يصعب على
البعض قبول أن هذه
الحرب الظالمة وغير القانونية فشلت منذ اليوم السابع لبدايتها وأنّ
كل ما تابعناه منذ تاريخه إلى اليوم وربما نراه غدا وإلى حين ليس أكثر من محاولات أمريكية
لتقليل وقع صدمة الهزيمة التاريخية التي أصابتها والحّد من انتصار جبهة المقاومة. إذ
لو أخذ هذا الانتصار مداه، فستكون تداعياته تاريخية لا يمكن احتواؤها، لذلك تحاول
الإمبراطورية الأقوى في التاريخ الحد منه ما أمكنها.
فما حققته
جبهة المقاومة من صمود وإبداع وتخطيط وإدارة للحرب واجتراح فنون عسكرية
واستراتيجية وسياسية واستدراج للولايات المتحدة إلى المكمن التاريخي؛ شكّل سابقة
ومفاجأة أذهلت البعيد والقريب والعدو والصديق، وبرهنت فيما برهنت، برهنت عن قصور
فعلي في العقل الأمريكي وضعف معرفي واستعلامي ورتابة، خصوصا لجهة تحليل عقل وثقافة
وبنية حضارة الإسلام التحرري الاستنهاضي والمقاومة الذي تقدمه جبهة المقاومة، كما
برهنت عن فقاعة في تفكيرهم تشبه أزمة فقاعته الاقتصادية التي تصيب النظام
الرأسمالي.
فما يحصل
ليس حربا في سياق صراع عسكري وجيوبوليتيكي فحسب، بل في سياق حضاري وأخلاقي وثقافي،
ويأتي في لحظة فارقة على صعيد النظام الدولي بين قديم مات وجديد يولد (وليس
"جديد لم يولد" كما كتب غرامشي). أي أن حيثيات الحرب التي بدأت جولتها
الأخطر في 7 أكتوبر مع طوفان الأقصى تستبطن أكثر من دافع وبأكثر من مستوى وطبقة
عند جهة العدوان الصهيو-أمريكي، وعند جبهة المقاومة أيضا. فأن تفشل أمريكا والكيان
الصهيوني بعد شهر من إطلاق أحد أكبر حروبهما من تحقيق أي من أهدافهما، فضلا عن أن يظهرا
في موضع المرتبك والمتخبط والمتهور والمنفعل كالذي نراه، فهذا ما لم يكن يتوقعه
ويؤمن بتحققه إلا من بلغ مبلغا في فهمه للمقاومة ومنطقها وتجربتها، وهؤلاء ظلوا
محل تندر من غالبية "النخب العربية" حتى الأمس القريب، الذين لم يدركوا
لغة المقاومة ربما ينكرون ما لا يدركون!!
تشكل هذه
الحرب بالفعل آخر محاولات أمريكا لإعادة إنتاج هيمنتها وما تسميها هي بـ"حضارتها"
من بوابة التقانة والفرض (السلام بالقوة)، بينما تتطلع جبهة المقاومة لحضارة
قوامها العدل والعقل والإفادة من كل علم والتقانة. تريد أمريكا تعميم نمط
الاستعباد والتبعية، بينما تريد جبهة المقاومة تعميم منهج التحرر والعزة حيث
الندّية ونبذ الاستعباد. وكل الاستطلاعات والدراسات تؤكد أن منهج المقاومة يتقدم
وينفذ إلى العقول والقلوب على امتداد العالم.
إن تحدي
المرحلة المقبلة يكمن أولا في فهم نفس طبيعة التحدي والمرحلة وخصائصها وجديدها
والتعاطي معها، وماذا يعني أننا بتنا واقعا أمام "جديد يحتاج إلى إعادة
تصميم"! ثم إلى ما يُحتمل أن يلجأ إليه العدو لصناعة توترات وأزمات بينية
وفوضى.
إن الذي
استغرق في الحديث عن تعدد أقطاب يبدو استعجل بعض الشيء، فمن الواضح أننا لن نكون أمام
تعدد أقطاب كلاسيكي كما هو معروف في القرن التاسع عشر والعشرين؛ يقوم على الثروة
الردع والقوة بل تعدد أقطاب يقوم على التنافس والتمايز الحضاري. وهنا تبرز
إيران
كقطب حضاري ربطا بنموذجها الإسلامي المقاوِم، وهنا لن تكون أمريكا القطب المرجح،
وقد لا تكون قطبا بعد ما شهدناه من تهاوي الديمقراطية- الليبرالية في السياسة
والمجتمع والرأسمالية في الاقتصاد والردع في العسكر وموازين القوى.
إن إمكانية
استمرار أمريكا من خلال الثروة والقوة إمكانية غير كافية لاستمرار التجربة؛ ربطا
بطبيعة هويتها الهيمنية التي لا تعرف إلا التوسع والتسلط وابتلاع نواتج الآخرين في
معدتها الاستهلاكية المنتفخة. وإذا ذهبنا لنظام عالمي آخر غير معرّف من قبل في علم
السياسة -وهو ما نرجحه- فأيضا سيكون لحضارة الإسلام المقاوِم بقاعدته إيران موقعه
البارز من ذلك لكونها ستدخل عنوة في مصفوفة القيم الدولية والموازين وتعدِّل فيهما،
أو بالحد الأدنى تطّعمهما بقيم وخصائص جديدة بما يحدث تغييرا عميقا وبنيويا مقارنة
بنتائج النظام الدولي ليالطا. فالنموذج الذي قدمته إيران يجعلها تعدل في مصفوفة
القيم الدولية وليس فقط الموازين، أما احتمالية زرع الفوضى فهو ما يجب تحسسه باكرا
ومد الجسور وتصميم الهندسات الإقليمية والترتيبات البينية لتجنبه.
إن الذي
تحقق حتى الآن (يمكن أن تزداد درجته قوة وشدة) سيؤسس لبنية دولية مختلفة عما تصوره
البعض من الغربيين؛ تحت مسميات تعدد أقطاب كلاسيكي أو قطب مرجح أو.. غيره، وحقق
فتحا معرفيا ونفسيا عالميا، ووسع خيارات المستضعفين بمواجهة الظالمين وقوى الهيمنة،
ويساهم في تحرير أفكارهم واختياراتهم لتبنى عليه قواعد السياسة والتاريخ لعقود
مقبلة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.