في الصراع المقبل ووجهته

بلال اللقيس
"تبدو المرحلة المقبلة شديدة الخطورة، وفيها مفاجآت"- جيتي
"تبدو المرحلة المقبلة شديدة الخطورة، وفيها مفاجآت"- جيتي
شارك الخبر
أفرز فشل الحرب الأمريكية على إيران نتائج كبيرة وعميقة على المنطقة والعالم، ستترك تأثيراتها العميقة على بنية النظامين الإقليمي والدولي وموازينه وقيمه؛ فالحرب التي أُريد لها تثبيت قواعد الأحادية ساهمت في تعزيز سيرورة نهايتها.

وضعت هذه الحرب "إسرائيل" أمام أزمة فعلية وأسئلة جوهرية حول تعويضها لضياع فرصة العمر أمام جبهة المقاومة! حين عجزت رغم الظروف المثالية عن الوصول إلى أهدافها الفعلية، وربما تكون خسرت ليس نظرة العالم لها بل أيضاً ثقة الإدارة الأمريكية الأقرب؛ حين قدمت نفسها أنها تفهم المنطقة وأعداءها عميقاً وبالذات عدوها الأول إيران!! فأين ستنفّس عن فشلها؟ وكيف ستنتقم وتعاود إثبات ذاتها؟ وبأي وجهة ستذهب في عدوانها المقبل؟

لكن بالمقابل أيضاً وبالمبدأ نفسه، فتح الفشل الأمريكي أفقاً جديداً أمام قوى المنطقة واضطرارهم لإعادة نظر لحدود في سياساتهم والانتقال إلى اعتماد لغة المصلحة، وهو ما كان منتظراً منهم منذ أمد.

هكذا يمكن تفسير المواقف غير المعتادة في النبرة والمصطلحات للنظام المصري ولتركيا وباكستان وآخرين، وكذلك الحديث عن تعاون بيني بينهم، لا سيما التعاون في مجالات عسكرية. والسؤال الآن: كيف ستذهب إسرائيل بعد هذه المرحلة التي يُنظر لها كمرحلة انتقالية أو مستقطعة؟ هل ستتجه لتفجير ساحات جديدة أم تعود لأصل الصراع وتحاول إعادة خوض الحرب على جبهة المقاومة؟ تبدو الحسبة بالغة التعقيد بالنسبة إليها، وهي كذلك!!

يبدو أن الثابت الوحيد هو أن إسرائيل لن توقف حروبها وصراعاتها، خصوصاً أنها وصلت إلى ما يشبه وضعية "المعلّق" على أثر حرب الأعوام الثلاثة التاريخية؛ حيث لم تحقق أهدافها، وأحياناً تجاوزت إخفاقاتها الاستراتيجية إنجازاتها التكتيكية. إن اتجاهها لتوسعة الحرب أفقياً بفتح حروب في ساحات جديدة يبدو مغرياً إسرائيلياً من الناحية العسكرية، لا سيما أن إسرائيل ترى ساحات كمصر وتركيا فيهما فرصة إظهار قوة؛ فتركيا مكشوفة أمنياً وعسكرياً للصهاينة، ومصر تعاني من تهديدات وتحديات متعددة الأبعاد ومركبة خارجياً وداخلياً، ويحيط بها متربصون كثر. إذاً المسألة ليست في الإمكان العسكري أولاً، إنما في سؤال الإطار الاستراتيجي والسياسي، وفي سؤال ماذا بعد؟

هل انفجار مصر مثلاً مصلحة أمريكية، أم قد يفتح لانفجار البيئة الاستراتيجية بالكامل ويفتح لنشوء حالات وقوى مقاومة جديدة ضد إسرائيل نفسها بالإفادة من الفراغ الناشئ؟ وما الذي يضمن ألا تنضم إيران إلى جانب مصر وتركيا في أي صراع إسرائيلي عليهما (وهو أمر مرجح)، وكذلك باكستان، ونتحول إلى حرب تسحق فيها إسرائيل وينقلب المشهد بالكامل؟ وهل هكذا حرب على مصر أو تركيا ستحظى بقبول دولي؟ فكل من القوى الصينية والروسية والأوروبية تدرك أهمية مصر أو تركيا وموقعهما الجيوبوليتيكي، وكونهما بوابتين فاعلتين لاستقرار أوروبا الاجتماعي والسياسي والمتوسط عموماً، ناهيك عن تأثير موقعهما في أمن الطاقة وحركة الملاحة والتجارة الدولية، فكيف إذا أضفنا أن تركيا دولة أساسية في حلف الناتو؟

من هنا يبدو أن فتح هكذا حرب أو خوضها على أي منهما أمراً غير واقعي، وسيعرض إسرائيل لمزيد من الضغوط الهائلة، بل سيعرض مصالح أمريكا والغرب للخطر، وهو ما لا يمكن احتماله في ظروف عالمية كالتي نعيش، واقتصاد دولي مأزوم.

في المقابل، فإن حصر دائرة الصراع مع إيران وجبهة المقاومة يبدو أسهل من عدة جوانب؛ أولاً: لا يمكن أن تتوفر مساعدة إسلامية فعلية لإيران كما الحال في الحرب الماضية، ثانياً: أن إيران هي موضوع الصراع، فهي قائدة جبهة المقاومة ورفض الهيمنة، فتسويغ الحرب عليها يلقى معقولية أكبر عند أنظمة الهيمنة، فهي التي تجرأت على أمريكا وأضعفت هيبة القوة العظمى من بين كل دول العالم، وبالتالي تعتبر عدواً فعلياً بكل الاعتبارات السياسية والفكرية والاستراتيجية لأمريكا والكيان الصهيوني، ولا تعترف بأصل وجود الكيان. كما أن صراع خمسة عقود وتقدم إيران لتكون دولة عتبة نووية، وإجهاضها أهداف العدو الأمريكي الإسرائيلي طوال تلكم العقود، كل ذلك يوفر المبررات ويغذيها.

وليس آخراً، فإنّ إسرائيل تعتبر أن حروبها الأخيرة أضعفت أذرع إيران في المنطقة -ولو بحدود- ما يفتح أمامها إمكانية المحاولة لاستكمال المهمة التي بدأتها، علّها تحقق الهدف النهائي بدل المراوحة وغياب الأفق الذي أرادته، ودخولها نوعاً من التقييد الاستراتيجي الذي بات يزداد إحكاماً ويخنق ويطوق حركتها. لذلك يمكن القول إن المسار الثاني هو الأرجح؛ أي مسار عودتها إلى حرب مع جبهة المقاومة، وأن هذه الفترة ليست أكثر من فترة انتقالية أو تحضيرية لإعادة تنظيم المسرح السياسي والعملياتي وفحص الممكن للعودة مجدداً لحرب على إيران وقوى المقاومة.

أما أن إسرائيل تعلي من نبرة الخطاب مع تركيا فهذا جزء من لعبة إسرائيلية داخلية، وفي نفس الوقت تصعيد لمنع تمدد النفوذ التركي في المنطقة وفي سوريا بالخصوص؛ لذلك تتحرك استباقاً لتفرض وقائع لكن ليس لتقوم بحرب على تركيا.

يبقى سؤال: هل ستخوض إسرائيل الصراع منفردة وإن بغطاء أمريكي ودعم دفاعي ولوجستي، أم بانخراط أمريكي كامل كما حصل في حرب الأربعين يوماً؟ قد يحتاج هذا السؤال إلى تتبع، لكن كل المؤشرات التي تتراكم في الولايات المتحدة وفي كيان العدو تغلّب عدم الانخراط الأمريكي المباشر بعدما اتضحت مخاطره الفعلية على أمريكا ومكانتها العالمية وفي الداخل.

يُسجل لإدارة ترامب شجاعتها بالهروب السريع من المستنقع بسرعة ولو بجروح وتنازلات مؤذية لكنها تظل أقل وطأة من الغرق بحرب كارثية بلا أفق. أما ترامب التاجر فلن يمانع بعد انقضاء انتخاباته النصفية من عمل عسكري إسرائيلي لا يتبناه هو علناً لكن ينتظر نتائجه، فإذا نجح يستفيد منه على طاولة المفاوضات وينسبه له، وإذا فشل يتبرأ منه ويتدخل لإعادة الوضع إلى حاله إن استطاع.

إن إعطاء الفرصة لإسرائيل محاولة أمريكية جدية للتخفف من حمل عبء إسرائيل من جهة، وإعطائها فرصة إثبات الذات ككيان يجب أن يصل إلى الاستقلال والاعتماد على ذاته بدل استمرار اعتماده على الغرب وأمريكا. وترى أمريكا أنه صار هناك ضرورة تأهيل لإسرائيل لتصير دولة فعلية لا اسمية، وهو مطلب كثير من قيادات إسرائيل وأمانيهم، فيسوقون أنه حان وقت إعلان إسرائيل ككيان مستقل في قراره، معتمدٍ على ذاته!

والأهم من مجمل ما ذكرناه من أسباب هو سبب موضوعي؛ إذ يمكن القول إن حرب أمريكا الأخيرة على إيران أسست لوضعية جديدة في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بحيث تراجعت إمكانية أن تكونا تحت غطاء واحد في كل مقاربتهما الاستراتيجية في المنطقة، لا سيما في مسألة خوض حروب مفتوحة والتعاطي مع دول محورية، ومن أبرزها إيران. لذلك تبدو المرحلة المقبلة شديدة الخطورة، وفيها مفاجآت، لكنها ملأى بالفرص الكبرى إذا أُحسن التعامل معها كجبهة مقاومة وكبيئة إقليمية تنظر لإسرائيل كخطر حقيقي، والذي أفشل الخطة الأصيلة قادر على يسقط الخطط البديلة دون أدنى شك.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)