لفهم
الزلزال الجيوسياسي المعاصر الذي يُعيد تشكيل الشرق الأوسط، لا بد من التمعن أولاً
في أطروحة مارك لينش -أهم خبراء الشرق الأوسط الأمريكان- المهمة حول فجر حقبة ما
بعد أمريكا. يرى لينش في كتابه " America's Middle East: TheRuination of a Region"
الصادر آواخر العام الماضي؛ أن تفكك الهيمنة الأمريكية الأحادية في الشرق الأوسط
ليس نتيجة ضربة استراتيجية بارعة من قوة عظمى عالمية منافسة، بل هو تتويج حتمي
للإنهاك الداخلي، والإفلاس الأخلاقي المتأصل، والانهيار الهيكلي لبنية تأسست على
الإكراه لا على الرضا.
بحسب
لينش، لم تحقق الولايات المتحدة هيمنة حقيقية في المنطقة؛ بل حافظت على سيطرة
مطلقة تفتقر أساساً إلى الإجماع المعياري، أو الهدف المشترك، أو الشرعية الشعبية
بين السكان الخاضعين لحكمها. ولأن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية الأساسية -مثل
الدعم غير المشروط للتفوق العسكري الإسرائيلي، والاحتواء المستمر لإيران، وإعطاء
الأولوية للنماذج الاقتصادية النيوليبرالية- كانت غير شعبية للغاية بين الجماهير
العربية، فقد اعتمدت واشنطن هيكلياً على الأنظمة الاستبدادية ومكّنتها، وهي أنظمة
مستعدة لقمع مواطنيها بشكل منهجي.
لذا،
فإن الانتقال -وفق تقدير لينش- إلى واقع ما بعد أمريكا لا يتجلى كانتصار فوري
للسلام المثالي، أو الإصلاح الديمقراطي، بل كان بالأحرى تمزقاً عنيفاً وعاصفاً.
ومع
تراجع قدرة واشنطن على فرض نتائج إقليمية بسلاسة -كما ظهر جليا في
الحرب الجارية
في المنطقة من 2023 وآخرها الحرب على
إيران 2026- يسعى الفاعلون في الشرق الأوسط بقوة إلى
التحوّط الاستراتيجي، وإعادة تعريف عقائدهم العسكرية، والبحث عن أطر أمنية متعددة
الأقطاب للبقاء على قيد الحياة في ظل انهيار المشروع الإمبريالي الأمريكي.
الانهيار
الهيكلي لنظام 1991
يسعى الفاعلون في الشرق الأوسط بقوة إلى التحوّط الاستراتيجي، وإعادة تعريف عقائدهم العسكرية، والبحث عن أطر أمنية متعددة الأقطاب للبقاء على قيد الحياة في ظل انهيار المشروع الإمبريالي الأمريكي
يمكن
إرجاع التفكك المنهجي للشرق الأوسط المعاصر بشكل مباشر إلى البنية التأسيسية التي
تم وضعها في أعقاب حرب الخليج عام 1991 ومؤتمر مدريد للسلام الذي تلاها. بعد
خروجها منتصرة من الحرب الباردة، سعت الولايات المتحدة إلى هندسة نظام إقليمي
أحادي القطب، يرتكز على ركيزتين أساسيتين: الهيمنة العسكرية الأمريكية الساحقة
التي لا تضاهى، والشرعية المعيارية المزعومة لعملية السلام العربية الإسرائيلية. أدى
نشر نصف مليون جندي في الخليج، وما تلاه من بناء أرخبيل واسع من القواعد العسكرية
الدائمة عبر شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، إلى تحويل المنطقة بشكل
جذري إلى محمية أمنية أمريكية.
إلا
أن نظام عام 1991 كان أجوف من أساسه، ومصمماً في جوهره كآلية للسيطرة الجيوسياسية
بدلاً من أن يكون وسيلة حقيقية لتقرير المصير الفلسطيني أو حل النزاع الدائم، لقد
عملت عملية السلام المعقدة والمنظمة بدقة في المقام الأول كمظلة دبلوماسية حيوية،
منحت الولايات المتحدة الشرعية المعيارية اللازمة للحفاظ على وجودها العسكري
الهائل، وتأمين تدفقات الهيدروكربونات دون انقطاع، وفرض تسلسل هرمي أمني إقليمي
صارم.
ولقد
سمح التلاعب المنهجي بعملية السلام هذه لإسرائيل فعلياً بترسيخ احتلالها العسكري
للأراضي الفلسطينية إلى ما لا نهاية، بينما ركزت الولايات المتحدة جهودها
الاستراتيجية على "الاحتواء
المزدوج" للخصوم الإقليميين مثل العراق
وإيران.
على
مدى العقود اللاحقة، أصبح من الواضح بشكل لا يمكن إنكاره أن التفوق العسكري الساحق
لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن أفق سياسي عادل وقابل للتطبيق. أصبح الانهيار
الهيكلي لهذا النظام الذي أُقر عام 1991 أمراً حتمياً تاريخياً بمجرد أن أصبح من
الواضح أن السلام المفروض، الخالي من العدالة والذي يعتمد حصراً على الاستخدام
المستمر للقوة غير المتناسبة، غير مستدام بطبيعته.
مثّلت
اتفاقيات أبراهام لعام 2020 النسخة الأخيرة والقاتلة من هذا الهيكل
الدبلوماسي المعيب. بُنيت الاتفاقيات على افتراض استراتيجي خاطئ مفاده أن الخوف
المشترك من القوة الإيرانية يمكن أن يوحد بسلاسة ممالك الخليج وإسرائيل تحت مظلة
أمنية تقودها الولايات المتحدة، متجاوزةً بشكل صريح النضال الفلسطيني ومهمشةً
مطالبهم عمداً. ومن خلال محاولة هندسة بنية أمنية إقليمية تتجاهل بشكل صارخ
الحقائق الديموغرافية والتاريخية والسياسية للواقع الفلسطيني، قامت الولايات
المتحدة ببناء نظام هش للغاية وعرضة للصدمات الخارجية، مما أدى إلى تسريع الانهيار
الهيكلي النهائي لهيمنتها التي أعقبت الحرب الباردة.
القمع
المتعمد للديمقراطية
كان
من أبرز العيوب النظرية والعملية للحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط الخرافة
السائدة التي مفادها أن الهيمنة العسكرية الساحقة تعادل الهيمنة الجيوسياسية
الحقيقية. من منظور العلوم السياسية، تتطلب الهيمنة الحقيقية درجة كبيرة من
الإجماع الأيديولوجي، والتوافق المعياري، والتأييد الطوعي من السكان المحكومين. في
المقابل، مارست الولايات المتحدة سيطرة مطلقة حصراً من خلال الإكراه الصريح والعنف
الهيكلي والاستمالة النفعية للنخب السلطوية.
كانت
الضرورات الاستراتيجية الشاملة لواشنطن في المنطقة مثل ضمان الدعم الثابت للتفوق
العسكري النوعي لإسرائيل، وفرض الاحتواء الكامل لإيران، ودمج الاقتصادات الإقليمية
في نموذج نيوليبرالي معولم، تتعارض بشدة مع التطلعات الطبيعية للجماهير العربية. أظهرت
بيانات شاملة للرأي العام، مثل مؤشر الرأي العربي، باستمرار أن غالبية ساحقة من
المواطنين في جميع أنحاء الشرق الأوسط يرون الولايات المتحدة وإسرائيل بمثابة
التهديدات الوجودية الرئيسية لأمنهم القومي، متجاوزة بكثير أي مخاوف محلية تتعلق
بالتوسع الإيراني.
وبالتالي،
فإن تحقيق هذه الضرورات الاستراتيجية الأمريكية التي لا تحظى بشعبية كبيرة استلزم
قمعاً متعمداً ومنهجياً للتطلعات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم العربي.
أدرك
صناع السياسة الأمريكيون بشكل أساسي أن الديمقراطية الحقيقية غير المقيدة ستؤدي
حتماً إلى تمكين السكان العرب؛ الذين كانوا بطبيعتهم معادين للدعم غير المشروط
الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل والاستغلال الاستخراجي للثروات الإقليمية. ولحماية
بنية نظامها الأحادي القطب، قامت واشنطن بنشاط برعاية وتسليح ودعم الديكتاتوريات
الإقليمية القاسية، مع إعطاء الأولوية باستمرار للاستقرار الاستبدادي على حساب
التحولات الديمقراطية.
وكلما
ظهرت بوادر انفتاح ديمقراطي حقيقي، سارعت الولايات المتحدة إلى تقويضها أو
معاقبتها إذا ما هددت أولوياتها الجيوسياسية الراسخة. فعلى سبيل المثال، خلال حرب
الخليج 1990-1991، عاقبت الولايات المتحدة الأردن واليمن بشدة
-وهما الدولتان العربيتان اللتان كانتا تتمتعان بأكثر البيئات الديمقراطية آنذاك- بحجب
المساعدات الاقتصادية الحيوية عنهما، وذلك لأن حكومتيهما انحازتا إلى معارضة
شعبيهما للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. تكرر هذا النمط بوحشية عقب
الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006. فبعد الترويج بقوة لأجندة الديمقراطية،
رفضت إدارة بوش فوراً الفوز الانتخابي الشرعي لحماس، وفرضت عقوبات قاسية، وأجّجت
محاولة انقلاب عنيفة مدعومة من الولايات المتحدة لتقويض النتيجة الديمقراطية. وبالمثل،
خلال انتفاضات الربيع العربي عام 2011، وقفت واشنطن إلى حد كبير على الحياد، بينما
قامت القوات السعودية والإماراتية بسحق الحركة الديمقراطية في البحرين، ثم غضت
الطرف وأيدت ضمنيا ما جرى في مصر عام 2013 والذي أطاح بحكومة منتخبة ديمقراطياً.
لم
يكن النظام الإقليمي الأمريكي قائماً على القيم المشتركة أو الإجماع الشعبي؛ بل
كان بنية هيمنة غير شرعية أدت إلى تهميش مئات الملايين من الناس بشكل منهجي، مما
ضمن انهياره في نهاية المطاف.
غزة 2023: هاوية الإفلاس الأخلاقي
لقد
وجد التدهور المنهجي الذي استمر لعقود طويلة للنظام الإقليمي الأمريكي محفزه
النهائي المتفجر في محرقة غزة عام 2023، لم يقتصر هذا الصراع الكارثي على الإضرار
بالمكانة الجيوسياسية للولايات المتحدة فحسب، بل كشف بشكل قاطع إفلاسها الأخلاقي
المطلق وحطم بشكل لا رجعة فيه البنية الأيديولوجية والمعيارية للقيادة العالمية
الغربية. ففي أعقاب هجمات حماس في 7 أكتوبر مباشرة، صعّدت إسرائيل موقفها
الاستراتيجي بشكل جذري، وتبنت بقوة عقيدة أطلق عليها علماء الأمن اسم "الأمن الدائم". تسعى هذه السياسة المشؤومة إلى القضاء
استباقياً على أي تهديدات محتملة أو مستقبلية، سواء كانت حقيقية أو متخيلة، من
خلال تطبيق قوة عسكرية مطلقة وغير مقيدة.
إن
المنطق الكامن وراء هذه العقيدة الأمنية التي تقوم على الحروب الأبدية يقتضي المحو
المنهجي للتمييز القانوني الأساسي بين المقاتلين والمدنيين، تجلى ذلك في حملة
إبادة شاملة لا هوادة فيها: التدمير المنهجي للبنية التحتية المدنية، واستخدام
التجويع كسلاح من خلال حرمان الفلسطينيين من الغذاء والإمدادات الطبية الأساسية،
والتهجير القسري الجماعي، والذبح العشوائي لعشرات الآلاف من الفلسطينيين. وأكدت
لجان الأمم المتحدة المستقلة، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، وعلماء الإبادة
والقانون العالميون باستمرار الحقائق واسعة النطاق بأن هذه الحملة ترقى إلى مستوى
الإبادة الجماعية.
وبدلاً
من أن تضطلع الولايات المتحدة بدورها الذي نصّبته بنفسها كقوة عظمى مُستقرة أو
كوسيط موضوعي، فقد عملت كمُيسّر رئيسي لا غنى عنه لهذا العنف الشديد، من خلال
توفير حماية دبلوماسية منيعة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة -عبر استخدام حق
النقض ضد العديد من قرارات وقف إطلاق النار- وضمان تدفق مستمر وهائل للذخائر
العسكرية اللازمة لاستمرار القصف.
تحولت
واشنطن في نظر المنطقة من ضامن أمني معيب إلى شريك متواطئ بشكل مباشر في أعمال
فظائع جماعية ممنهجة. وسرعان ما امتدت نزعة إسرائيل العدوانية إلى ما وراء حدود
غزة، مما أدى إلى ضم أراضٍ، وإنشاء مناطق عازلة خالية من السكان، وتكثيف العمليات
العسكرية المدمرة في جميع أنحاء الضفة الغربية ولبنان وسوريا.
وبالنسبة
للرأي العام العربي، أثبت تدمير غزة والتصعيد الإقليمي اللاحق بشكل قاطع أن "النظام الدولي
القائم على القواعد"بقيادة
الولايات المتحدة هو أداة نفاق، حيث يتم تطبيق القانون الدولي بشكل انتقائي
لمعاقبة الخصوم، بينما يتم تجريد حياة العرب والفلسطينيين من إنسانيتهم والتخلص
منها تماماً. أدت التداعيات العاطفية والسياسية العميقة لكارثة غزة إلى انهيار
كامل للقوة الناعمة الأمريكية، مما أدى إلى تغير موقف جيل كامل، وضمان عدم إمكانية
بناء أي بنية أمنية إقليمية مستقبلية بنجاح على أساس الادعاءات المعيارية الفارغة
للولايات المتحدة.
حرب2026: عامل تسريع التفتت الإقليمي
وإذا
كانت الإبادة الجماعية في غزة قد قضت على الشرعية الأخلاقية الأمريكية، فإن الحرب
الأمريكية الإسرائيلية على إيران في شباط/فبراير 2026،
قد حطمت بعنف أسطورة الكفاءة الأمنية الأمريكية وعجّلت بالتفكك الهيكلي للشرق
الأوسط. كان الصراع في الأصل من تصميم الصقور الإسرائيليين والأمريكان كضربة حاسمة
واسعة النطاق تهدف إلى تحييد التهديد النووي الإيراني والتسبب في الانهيار الفوري
للجمهورية الإسلامية، لكنه تحول بدلاً من ذلك إلى عامل تسريع هائل للتفكك الإقليمي.
فعلى الرغم من أن الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المكثفة ألحقت أضراراً
جسيمة بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية وأدت إلى تصفية مسؤولين رفيعي المستوى،
بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، إلا أن انهيار النظام المتوقع لم يتحقق. وبدلاً
من ذلك، ترسخت سلطة الدولة بسرعة وبقسوة داخل صفوف المتشددين في الحرس الثوري، وقد
أدى ذلك إلى تشكيل جهاز دولة شديد العسكرة، شديد الشك، ومتسامح بشكل استثنائي مع
المخاطر تحت القيادة الجديدة لمجتبى خامنئي، وخالٍ -إلى حد كبير- من أي قيود
براغماتية أو إصلاحية.
والأهم
من ذلك، أن حرب عام 2026 كشف بلا رحمة عن الهشاشة الهيكلية العميقة
لدول الخليج العربي والفشل التام للمظلة الأمنية الأمريكية. وإدراكا منها لعجزها
عن كسب حرب متكافئة تقليدية ضد القوة النارية الهائلة للولايات المتحدة، شنت إيران
حملة غير متكافئة مدمرة، ووجّهت طهران ما يقرب من 83 في المئة من ترسانتها الضخمة من الطائرات المسيرة الرخيصة والدقيقة والصواريخ
الباليستية ضد حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، مستهدفة على وجه التحديد
الإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت. ألحق هذا الهجوم أضراراً كارثية
بالبنية التحتية الحيوية للطاقة، مثل منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر
وشركة البترول السعودية -التي فقدت 600 ألف برميل يومياً من طاقتها الإنتاجية في
ضربة واحدة- مما قوّض بشكل شامل الصورة الاقتصادية الكلية للخليج باعتباره "ملاذاً آمناً" منيعاً لرأس المال العالمي.
لقد
انهار الافتراض الاستراتيجي الأساسي القائل بأن استضافة القواعد العسكرية
الأمريكية ستوفر تلقائياً مظلة أمنية لا تشوبها شائبة؛ فقد تعرضت أنظمة الدفاع
الجوي الأمريكية والحليفة المتطورة، التي تعتمد على صواريخ اعتراضية باهظة الثمن،
للتغلب عليها بشكل روتيني من قبل أسراب من الذخائر الإيرانية الرخيصة. بالإضافة
إلي ذلك، نجحت إيران في تسخير الجغرافيا البحرية كسلاح من خلال فرض حصار فعلي على
مضيق هرمز، مما أدى إلى شلّ أسواق الطاقة العالمية وإظهار قدرتها على تجاوز التفوق
البحري الأمريكي واحتجاز الاقتصاد العالمي رهينة.
وفي
أعقاب هذا الدمار، شهدت مكانة إسرائيل الإقليمية تحولاً لا رجعة فيه، فبعد أن كانت
بعض الممالك الخليجية تنظر إليها سابقاً كشريك استراتيجي محتمل، وإن كان سرياً، في
مواجهة النفوذ الإيراني، أصبحت إسرائيل المنفلتة من عقالها ينظر إليها الآن
عالمياً على أنها قوة مسيطرة مارقة ومزعزعة للاستقرار. أدركت الجهات الفاعلة
الإقليمية بمرارة أن التوحش العسكري العدواني لإسرائيل، ومنطقها الأمني القائم
على عقيدة الركام الشامل -على حد قول
ناثان براون- وطموحاتها
الإقليمية الجامحة، تشكل تهديداً وجودياً للاستقرار الإقليمي، مما يؤدي حتماً إلى
جر جيرانها إلى صراعات مدمرة ومفتوحة لخدمة أهداف إسرائيل الداخلية والجيوسياسية.
خصائص
حقبة ما بعد أمريكا
إن
فجر الشرق الأوسط ما بعد الأمريكي لا يتسم بانتصار فوري للسلام أو بموجة مفاجئة من
الإصلاح الديمقراطي، بل باضطرابات عميقة، وتعدد أقطاب متحول، وتحوط استراتيجي
إقليمي حاد.
يمثل هذا التنسيق الرباعي الناشئ في الشرق الأوسط محاولة محسوبة من قبل القوى الإقليمية الكبرى لإدارة الأزمات من داخل المنطقة، وموازنة الواقعين المزدوجين المتمثلين في العدوان الإيراني غير المتكافئ والتهديد الخطير للتوحش الإسرائيلي، وتقليل اعتمادها التاريخي على القوى الغربية غير المتوقع سلوكها
السمة
الهيكلية المميزة لهذه الحقبة الجديدة هي التراجع الحتمي والنهائي في قدرة واشنطن
على فرض نتائج سياسية؛ فبينما تحتفظ الولايات المتحدة بقوة نارية عسكرية تقليدية
لا مثيل لها، فقد أثبتت حرب 2023-2026 بشكل قاطع أنها (وحليفتها إسرائيل) لم تعد
قادرة على ترجمة الضربات العسكرية التكتيكية إلى استقرار إقليمي مستدام أو حقائق
سياسية مرغوبة. فما ظهر هو نظام مجزّأ من "الهيمنة
المتباينة"،
حيث تحتفظ الولايات المتحدة باحتكار وظيفي للردع العسكري، لكنها فقدت تماماً
احتكارها السياسي وشرعيتها وقدرتها على طمأنة المنطقة.
في
هذا النظام الأمني متعدد الطبقات، لم تعد السلطة
موزعة بشكل شامل بين الدول، بل أصبحت مقسمة وظيفياً عبر قطاعات متنوعة: الردع
العسكري، وإدارة الطاقة، والوساطة الدبلوماسية، وتأثير الشبكات غير الحكومية في
الفراغ الفوضوي أو اللانظام الذي خلفه انهيار البنية الأمنية الأمريكية، تسعى
القوى الإقليمية المتوسطة بقوة إلى إقامة أطر أمنية بديلة وتحالفات دبلوماسية
مستقلة إلى حد ما عن الرعاية الأمريكية. ومن أبرز مظاهر هذا التحول التنسيق
الثنائي والمتعدد الأطراف الناشئ بين تركيا وباكستان ومصر والمملكة العربية
السعودية. يمثل هذا التنسيق الرباعي الناشئ في الشرق الأوسط محاولة محسوبة من قبل
القوى الإقليمية الكبرى لإدارة الأزمات من داخل المنطقة، وموازنة الواقعين
المزدوجين المتمثلين في العدوان الإيراني غير المتكافئ والتهديد الخطير للتوحش
الإسرائيلي، وتقليل اعتمادها التاريخي على القوى الغربية غير المتوقع سلوكها. إن
الدور غير المسبوق الذي تلعبه باكستان -وهي دولة نووية تقع رسمياً خارج منطقة
الشرق الأوسط المباشر- بصفتها ضامناً أمنياً رسمياً للمملكة العربية السعودية
ووسيطاً رئيسياً بين الولايات المتحدة وإيران، يجسد إعادة الهيكلة الجارية
للدبلوماسية الإقليمية والبحث عن الأمن.
في
الوقت نفسه، تتخلى دول الخليج بسرعة عن تحالفاتها الأحادية القطبية التقليدية
لصالح تعدد التحالفات المستمر، ويؤكد القرار الذي اتخذته دولة الإمارات العربية
المتحدة بالانسحاب رسمياً من منظمة أوبك تحولا نحو التخلص من التحالفات المؤسسية
الموروثة أو القيادة السعودية التقليدية. تسعي هذه الدول إلى الانتقال من كونها "مستهلكة سلبية
للأمن" إلى "منتجة
ولو جزئيا للأمن"،
حيث تستثمر بكثافة في صناعات الدفاع المحلية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وشراكات
استراتيجية متنوعة مع قوى متوسطة مثل كوريا الجنوبية والهند.
بالإضافة
إلى ذلك، فإن حقبة ما بعد أمريكا تتميز بتزايد نفوذ الجهات الفاعلة الخارجية
متعددة الأقطاب، ولا سيما الصين وروسيا اللتين تستغلان بلا رحمة الأخطاء
الاستراتيجية الأمريكية لتغيير موازين القوى العالمية بشكل جذري. لقد نجحت الصين
ببراعة في تنفيذ استراتيجية مزدوجة: توسيع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي
والدبلوماسي الهائل في جميع أنحاء المنطقة، دون تحمل الشروط السياسية المرهقة أو
الالتزامات الأمنية التي تطالب بها واشنطن تقليدياً. ومن خلال كونها شريكاً
اقتصادياً لا غنى عنه، والمشتري الرئيسي للطاقة الخليجية والإيرانية، والميسر
لتوسع مجموعة البريكس، توفر بكين لدول الشرق الأوسط نفوذاً حاسماً للتحوط بفعالية
ضد المطالب والعقوبات الأمريكية.
وبالمثل،
تستغل روسيا عدم الاستقرار الإقليمي لتحقيق مكاسب جيوسياسية ومالية هائلة دون تحمل
تكاليف المسؤولية النظامية، مستفيدة بشكل كبير من صدمات الطاقة الناجمة عن الصراع
الإيراني.
في
نهاية المطاف، تحول الشرق الأوسط إلى مشهد متعدد المراكز شديد التعقيد، حيث لم يعد
البقاء والأمن مضمونين من قبل قوة غربية خارجية مسيطرة. وبدلاً من ذلك، يتعين على
الجهات الفاعلة الإقليمية التفاوض باستمرار وبشكل مؤلم على وجودها من خلال
ديناميكيات توازن القوى الإقليمية المتقلبة، والمنافسة الاقتصادية الشرسة،
والتهديد الدائم بالاضطراب غير المتكافئ.
لقد
انتهى عهد الإملاءات الإمبريالية الأمريكية بشكل نهائي، ليحل محله عصر لا يمكن
التنبؤ به ولا يرحم، يتميز بالبقاء متعدد المراكز وإعادة التشكيل الإقليمي العضوي،
وإن كان عنيفاً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.