تعطل
الملاحة في أحد أهم شرايين التجارة في العالم، الذي تمر عبره يوميا نحو 17-20 مليون
برميل من النفط ومشتقاته، ما يمثل حوالي 20 في المئة من الاستهلاك العالمي، بالإضافة
إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، مع ذلك..
ويعود الملف
النووي الإيراني إلى واجهة الأحداث الدولية بقوة، في ظل تصريحات
متبادلة بين إيران وأمريكا، ومن خلفها تل أبيت، سبقها تصعيد سياسي وعسكري فرض نفسه
على مسار
المفاوضات. فالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي صرح بأن واشنطن لا تملك مبررا
لحرمان إيران من برنامجها النووي، يعكس تمسك طهران بموقفها، قبيل مفاوضات يبني العالم
عليها أملا كبيرا لوقف نزيف الاقتصاد العالمي، ليبرز الملف النووي الإيراني من جديد
ليس على المستوى التقني، كما كان، بل أصبح قضية سياسية وأمنية ذات أبعاد إقليمية ودولية
واسعة.
توقيت هذه المفاوضات ليس عابرا، إذ يأتي في ظل تصعيد غير مسبوق بعد حرب غزة، وتصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، ما يضيف بعدا أمنيا ضاغطا على جميع الأطراف للدفع نحو حلول، أو على الأقل احتواء التصعيد
مما لا يُذكر، أو يراد ألا يذكر، أن أزمة الملف النووي الإيراني هي من صنع الغرب
بالأساس، فالبرنامج النووي الإيراني بدأ في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، على خلفية البرنامج
الذي أطلقه الرئيس الأمريكي أيزنهاور، وتعاونت أمريكا وأروبا لإنشاء أول مفاعل نووي
لإيران في طهران عام 1967، وبعد توقف أعادت إيران إحياء البرنامج لأسباب استراتيجية
تتعلق بمخاوفها الإقليمية، بحسب تبريرات قادتها، وذلك بعد
الحرب مع العراق، وتنامي
القدرات النووية للاحتلال الإسرائيلي.
تعود جذور الأزمة الحالية إلى الاتفاق النووي الموقع عام 2015 والذي شكل انفراجة
تاريخية بين إيران والغرب ومن خلفه الاحتلال الإسرائيلي، حيث نص الاتفاق على تقييد
البرنامج مقابل رفع العقوبات المفروضة على النظام في طهران منذ ثورتها في 1979 في عهد
الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، لكن مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض وانسحابه من الاتفاقية،
تعرض هذا المسار إلى انتكاسة، ما جعل طهران تطرد المراقبين الدوليين، وتعود إلى تخصيب
اليورانيوم، وصولا إلى مستويات قريبة من "العتبة النووية"، أو هكذا يُظن،
في ظل عدم وجود معلومات دقيقة وغياب الرقابة، ما أثار قلقا دوليا واسعا.
في هذا السياق، تبرز أهمية اختيار باكستان كموقع محتمل لجولة جديدة من المفاوضات.
فإسلام آباد تحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وتُعد طرفا مقبولا نسبيا للوساطة،
خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي. كما أن توقيت هذه المفاوضات ليس عابرا، إذ يأتي
في ظل تصعيد غير مسبوق بعد حرب غزة، وتصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، ما يضيف بعدا
أمنيا ضاغطا على جميع الأطراف للدفع نحو حلول، أو على الأقل احتواء التصعيد.
تسعى واشنطن في جولة المفاوضات المرتقبة في باكستان إلى تحقيق عدة أهداف أبرزها
فتح مضيق هرمز، لكن أهمها عدم وصول إيران للقدرات النووية التي تؤهلها لامتلاك سلاح
يدخلها نادي التسعة النووي، من خلال فرض قيود أكثر صرامة على نسب التخصيب، وبالتوازي
إدراج برنامج الصواريخ البالستية ضمن هذا الإطار. في المقابل تتمسك إيران بحقها في
امتلاك برنامج نووي "سلمي"، وهو ما يجعل الجولة الثانية من المباحثات في
إسلام آباد محفوفة بمقومات الفشل، لا سيما فيما يتعلق بنسب التخصيب، حيث ترى الدول
الغربية أن المستويات الحالية المرتفعة تمثل تهديدا، بينما تعتبرها إيران جزءا من حقوقها.
تخشى أمريكا والغرب من أن تمرير الرغبة الإيرانية، قد يفتح الباب أمام دول أخرى
سترى في امتلاك إيران سلاحا نوويا مدعاة لأن تمتلك في المقابل سلاح ردع مماثل، على
الرغم من أن هذه الرغبة لم تبد خلال الستين عاما الماضية، وقتما كشف عن امتلاك الاحتلال
الإسرائيلي لقدرات النووية عسكرية، على الرغم من اتباعها سياسة التعتيم النووي، ففي
السياق تلعب كل من الصين وروسيا دورا حاسما في هذا الملف، وإن لم يكن تقنيا، على الأقل
في الظاهر، فإن دعهما لإيران سياسيا لا تخطئه عين، هذا الدعم يقوي المفاوض الإيراني
في جولته القادمة في إسلام آباد.
الملف النووي الإيراني سيكون عقدة المباحثات المرتقبة في باكستان، فإن اتفق طرفا المباحثات على فتح المضيق، ورفع الحصار، وحتى تخفيف أو إزالة العقوبات عن إيران، فإن الملف النووي سيظل عقبة في الوصول إلى إنهاء الأزمة المستمرة منذ قرابة الشهرين، ما يعني احتمالية فشل المفاوضات
لما كان التصعيد الأخير والمواجهات المباشرة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي،
والهجمات على دول الخليج التي تؤوي القواعد الأمريكية، تهدد الاستقرار الإقليمي، وكذا
سلاسل التوريد في العالم بشكل مباشر، وهو ما انعكس على أسعار الطاقة، فإن أمريكا ومن
ورائها الغرب و"إسرائيل" ستتعامل مع الملف النووي الإيراني كأحد الأوراق
التي يجب أن تنتزع من يد طهران، لما يمثله من سلاح ردع، بل وابتزاز في أحيان.
في ظل هذه المعطيات، فإن الملف النووي الإيراني سيكون عقدة المباحثات المرتقبة
في باكستان، فإن اتفق طرفا المباحثات على فتح المضيق، ورفع الحصار، وحتى تخفيف أو إزالة
العقوبات عن إيران، فإن الملف النووي سيظل عقبة في الوصول إلى إنهاء الأزمة المستمرة
منذ قرابة الشهرين، ما يعني احتمالية فشل المفاوضات، رغم التصريحات الدبلوماسية الأنيقة
من وزير الخارجية الإيراني، والتي تتبعها تصريحات عسكرية من القيادة العسكرية المشتركة
في بلاده تناقض ما يصرح به، ولا ندري أهو توزيع أدوار أم عدم تنسيق أو خلافات داخلية،
تنعكس في النهاية على مسار مباحثات يوم الأربعاء القادم.
تأثير الملف النووي يتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، كما يتجاوز جلسة المباحثات
المرتقبة، ليشمل مجمل التوازنات في الشرق الأوسط، فنتائج المباحثات ستنعكس على أمن
الخليج، وأسعار النفط، وسباق التسلح، وإعادة تموضع قوى جديدة في ظل صراع متجدد على
قيادة المنطقة، وقد يؤصل لتحالف يبدو في الأفق، تظهر فيه باكستان النووية مع تركيا
عضو "ناتو" مع السعودية الغنية، وهو تخريج يبدو قبولا لطرح الـ"ناتو
العربي" الذي أراده الرئيس الأمريكي بايدن للمنطقة الذي افترض جمع الدول العربية
تحت قيادة إسرائيلية لمواجهة الخطر الإيراني. على كل حال، فإن الأكيد أن تشكيل المنطقة
يتم بتجاذبات قوية أضعفها هي الأمة العربية التي لم يتبلور لها رؤية لما يخطط لها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.