ما يحصل في
المنطقة غير مسبوق في تاريخها؛ تصدّت
إيران بكفاءة وإبداع للهيمنة الأمريكية ومخطط
التوّسع الصهيوني وفاجأت البعيد والقريب والعدو والصديق. في السياسة كل المؤشرات
تؤكد أنّ أمريكا وقعت في فخ تاريخي، وأنّ إسرائيل كانت السبب الرئيس في ذلك، وأنّ
الأصيل والوكيل في مأزق مركّب ومعضلة وتبخّرت شعاراتهما وأمانيهما في ساحة الميدان،
وأنّ استمرار
الحرب سيعّمق الإخفاق الأمريكي ويعزّز أوراق جبهة المقاومة ويمّتنها
أكثر وربّما يقرّبها لتحقيق أهدافها بمواجهة أمريكا وإسرائيل.
هذا لا يعني أنّ
الحرب انتهت أو ستضع أوزارها غدا؛ لأنّ إيران وجبهة المقاومة بالذات -بل عموم
شعوبنا- التي دفعت كلفة لعقود لا سيّما في الجولة الأخيرة منذ طوفان الأقصى؛ لا
يمكن أن تتراجع بأقّل من تثبيت قواعد تحول دون العودة الأمريكية الإسرائيلية إلى الهيمنة
مجددا والاعتداء حالما أرادتا، وهذا ما يجب أن يفرضه الميدان لا وهْم
"الدبلوماسية" مع الإدارة الأمريكية.
بالنسبة لإيران
وجبهة المقاومة؛ انتهى إلى غير رجعة زمن الاستخفاف بشعوبنا وأمتنا والاستهانة،
وهناك ولادة جديدة دخلتها المنطقة وربّما العالم. إلا أنه في المشوار لتحقيق هدف
إفشال أهداف أمريكا وذيلها فالانتقال لتحقيق هدف شعوبنا المقاومة؛ هناك مطّبات
وأحيانا هواجس. فمن سيملأ الفراغ الأمريكي الذي الواقع؟ وما هو موقع الدول
والأنظمة التي كانت ترى قي الهيمنة الأمريكية والنفوذ عنوان حماية أو هكذا افترضوا
(صوابا أم خطئا)؟ وكيف يمكن طمأنتها؟
مسار التنازل الذي أدرناه كعرب عمّق مشكلتنا واستتباعنا ولم يُرض عنّا أمريكا ولا إسرائيل في نهاية المطاف، بل أقحمنا في صراعات مع بعضنا وترك أمريكا تموّل المتصارعين وتعّمق أزماتهم
لقد أثبتت هذه
الحرب أنّ أمتنا ليست ضعيفة، بل هي قوية وحاضرة وقادرة أن تضطلع بدور كبير في عالم
يتحوّل مع شرق يحاول أن يقدّم بديلا، وغرب يهوي وشعوب تستفيق، وأثبتت وهْم
"القدَر الأمريكي"، وأنّ مسار التنازل الذي أدرناه كعرب عمّق مشكلتنا
واستتباعنا ولم يُرض عنّا أمريكا ولا إسرائيل في نهاية المطاف، بل أقحمنا في
صراعات مع بعضنا وترك أمريكا تموّل المتصارعين وتعّمق أزماتهم.
لقد فهمت إسرائيل
كل تنازل منّا أنه ضعف، فردّت علينا كما أمريكا بزيادة الابتزاز والاستعلاء
والتهديد وهضم الأرض وتفجير ما تبقّى من أمننا الاجتماعي والثقافي، وسعت في تكبير
الهواجس والقلق وأحيانا اختلاقها، وبقينا لعقود من الزمن أسرى الخوف من بعضنا نهرب
من مواجهة بعضنا بالحوار (لا أتحدّث عن غياب حوار
عربي إسلامي فقط، بل حتى على
مستوى دول
الخليج التي هي أقرب لبعضها من غيرها لم يتحّقق ذلك).. وأصّروا على أخذنا
بالمفرّق وكل على حدة.
اللحظة اليوم
اختلفت كليّا وهي تؤذن بفجر كبير شريطة تثبيت النصر أولا، فتبديد الفهم الخاطئ
والقلق والهواجس وعقلنة إدارة الفضاء السياسي الإقليمي المتوسّع. لذلك يُفترض أنّه
بالتوازي مع الاستمرار بالفعل العسكري في الميدان وتزخيمه وعدم السماح بما يؤثّر
عليه سلبا، نحن نحتاج بالتوازي لبدء حوار في هذه اللحظة الانتقالية ولجملة مبادئ
حاكمة ومشتركة تساعدنا وتضمن العبور الآمن على أساس الكل رابح والكّل مستفيد، وهذا
ممكن فعلا وواقعا.
تبدأ المسألة من
تركيزنا على استهداف أمريكا وإسرائيل، والتأكيد والتطمين بأن أي استهداف لا يراد منه إخوتنا العرب بل إن أمنهم ومستقبلهم من أمننا
ومستقبلنا ومطالبتهم الدائمة بأخذ دورهم ومنع تحويل المنطقة لتهديد إيران وحماية كيان
العدو. هذه الحقيقة يجب تأكيدها وتكرارها واعتبارها لازمة وعدم السماح لأحد أن
يحرفها عن موضوعها. فجبهة المقاومة وإيران بالذات حريصة أشّد الحرص على علاقات
الأخوة بل على تقويتها وتمتينها، فهذه المنطقة للجميع ونحن جميعنا أهلها مهما
تباينا واختلفنا في أمور معيّنة، مع التنويه إلى أنّ كثيرا من خلافاتنا كانت تقف
خلفها الهيمنة الأمريكية ونظرية الأمن الأمريكي للخليج التي قامت على إثارة الخوف
لإيجاد دور لها في الخليج (أدركت المملكة السعودية في السنتين الماضيتين ذلك ففتحت
باب الحوار المباشر مع إيران بوساطة صينية وتعتبر هذه خطوة مهمة جدا وفي الاتجاه
الصحيح وكذلك الحال عندما عدّلت من مقاربتها لليمن).
المشكلة ببساطة
أنّه يصعب مواجهة تغّول إسرائيل في ظل هذه الهيمنة الأمنية والسياسية التي تعتمدها
أمريكا لا سيّما على الخليج. إنّ تحرير قرارنا السياسي العربي من الهيمنة
الأمريكية فرصه مؤاتية الآن، كما إنّ إمكانية أن تقوم الدول العربية –كمصر
والسعودية والعراق وقطر- بدور يقوم على التمييز بين الطبيعي من مصالح أمريكا
كغيرها من الدول الكبرى وبين مصالحها الهيمنية واستخدام الجغرافيا العربية لمواجهة
إيران أو الصين لاحقا أو غيرهما، كما يمكن لهذه الدول أن تبادر بطرح مباشر على
الأمريكي يدعوه لضرورة أن التمييز بين مصالحه التي يمكن التعاون معه فيها وبين
مصالح إسرائيل والتزامه بها، فالأمران مختلفان!!
إنّ هذه هي فرصة
لدور حقيقي يمكن القيام بها، وأن تتم المبادرة بدل الصمت وأحيانا توزيع الإدانات،
يساعد في ذلك أنّ الحماية الأمريكية فشلت في الدفاع عن ذاتها وعن إسرائيل، وأن إسقاط
إيران وجبهة المقاومة ضرب من الخيال، وأمن المنطقة واحد موحد لا يتجزّأ. والحقيقة
الثابتة أننّا لا يمكن الا أن نعيش مع بعضنا ونتفاهم، فنحتاج للعمل وفق هذا المحدد
بعيدا عن هيمنة الغرب. إذا يمكن للعرب والخليج بالذات أن يلعبوا دورا مهما الآن وأن
يستغلوا ما يحصل لصالح إضعاف موقف إسرائيل ومكانتها وتقوية موقع فلسطين وحقّها
التاريخي، ويعيدوا تعريف وتحديد الحضور الأمريكي عندهم. وهذه فرصة لن تتكرر لاستعادة
القرار السياسي والتحّرر الفعلي وموازنة المصالح الخارجية في العالم الجديد الناشئ.
ومن مقتضيات هذه
المرحلة تجنب أي محاولات تبّثها أبواق مأجورة للغرب لاستغلال ما يحدث لتغيير سياسي
في بعض الأنظمة العربية؛ يجب الحفاظ على وجهة الحرب وموضوعها وعدم حرفها نحو
تغييرات تطال البنى السياسية مهما كانت مساوئها، بل تأجيل كل ذلك وإخضاعه لقواعد
من التفاهم والتطمين المتبادل وارادة الشعوب. نحن لا نقول أنّ شعوبنا ليست مضطهدة
ومخنوقة وتحتاج لتحّرر من الاستبداد السياسي، لكن يجب التأكيد أنّ المرحلة هي فقط
لمواجهة أمريكا وإسرائيل، وأنّ الولادة العربية الجديدة لا شّك أنّها ستعيد وتعطي
ظرفا سياسيا أفضل لإعادة بناء نظرية وواقع السلطة في واقعنا العربي.
ومن المفيد
والضروري بعد حين من هذه الحرب وحالما يتعمّق الفشل الأمريكي أكثر؛ أن تتّم
المبادرة لرؤية أمن للإقليم وتوزيع المصالح، ليس على غرار مقاربة الاتحاد الأوروبي
ولا تصورات الوحدة العربية السابقة، بل من فهم وغاية أهم، فنحن نحتاج أن نؤقلم
منطقتنا وقضاياها ونمتلك الإمكانات والقدرة على ذلك. فالطاقة المجتمعية الهائلة
لأمتنا يمكن أن نصرفها في التلاقي والبناء الاجتماعي والتنافس بدل الصراع الذي
غذّته أمريكا لعقود بما يكفي، بل صنعته أحيانا كثيرة (الصراع داخل الحضارة
الإسلامية)، وإذا نجحت جبهة المقاومة -وهي ربحت واقعا- في هذه الحرب المصيرية فهذا
رصيد كبير لأمتنا يمكن الإفادة منه في العالم المتّولد.
فجبهة المقاومة معنية
بأن تؤكد أنها لا تحمل رؤية تسّيد ولا تطمح للقيادة، بل تريد أن تبني مع شركائها
من العرب والمسلمين نموذجهم الحضاري، وأن يكون لنا كأمة إسلامية كلمة ومكانة تتحقق
من خلالها مصالحنا وتُحترم أسوة بغيرنا من الأمم، بدل دوامة التبعية والاستخفاف
الذي نعانيه.
القيادة السياسية لدولنا في هذه المرحلة يجب أن تتمتع اليوم بحس سياسي عال وروح تحّررية وأفق وعمق
وجميعنا معني بالتنبّه
الشديد من محاولات تفجير المجتمعات من الداخل في دولنا وخلق صراعات بينية؛ لأنّ
هذا هو تاريخ وديدن أمريكا وقوى الهيمنة العالمية، فلا شّك أنّ فشل ترامب وانهيار
نتنياهو سيدفعانهما إلى خلق صراعات وفتن داخلية لتعويض إحباطهما، لذلك وجب التنبّه
وتطمين بعضنا البعض ومنع محاولات خلق القلق وإثارة الهواجس وافتعالها، ووجب إطلاق
مسار الحوار العربي والإسلامي الآن ووضع تصورات ملء الفراغ الواقع في المنطقة بعد
تراجع أمريكا وإسرائيل. ولا يصّح أن نقع في أزمة طبقة الحكم في لبنان، إذ بينما
المنطقة تتجه لمسار ومشهد جديد بعيدا عن الهيمنة الأمريكية لاستعادة قرارها يسارع
بعض من في السلطة في لبنان لـ17 أيار جديد وربّما أكثر، غير آبهين بدماء الشهداء
ولا بتداعيات كارثية محتملة على لبنان جراء هذه الخطوة.
إنّ هذه العقلية
والسطحية في النظر هي خطر كبير على المستقبل، فالقيادة السياسية لدولنا في هذه
المرحلة يجب أن تتمتع اليوم بحس سياسي عال وروح تحّررية وأفق وعمق، إذ لا يمكن
الانتقال إلى المنطقة الجديدة بهذا النموذج من الخفّة والعقلية المنقوعة بالتبعية
لأمريكا، وبهذا الحقد الذي يكره أن يرى في أمّته انتصارا أو نجاحا فتدفعه ثوائره
لمعاكسة التيار وحركة التاريخ؛ بدل اغتنام الفرصة التاريخية القائمة اليوم التي
ستعيد إنتاج واقعٍ عربي إسلامي مختلف وأكثر تماسكا وتحّررا إذا أحسنّا العبور.