المقاومة في عالم جديد

بلال اللقيس
"انتهى زمن الحسم وفق التعريف الأمريكي والإسرائيلي، وانتهى زمن الهيمنة -غير المكلفة- فصارت الكلفة كثيرا ما تفوق العوائد"- جيتي
"انتهى زمن الحسم وفق التعريف الأمريكي والإسرائيلي، وانتهى زمن الهيمنة -غير المكلفة- فصارت الكلفة كثيرا ما تفوق العوائد"- جيتي
شارك الخبر
المقاومة باقية حتى يستقر نظامنا الإقليمي الجديد، لكونها حقا ومسلك تحرر، فهي تستمد زخمها ومشروعيتها من مبرراتها، أي من إكراهات الهيمنة وإخضاعاتها. في لبنان وفلسطين تزداد مبررات المقاومة وتتقدم، كونهما أمام أسوأ "نموذج إخضاعي هيمني" في التاريخ الإنساني، أي الأمريكي الصهيوني، وأمام مقاومة تستلهم ثقافتها من طلب العدالة والتحرر ولغة العشق للحق والأرض. لذلك لم تكن المقاومة مقاربة جزئية، بل منظور شامل يرصد ويقيم لديه معيار يقيّم من خلاله حركة الفكر والسلوك السياسي والشرعية.

وقد اختارت المقاومة في لبنان فلسفة الصعود والهبوط الحضاري أي المعيار الحضاري معيارا لذلك، يعني دوام السعي لتطوير الثقافة والمنهج والأسلوب المساعد في تجويد الخطاب والفعل التحرري وأنسنته وتخليق كيفيات لصعوده، كما وسلب العدو دعوى شرعية فعله الهيمني و"قبول" الناس بها، وهذا يحتاج إلى الإبداع كأصل في الهوية المقاومة لإيجاد شرعية بديلة للناس أكثر إنسانية، أي مشروعية.

فعندما نقول حضاري فهذا يعني أن المقاومة قيمة عليا تنطلق من الواقع إلى المثال، لا تقفز عن الواقع ولا تستغرق في الوهم بل هي علم بطبقات متعددة (مادي وعقلي ونفسي وروحي فردي وجماعي). وعندما نقول ثقافة إنسانية فلا يمكن القبول بالفصل أو القطع مع سيرورة الحقائق الموضوعية وعلى رأسها الحق بالتحرر بل وجوب ذلك، فلا تُحدث قطيعة فكرية ومعرفية عمن يعاني التحدي الهيمني نفسه. لذلك المقاومة لا يمكنها أن تكون دون اتصال فكري وموضوعي، فعندما تقاتل من أجل أرضك وشعبك لا يمكن عزل ذلك عن تفاعل جهدك ومنهجك وخطابك التحرري مع أشباهك من المعذبين.

إن هذه الرؤية الترابطية معرفيا وإنسانيا هي التي نقلت المقاومة إلى جبهة متحدة في المنطقة وتسهم في تشكل أرضية لجبهة عالمية؛ هي التي ساعدت وفتحت أعين الشعوب بل وبعض الأنظمة على تحدي الولايات المتحدة وإسرائيل دون خوف ولا تردد. فثلاثة أعوام من الحرب الأمريكية الإسرائيلية كانت أقرب إلى الوهم بسلام أمريكي- إسرائيلي! وإذ بالمقاومة تخرج من تحدي التهديد الوجودي الذي أراده العدو إلى تحدي تثبيت المكانة والتأثير الإقليمي لها مجددا. لقد شكّل إبداعها المفاجأة الكبرى التي أحبطت أهداف العدو الاستراتيجية منها والسياسية، وارتد الصمود الأسطوري صفعة استفاقة في البيئة الإقليمية والدولية، ما أدى حتى اللحظة إلى انطلاق مسار جديد في البناء المعرفي عالميا وأدى إلى تأرجحات في التموضعات وتغير في التوقعات لكثير من القوى والشعوب وحتى الأنظمة.

اليوم نحن أمام عالم جديد تتقدم فيه مسوغات المقاومة مع ما يتيحه ذلك من فرص لم تتوافر مثيلاتها من قبل. ماذا يستوجب ذلك؟ يستوجب عدم تضييعها بالانكفاء ولا بالاندفاع العاطفي بل بهندسة خطاب اتصالي وجسور انتقالية نحو العالم الجديد، وفتح الباب واسعا لبناء خطاب إنساني ولصياغة تصورات جديدة لاستقرار المنطقة ومنها إلى العالم. فالجديد اليوم والنوعي أنه مفاهيم جديدة تكتب في كل شيء حتى في أدوات الصراع؛ لا يعني ذلك أن الحروب العالية الوتيرة انتهت، لكنها لم تعد بالجدوى المنتظرة منها بالنسبة لقوى الهيمنة.

فالحرب الأمريكية على إيران كشفت حدود القوة الأمريكية بل ارتدت تآكلا وانحدارا في هيمنتها العالمية، ونظرية الردع التقليدي سقطت ولم تعد لزمان كزماننا، أما ثنائية "رابح خاسر" بالمعنى الكلاسيكي فأيضا انتهت ودخلنا بتعريفات فرضتها الوقائع الجديدة والحاجة لإنتاج تصورات أنماط وأساليب و"قواعد اشتباك" تزيد من تقييد العدو في الصراع (نموذج إيران ومضيق هرمز).

وانتهى زمن الحسم وفق التعريف الأمريكي والإسرائيلي، وانتهى زمن الهيمنة -غير المكلفة- فصارت الكلفة كثيرا ما تفوق العوائد. إن مباني نظرية وأدبيات المقاومة أثبتت جدارتها في نزع الشرعية والفاعلية عن مفاهيم قوى الهيمنة وأسست لصعود في الوعي والإرادة وقوة الإبداع، لذلك فإن المعادلة المقبلة التي تسير نحوها المنطقة هي تلك التي تسعى إلى التدرج الهادئ المرفق بضمانات موثوقة لبناء سيادة فعلية وثقافة استقلال حقيقي للدولة، مقابل تنازل المجتمعات التدريجي عن واجبها للسلطات المسؤولة. وهذا يتطلب إعادة نظر بالنظام الإقليمي لتكون ضمانته عربية إسلامية أولا.

بكلمة أخرى، ينتظر بعد هذه الجولة التاريخية من الصراع مقاربة تتكامل فيها كل من مصر وتركيا وباكستان مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما حققته من إنجاز للجميع، وبالتعاون مع السعودية والعراق لإنجاز رؤية تقوم على توزيع الأدوار وتكاملها في قبالة أمريكا، بما يبعد أي إمكانية لاستثارة الهواجس والفتن مستقبلا ويقرب المجتمعات، حينها تكون قوى المقاومة اعتبرت أن أبرز أهدافها قد تحقق في حماية الذات والوجود والسيادة بعيدا عن أمريكا وفي استعادة المكانة الجماعية للإقليم العربي الإسلامي. فإقصاء المقاومة الذي دأب عليه البعض قد فشل، بل تبين أنه أدى إلى اختلال التوازنات الداخلية في الدول وأضعف البيئة الإقليمية لصالح إسرائيل! والمقاومة اليوم محل اهتمام وإعجاب عند كثير من الشعوب حتى الغربية.

وعليه، فكلما تعززت بنية ومناعة المجتمعات ومؤسسات الإقليم في قبالة هيمنة أمريكا، وكلما تحولت المقاومة إلى ثقافة واقتربنا من بناء جسور علاقات إقليمية الطابع، وصولا لنظام إقليمي جديد يختلف في قيمه عن سايكس بيكو وما أعقبه من بنى قامت على إزكاء التناقضات لا على تكاملنا؛ نكون قد استفدنا حينها من أبرز نقاط قوتنا وصمود مجتمعاتنا، أي المقاومة، ونكون قد نقلنا الأزمة إلى داخل الكيان الصهيوني، وعندها تصير المجتمعات المقاومة بعد سبعة عقود من التضحية والثبات أقل تحسسا ويصير طرح عنوان السلاح أكثر انسيابية بل تلقائيا. أما قبل ذلك فهو نقاش غير واقعي وضرب في المستحيل، وعلى بقايا الزمن الماضي في دولنا العربية من رؤساء وأحزاب أن يعرفوا أن زمنا جديدا قد بدأ، فالقديم قد مات ومن يعش في القديم ميِّت.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)