في
مدينةٍ لا تعرف الهدوء إلا كهدنةٍ مؤقتة، تُنصب الطاولة؛ ليست طاولة عادية من
الخشب، بل منصةٌ من الفولاذ البارد تتقاطع فوقها خرائط النار، وأنفاس الأسواق،
وأعصاب الجيوش. هناك، في قلب إسلام آباد، لا يجلس رجالٌ فقط.. بل تجلس خلفهم دولٌ
بكامل قلقها، وتاريخٌ بكامل شكوكه، ونوايا بكامل ريبتها.
يدخل
الوفد الأمريكي، وعلى رأسه جي دي فانس، محاطا برجالٍ لا يشبهون الدبلوماسيين بقدر
ما يشبهون صناع المعادلات؛ إلى جواره جاريد كوشنر، الاسم الذي لا يُقرأ في طهران
إلا بوصفه توقيعا على انحيازٍ صريح للصهيونية، ومعه ستيف ويتكوف، رجل الظل الذي
يتحرك في المساحات الرمادية، بينما يقف في الخلف جنرالٌ يعرف جيدا خرائط البحر
أكثر مما يعرف لغة المصافحات: براد كوبر.
وفي
الجهة المقابلة، لا تأتي
إيران بوفدٍ تفاوضي.. بل بمنظومة دولة؛ محمد باقر
قاليباف، السياسي الذي يحمل في صوته صدى المؤسسة، ومعه عباس عراقجي، الذي يتقن
هندسة الكلمات كما تُهندس الصواريخ،
هل هذه مفاوضات حقا؟ أم أنها مسرحٌ تُعرض عليه نوايا لا تُقال؟ الحقيقة أن الطاولة نفسها تُجيب: حين يجلس السياسي بجوار الجنرال، وحين يدخل رجل الصفقات إلى غرفة الدبلوماسية، فاعلم أن ما يُناقش ليس اتفاقا.. بل مستقبل صراع
ويجلس إلى جواره مجيد تخت روانشي، حامل
الملفات الثقيلة، بينما يراقب من العمق رجال الأمن والاقتصاد، حيث لا تُفصل
السياسة عن العقوبات، ولا تُفصل الابتسامة عن الحساب.
أما
الوسيط، فليس مجرد ناقل رسائل؛ باكستان تحضر بثقلها الكامل: شهباز شريف، وعاصم
منير، في مشهدٍ يقول إن الوساطة هنا ليست مجاملة.. بل محاولة لإبقاء الحريق خارج
حدودها.
لكن،
هل هذه
مفاوضات حقا؟ أم أنها مسرحٌ تُعرض عليه نوايا لا تُقال؟ الحقيقة أن الطاولة
نفسها تُجيب: حين يجلس السياسي بجوار الجنرال، وحين يدخل رجل الصفقات إلى غرفة
الدبلوماسية، فاعلم أن ما يُناقش ليس اتفاقا.. بل مستقبل صراع.
السيناريو
الأول، وهو الأكثر إغراء للعقل، أن تنجح هذه المفاوضات، لكن نجاحا يشبه الإسعافات
الأولية؛ اتفاقٌ مؤقت، تهدئةٌ محسوبة، ربما تخفيف للعقوبات مقابل خطوات إيرانية
محدودة. هنا، لا أحد ينتصر، لكن الجميع يربح الوقت. النفط يهدأ، الأسواق تتنفس،
والعالم يلتقط أنفاسه من حافة انفجار. لكن هذا النجاح إن حدث لن يكون سلاما، بل
تأجيلا أنيقا للحرب.
السيناريو
الثاني، وهو الأكثر واقعية، أن تفشل المفاوضات دون إعلان الفشل؛ تصريحات
دبلوماسية، كلمات مرنة، وصور مصافحة.. بينما الحقيقة أن كل طرف خرج أكثر يقينا
بعدم جدوى الآخر. هنا، تتحول إسلام آباد من منصة تفاوض إلى مجرد محطة في طريق
التصعيد. وجود جاريد كوشنر تحديدا، ليس تفصيلا عابرا، بالنسبة لإيران، هو رسالة
تقول إن واشنطن لم تغيّر جلدها، بل فقط غيّرت لهجتها. ووجود ستيف ويتكوف يعمّق هذا
الشعور، كأن الطاولة بُنيت أصلا على أرضٍ زلقة.
أما
السيناريو الثالث، فهو الأخطر.. والأكثر إثارة للقلق؛ أن تكون هذه المفاوضات مجرد "ستار
حريري" لخشبة مسرحٍ آخر؛ في هذا السيناريو، لا يكون الهدف اتفاقا، بل تهدئة
مؤقتة لضبط أسعار النفط، وإعادة تموضع عسكري أمريكي،
"اختبار توازن"؛ واشنطن تريد أن تعرف إلى أي مدى يمكن الضغط دون انفجار، وطهران تريد أن تختبر إلى أي حد يمكن الصمود دون تنازل
واختبار ردود الفعل الإيرانية،
وربما رسم بنك أهداف أكثر دقة. هنا، تتحول الكلمات إلى أدوات استطلاع، وتصبح
الابتسامات وسائل قياس، ويغدو الصمت أحيانا أخطر من التهديد.
لكن،
هل يمكن أن يصل الأمر إلى استدراجٍ مباشر لضربات نوعية أو اغتيالات تطال شخصيات
حساسة مثل مجتبى خامنئي؟ هذا الاحتمال، رغم جاذبيته في التحليل، يظل الأقل واقعية؛
ليس لأن الصراع لا يحتمل ذلك، بل لأن كلفته تتجاوز الحسابات التقليدية. اغتيال
بهذا الحجم لن يكون ضربة.. بل إعلان
حرب مفتوحة، وإيران ليست ساحة رخوة تُستدرج
بهذه السهولة.
في
النهاية، ما يحدث في إسلام آباد ليس مفاوضات بالمعنى الكلاسيكي.. بل "اختبار
توازن"؛ واشنطن تريد أن تعرف إلى أي مدى يمكن الضغط دون انفجار، وطهران تريد
أن تختبر إلى أي حد يمكن الصمود دون تنازل، وبين
السؤالين تجلس باكستان تحاول أن تمنع الإجابة من التحول إلى صاروخ.
ربما
لن يخرج العالم من هذه الطاولة باتفاقٍ تاريخي، وربما لن تندلع حربٌ في اليوم
التالي، لكن المؤكد أن ما بعد إسلام آباد.. لن يكون كما قبلها؛ لأن أخطر ما في هذه
اللحظة ليس ما يُقال على الطاولة، بل ما يُفكَّر فيه خارجها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.