في الأسابيع التي سبقت مذكرة الاتفاق الأمريكية
الإيرانية، وفي الأيام التي أعقبت الإعلان عنها، وبينما انصرف المعلّقون إلى ترتيب
ما جرى وتصنيفه، بدا أنّ ثمّة اتفاقاً صامتاً على توزيع التحليلات بين حرب في غزّة
بدأت في خريف 2023 وانتهت إلى هدنةٍ مُتعثّرة وإبادة
مستمرة؛ وحرب أخرى على إيران اندلعت في أواخر شباط/ فبراير 2026 وأُغلق
ملفّها ولو مؤقتا بمذكّرة تفاهمٍ وصفها نائب الرئيس الأمريكي نفسه بأنّها وثيقةٌ "عامّة جداً" لا تتجاوز صفحةً
ونصف الصفحة.
ملفّان منفصلان، خانتان متجاورتان في الجدول الزمني،
وسرديّتان لكلٍّ منهما منطقُها وأبطالُها ونهايتُها المستقلّة.
والحقّ أنّ هذا الفصل، البريءَ في ظاهره، هو أخطرُ ما في
المشهد كلّه؛ فهو ليس ترتيباً محايداً للوقائع، بل إعادةُ إنتاجٍ لرؤيةٍ بعينها،
رؤيةٍ تشتهي أن تقرأ ما جرى بوصفه أزماتٍ متجاورةً يُطوى كلٌّ منها على حدة، لا
انكشافاً لبنيةٍ واحدةٍ كانت تتهاوى أمام أعيننا على دفعات.
أزعم في ما يلي أنّنا لم نشهد حربين، بل حرباً واحدة
ممتدّة من خريف 2023 إلى صيف 2026، وأنّ القول بوحدتها ليس دعوى في التأريخ ولا في التقويم، بل
تأكيد لمعنى أعمق. فحين نقطع ما بين
غزّة وإيران مرورا بلبنان والضفة وسوريا، ونجعل الأولى مأساةً إنسانيةً والثانية
مسألةً أمنيةً واستراتيجية، فإنّنا نُسعف، من حيث ندري أو لا ندري، تلك العمليةَ
القديمة التي اشتغلت طوال عقود؛ وأقصد بها عمليةَ نزع البُعد المعياري عن السياسة
في هذا الإقليم، وردِّها إلى موازين القوّة العارية. أمّا حين نقرأ ما جرى وحدةً واحدة، فإنّ ما ينكشف أمامنا
ليس انتصار طرفٍ على آخر، ولا هزيمة دولةٍ أمام دولة، بل انهيارُ نظامٍ إقليميٍّ
كامل، انهياراً مزدوجاً، في ركيزتيه معاً.
حين نقرأ ما جرى وحدةً واحدة، فإنّ ما ينكشف أمامنا ليس انتصار طرفٍ على آخر، ولا هزيمة دولةٍ أمام دولة، بل انهيارُ نظامٍ إقليميٍّ كامل، انهياراً مزدوجاً، في ركيزتيه معاً
ولكي يتبيّن وجهُ هذا الزعم، لا بدّ من العودة إلى ما
كان قائماً. فالنظام الذي تهاوى لم يكن مجرّد توزيعٍ للقوّة في
المنطقة، بل كان أقربَ إلى دستورٍ غير مكتوب، نشأ في لحظةٍ بعينها هي حوادث عام 1991، حين أُخرجت القوّات العراقية من الكويت وبدا أنّ قطباً
واحداً سيحكم العالم بلا منازع. قام ذلك الدستور الضمنيّ على ركيزتين متضافرتين لا تقوم إحداهما من دون
الأخرى: ركيزةٍ صلبة هي التفوّق العسكريّ الأمريكيّ الساحق، الذي
ضمنته شبكةٌ من القواعد الممتدّة من الأسطول الخامس في البحرين إلى قواعد عسكرية
ملأت المنطقة بأسرها؛ وركيزةٍ رخوة، لكنّها لا تقلّ خطراً، هي الشرعيةُ المعياريةُ
التي وفّرها وهْمُ "عملية السلام".
كانت العمليةُ السلميةُ هي الغطاء الأخلاقيّ الذي يكسو
الهيمنةَ العسكريةَ بلبوس من المشروعية، ويمنح الأنظمةَ العربيةَ ذريعةَ التطبيع
التدريجيّ، ويُبقي على وعدٍ مؤجَّلٍ بدولةٍ فلسطينيةٍ لا تأتي أبداً. وقد أصاب الباحث الأمريكي مارك لينش حين وصف تلك
العملية، في كتابه الصادر آواخر عام 2025 عن نهاية
الشرق الأوسط الأمريكي، بأنّها كانت "كلَّها مساراً، ولا سلامَ فيها": آليةٌ دبلوماسيةٌ بلا أفق، وُجدت لتُدير الاحتلالَ لا
لتُنهيَه.
وهنا تكمن المفارقة التأسيسية، وهي أنّ الركيزتين
كلتيهما كانتا معيبتين في أصلهما، لا في تطبيقهما فحسب. فالتفوّق العسكريّ لم يُنتج استقراراً بل أدمن إدارةَ
الأزمات بالقوّة، حتى صارت الأزمةُ الدائمةُ شرطَ بقاء النظام لا خللاً فيه. والشرعيةُ المعياريةُ لم تكن شرعيةً حقيقيةً قطّ، بل
كانت -كما يبيّن لينش بحدّةٍ صادمة- سيطرةً مطلقةً تفتقر إلى أيّ توافقٍ قِيَميٍّ حقيقيّ بين
الشعوب الخاضعة لها. لم تُبنَ هذه
الهيمنةُ على رضا المحكومين، بل على بنيةٍ محسوبةٍ من المحسوبية الاستبدادية التي
قمعت عمداً التطلّعاتِ الديمقراطيةَ للعالم العربيّ، وعاملت سكّانَه بوصفهم
متفرّجين أو مخاطرَ أمنيةً تُدار بالمراقبة وقوانين الطوارئ، لا مواطنين يستحقّون
الكرامةَ والحكمَ الرشيد.
وهذا التحييدُ المتعمّدُ للشعوب لم يكن أثراً جانبياً
للنظام، بل كان قاعدتَه الثالثة والأعمق: "أن يُخرَج الشارعُ من معادلة السياسة إخراجاً كاملاً".
ركيزةٌ تسقط في غزّة
إذا كان هذا هو النظام، فإنّ قراءة الحرب وحدةً واحدةً
تكشف كيف سقطت ركيزتاه تباعاً، كلٌّ منهما في فصلٍ من الحرب نفسها. سقطت الركيزةُ المعياريةُ في غزّة، فعلى مدى أكثر من عامين، شهد العالم -لا في تقارير المؤرّخين بعد حين، بل على شاشاته لحظةً
بلحظة- كيف قُتل أكثرُ من 73 ألف
فلسطينيّ، بينهم ما يزيد على خمسة عشر ألف طفل، وكيف صُنع الجوعُ سلاحاً صريحاً من
أسلحة الحرب. ولم يكن ما سقط في غزّة أبنيةً وبشراً فحسب، بل انهار
معهما آخرُ ما تبقّى من السلطة المعيارية لواشنطن. لم تَعُد الولاياتُ المتّحدةُ تُرى، في وعي الجمهور
العربيّ والجنوب العالميّ الأوسع، ضامناً معيباً لكنّه ضروريّ للاستقرار؛ بل باتت
تُرى مُيسِّراً نشطاً للتوحش والإبادة، شريكاً لا حَكَماً فيه. وهذا بالضبط ما عناه لينش بعبارته التي صارت تتردّد: إنّ غزّة "تقع في صميم الطبيعة الحقيقية للشرق الأوسط الأمريكي"، أي إنّها ليست
قضيةً من القضايا، بل المرآةُ التي انعكست فيها حقيقةُ النظام بلا رتوش.
ولأنّ الركيزةَ المعياريةَ كانت هي التي تكسو القوّةَ
بلباس الشرعية، فإنّ سقوطها في غزّة عرّى القوّةَ نفسها. صارت الهيمنةُ العسكريةُ، إذ تَجرّدت من غطائها
الأخلاقيّ، تبدو على حقيقتها؛ قوّةً عاريةً لا تحمي حليفاً من تبعات أفعالها، ولا
تفرض على عدوٍّ شروطَ تسوية، ولا تُقنع شعباً بعدالة ترتيبٍ تقيمه.
وهنا تحديداً يصبح الفصلُ بين "حرب غزّة" و"حرب إيران" فصلاً متعسفا في جوهره؛ لأنّه يريد أن يحفظ لإيران ملفّاً "أمنياً"، مقطوعَ الصلة
بالكارثة الأخلاقية التي سبقته، وكأنّ القوّةَ التي قصفت طهران في 2026 قوّةٌ غيرُ تلك التي تسببت في تجويع غزّة الذي بدأ في 2024 واستمر للآن.. والحال أنّها القوّةُ ذاتها، في الحرب ذاتها، وقد فقدت شرعيتَها في الفصل
الأوّل قبل أن تُجرَّب حدودُها في الفصل الثاني.
ركيزةٌ تنكشف عند هرمز
أمّا الركيزةُ الصلبة، ركيزةُ التفوّق العسكريّ، فلم
تسقط بالهزيمة في ميدان، بل انكشفت حدودُها عند مضيقٍ ضيّق. ففي أواخر شباط/فبراير2026، حين بدأت
الحملةُ الأمريكيةُ الإسرائيليةُ على إيران، ردّت طهرانُ بما يملكه الضعيفُ حين
يُحاصَر؛ لا بمواجهةٍ متكافئةٍ يخسرها سلفاً، بل بإمساكها بخناق عقدةٍ واحدةٍ من
عُقَد الاقتصاد العالميّ. أغلقت إيرانُ مضيقَ هرمز فعلياً، ذلك الممرّ الذي كان يعبره قبل الحرب نحو
عشرين مليون برميلٍ من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمسَ ما يستهلكه العالمُ من
السوائل البترولية، وقرابةَ ربعِ تجارة النفط المنقولة بحراً. وفي أسابيعَ قليلة، قفز خامُ برنت من نحو واحدٍ وسبعين
دولاراً للبرميل إلى ما يقارب أربعة وتسعين، ووصفت وكالةُ الطاقة الدولية الصدمةَ
بأنّها من أكبر اضطرابات سوق النفط في التاريخ.
ما الذي كشفه هرمز؟
كشف أنّ القوّةَ الأعظمَ في التاريخ، التي تملك أساطيلَ
وقواعدَ ومنظوماتِ ردعٍ لا تُحصى، لا تستطيع أن تُبقيَ مضيقاً مفتوحاً في وجه
دولةٍ مُنهَكةٍ صمّمت على إغلاقه. وكشف، فيما هو أعمق، أنّ الردعَ لم يَعُد حكراً على القوّة الكبرى، وأنّ
السيطرةَ على عقدةٍ شبكيةٍ واحدةٍ قد تكفي لقلب موازين اقتصادٍ بأكمله.
وهذا بعينه هو منطقُ ما يمكن أن نطلق عليه "الهيمنةَ
المتمايزة"، والتي تعني أنّ القوّةَ في عالمنا لم تَعُد كتلةً صلبةً تُوزَّع
على الدول بمقدار ما تملك من سلاح، بل صارت موزّعةً على وظائفَ وعُقَدٍ وشبكات،
يستطيع الفاعلُ الصغيرُ أن يُمسك بإحداها فيُعطّل البنيةَ كلَّها.
لم تُهزَم أمريكا في هرمز، لكنّها انكشفت؛ وبين الهزيمةِ
والانكشاف فرقٌ جوهريّ، فالهزيمةُ تُنهي معركةً، أمّا الانكشافُ فيُنهي وهماً.
الوجه الآخر للانكشاف: حين يسقط وهمُ العجز
غير أنّ الانكشاف ذو وجهين، ولا يكتمل معناه إلّا بهما
معاً. فإذا كان هرمز قد كشف حدودَ الهيمنة من فوق، فإنّ ما جرى
قبله وبعده كشف زيفَ العجز من تحت. ذلك أنّ أبلغَ ما في هذه الحرب الواحدة ليس أنّ القوّة العظمى انكشفت
حدودُها، بل أنّ من ظُنّ بهم العجزُ المطلق أثبتوا أنّ العجز لم يكن قَدَراً.
وهنا ينبغي أن نضع الأمورَ في نصابها: فالأصلُ ليس صمودَ دولةٍ تملك بعضَ أسباب القوّة، بل
صمود شعبٍ أعزل في غزّة في مواجهة آلةٍ للإبادة لا تكافئها قوّةٌ مادّيةٌ موازية. صمودُ غزّة هو الأصل، وما تلاه من تحدٍّ للهيمنة فرعٌ
عليه؛ فإن صمد الأعزل وأعاد تعريفَ موازين المعنى، فما الظنّ بمن يملك بعضَ أدوات
الفعل؟ الرسالةُ تتدرّج صعوداً، ومضمونُها واحد: أنّ هيبةَ السيطرة، التي كانت نصفَ قوّتها، قد كُسرت،
وأنّ ما بدا ردعاً مطلقاً تبيّن أنّ له حدوداً يمكن تلمّسُها.
وأهميةُ هذا الوجه أنّه يصل لحظةَ الكشف بجذرها الأعمق. فالعجز، كما بيّنتُ في كتابي عن الطوفان الصادر عن دار
المرايا في القاهرة أواخر 2024، ليس واقعةً
موضوعيةً عن موازين القوى، بل صفة تُشاع؛ قامت عليه الدولةُ العربيةُ الحديثة،
بمؤسّساتها وتحالفاتها؛ إذ لا بدّ -كي تستمرّ السيطرة والتحكم- أن يتسرّب الإحساسُ بالعجز إلى مجمل الشعب حتى يُذعن. ولأنّ العجز معنى مُشاع لا حقيقة صلبة، فإنّ التحرّرَ
منه "عمليةٌ معرفيةٌ
تجمع بين الوعي والشعور والإرادة، وتعيد تعريفَ حدود القوّة المادية".
الصمود، بهذا الفهم، فعلٌ معرفيٌّ قبل أن يكون فعلاً
عسكرياً؛ به تكتشف الجماعةُ أنّ عجزَها كان وهماً مغروساً، فتُضيف طبقةً جديدةً
إلى تعريف ما هو ممكن. وهذا هو السؤالُ
الذي تطرحه هذه الحربُ على الإقليم كلّه، بعد أن طرحه الطوفانُ من قبل: هل نحن عاجزون حقاً؟
إنّ أخطرَ ما تفعله لحظةُ الكشف ليس أنّها تكسر هيبةَ
القوّة من فوق، بل أنّها تنزع وهمَ العجز من تحت، فتُعيد إلى الناس ما صُودر منهم،
فيتخيلون إمكان الفعل. وليس عبثاً أنّ العجزَ والمعجزةَ يشتركان في جذرٍ لغويٍّ
واحد؛ فالنموذجُ الانتفاضيّ الذي تجلّى في الطوفان ومن قبله في الانتفاضات العربية
بموجاتها التي لم تنته، إنّما يستمدّ قوّتَه من أنّ الأفعالَ الصغيرةَ التي يقوم
بها عددٌ كبيرٌ من الناس قد تُفضي إلى نتائجَ نوعيةٍ كبرى يعجز الحسابُ البارد عن
تصوّرها.
ويلزم هنا انضباطان، حتى لا تنزلق هذه الدلالةُ إلى
ضدّها؛ الأوّل أنّ الرسالة في الصمود بوصفه فعلاً يصون الكرامة،
لا في تمجيد أيّ نظامٍ أو فصيلٍ؛ فما يبعث الرسالةَ ليس بنية الجمهورية الإسلامية
ولا أيديولوجيتها، ولا حماس وتنظيمها، بل واقعة أنّ فاعلاً تحدّى ولم يُمحَ، وبين
الحُكم على الفعل والحُكم على الفاعل فرقٌ نحفظه.
والثاني أنّ الصمود مادّةٌ خامٌ قابلةٌ للاختطاف، فقد
يُقرأ استرداداً للفاعلية، وقد يُوظَّف فخَّ استقرارٍ بطولياً يقول للناس: اصمتوا فنحن في معركة، والفيصلُ بينهما هو مقياسُ
الكرامة نفسه؛ فالصمودُ الذي يصون كرامةَ الناس وعيشَهم وصوتَهم يُراكم شرعيةً
جديدة، والصمودُ الذي يُستثمر لتمزيقها يُعيد إنتاجَ العجز من بابٍ آخر.
وهنا تتبدّى خصوصيةُ هذا الكشف وعمومُه معاً: فهو، وإن انبثق من خصوصيةٍ فلسطينيةٍ وإيرانية، يكتسب
امتدادَه الإنسانيَّ المشترك، لأنّ مُشيعي العجز ليسوا حضارةً ولا أمّة، بل هم أينما
كانوا أصحابُ الحظوة في العالم من مالكي القوّة والسلطة والثروات؛ ومن ثمّ فإنّ
رفضَ الإذلال نزوعٌ مغروسٌ في الفطرة الإنسانية الجامعة، يتجدّد برهانُه مع كلّ
موجةِ صمود.
لماذا الحرب الواحدة دعوى في المعنى لا في التاريخ؟
قد يُقال: ولكنّ غزّة وإيران حدثان متمايزان فعلاً، لكلٍّ فاعلُه وجغرافيتُه وزمنُه؛
فبأيّ معنى تكون الحربُ واحدة؟ والجواب أنّ وحدتها لا تنفي تمايزَ فصولها، تماماً
كما لا تنفي وحدةُ الروايةِ تعدّدَ فصولها.
الوحدةُ هنا بنيويةٌ ومعياريةٌ لا تقويمية؛ فهي بنيويةٌ
لأنّ الفصلين كليهما انكشافٌ لبنيةٍ واحدةٍ هي نظامُ 1991 بركيزتيه؛ ومعياريةٌ لأنّ ما يربطهما في وعي الناس ليس
تسلسلُ التواريخ، بل وحدةُ الحُكم الأخلاقيّ الذي أصدروه على النظام.
فالأفئدة التي تضامنت مع غزّة هي نفسُها التي قرأت حربَ
إيران لا بوصفها صراعاً على المشروع النوويّ، بل باعتبارها حلقةً أخرى في سلسلةِ
القوّة العارية التي عرّتها غزّةُ من قبل. وهذا الحُكم الموحَّد هو ما يجعل الحربَ واحدةً في وعي
من عاشوها، وإن تفرّقت في دفاتر من أرّخوا لها.
وأحسب أنّ هذا هو المعنى الأعمق لِما يمكن تسميتُه "لحظةَ الكشف
المعياري". فطوفانُ الأقصى، وما تلاه من حربٍ ممتدّة على مجمل الإقليم، لم يكن حدثاً
عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل كان لحظةً معرفيةً فاصلة، أنهت قدرتنا على الاطمئنان
إلى المفاهيم الكلّية الكبرى التي حكمت إدراكَنا للعالم. فكما قضى الطوفانُ على نظرية الردع الإسرائيلية وعلى وهْم
التفوّق التكنولوجيّ المطلق، فإنّه أنهى معه جملةً من اليقينيات: وهْمَ أنّ الهيمنةَ الأمريكيةَ نظامٌ شرعيّ لا مجرّد
سيطرة، ووهمَ أنّ التطبيعَ مسارٌ لا رجعةَ فيه، ووهمَ أنّ الشارعَ العربيّ قد طُوي
إلى الأبد في خانة المتفرّجين.
لم تُنتِج هذه اللحظةُ معرفةً جديدةً بقدر ما نزعت غطاءً
عن معرفةٍ كانت مكبوتة، وهي أنّ النظامَ الأمريكي للشرق الأوسط كان عارياً من
الشرعية منذ البدء، وأنّ ما حجب عُريَه إنّما كان نجاحه في تحييد من يملكون الحقَّ
في الحُكم عليه.
صفقةٌ تُثبّت الموت ولا تَلِد الحياة
وفي ضوء هذا كلّه، كيف نقرأ الصفقةَ التي تُوّجت بها
الحرب؟ إنّ الخطأ الأكبر أن نقرأها بوصفها بدايةَ نظامٍ جديد، أو فجراً لشرقٍ
أوسطَ مستقرّ. فمذكّرةُ التفاهم، بما فيها من وقفٍ لإطلاق النار محدودٍ
بستّين يوماً قابلةٍ للنقض، وإعادةِ فتحٍ لهرمز، وإفراجٍ متنازَعٍ على حجمه عن
أصولٍ إيرانيةٍ مجمّدة، ووعودٍ بإعمارٍ تتضارب أرقامُه تضارباً يبلغ مئات
المليارات؛ هذه المذكّرةُ ليست عَقداً تأسيسياً لنظامٍ ناشئ، بل هي أقربُ إلى
شهادةِ وفاةٍ للنظام القديم. إنّها تُثبّت الموتَ ولا تَلِد الحياة. تُقرّ، بلغةٍ دبلوماسيةٍ مُحتشمة، بأنّ أمريكا لم تَعُد
قادرةً على فرض النتائج بسلاسة، ولا على احتكار الوساطة، ولا على حماية حلفائها من
تبعات أفعالها بلا كلفةٍ باهظة. وهذا، لا تفاصيلُ بنودها، هو مضمونُها التاريخيّ.
بل إنّ الصفقةَ نفسها، في طريقة انعقادها، تُجسّد
البنيةَ الجديدةَ التي تنبثق من ركام القديمة. فهي لم تُصَغ في واشنطن وحدها، ولم تُفرَض فرضاً، بل
تخلّلتها وساطاتٌ موزّعة: دورٌ صينيٌّ في إقناع طهران، ودورٌ روسيٌّ مزدوجٌ بين الوساطة والاستفادة،
ووسطاءُ من قطر وباكستان وغيرهم. لم تَعُد الضمانةُ حزمةً واحدةً يقدّمها راعٍ واحد، بل تفكّكت وظائفُها -الردعُ والوساطةُ وتمويلُ الإعمار والسلاحُ والاستخبارات
وفتح هرمز- وهاجرت كلٌّ منها إلى فاعلٍ مختلف. وهذا ما أُسمّيه "تسريبَ" وظائف الراعي؛ حيث لا انتقالَ الهيمنة من راعٍ إلى راعٍ
بديل، بل تسرُّب وظائف الرعاية ذاتها إلى شبكةٍ موزّعةٍ بلا مركز. ومن يقرأ هذا المشهد بعدسة الأقطاب والمحاور -قطبٌ صاعدٌ يحلّ محلّ قطبٍ آفل- يُخطئ جوهرَه؛ فما يجري ليس استبدالَ سيّدٍ بسيّد، بل
تفكّكَ السيادة نفسها وتوزّعَها على حقلٍ من التحوّطات المتراكبة، حيث تُمسك كلُّ
قوّةٍ متوسّطةٍ بخيوطٍ متزامنةٍ مع الجميع، ولا تربط مصيرَها بأحد.
في انتظار الوارث
إذا كان النظامُ القديم قد قام على تحييد الشعوب وإشاعة العجز فيها، فإنّ أبلغَ ما في هذه اللحظة أنّ الشعوبَ عادت إلى المعادلة، واكتشفت -عبر صمودها وصمود غيرها- أنّها لم تكن عاجزةً حقاً، لم تَعُد متفرّجةً، ولم يَعُد بوسع الحاكم -مهما بلغت سطوتُه- أن يتجاهل ما يفكّر فيه شعبه ويشعر به
يبقى السؤالُ الذي لا تُجيب عنه الصفقةُ ولا تملك أن
تُجيب وهو: إذا كان نظامُ 1991 قد مات بركيزتيه، فما الذي يولد مكانه؟
هنا تنبغي مقاومةُ إغراء الإجابات الجاهزة. فليس صحيحاً أنّ نظاماً جديداً مكتملَ الملامح ينتظر خلف
الباب؛ وليس صحيحاً كذلك أنّ المنطقةَ ستهنأ بسلامٍ أو عدلٍ أو انتصارٍ ديمقراطيٍّ
فوريّ. الأصدقُ وصفاً أنّنا في ما يمكن تسميتُه لحظةَ خلوّ
العرش: لحظة ينكشف فيها أنّ أحداً لا يملك العرشَ بحقّ؛ لا
النظام القديم لأنّه فقد رضا المحكومين، ولا أي بديلٍ لأنّه قادرٌ على نزع الشرعية
وعاجزٌ بعدُ عن حملها. إنّها الفترةُ
التي يموت فيها القديمُ ويعجز الجديدُ عن الولادة، والتي يكثر فيها، كما يحدث
دائماً في مثلها، ما هو مَرَضيٌّ من الظواهر: الافتراسُ المكشوف، حيث تسعى إسرائيلُ المنفلتة من
عقالها إلى ضمّ ما تشاء من غزّةَ والضفّة ولبنان وسوريا وسط عنف المستوطنين؛
والعنفُ الذي لا يجد حَكَماً يردعه؛ والفوضى التي تتقدّم على أيّ نظام.
غير أنّ في هذا الخراب بذرةً لا ينبغي إغفالُها. فإذا كان النظامُ القديم قد قام على تحييد الشعوب وإشاعة
العجز فيها، فإنّ أبلغَ ما في هذه اللحظة أنّ الشعوبَ عادت إلى المعادلة، واكتشفت -عبر صمودها وصمود غيرها- أنّها لم تكن عاجزةً حقاً، لم تَعُد متفرّجةً، ولم يَعُد
بوسع الحاكم -مهما بلغت سطوتُه- أن يتجاهل ما يفكّر فيه شعبه ويشعر به. ذلك أنّ خراباً يصنعه نظامٌ فقدَ شرعيتَه ليس نهايةَ
التاريخ، بل بداية سؤالٍ عن شرعيةٍ من نوعٍ آخر، شرعيةٍ لا تُستمدّ من الراعي
الخارجيّ ولا من القوّة العارية، بل من الناس، ومن حُكمهم الأخلاقيّ الذي يتراكم
طبقةً فوق طبقة مع كلّ موجةِ احتجاجٍ أو صمود.
ومن هنا تحديداً يكتسب وصفُ هذه المنطقةِ بأنّها "خرابٌ بلا وارث" معناه الدقيق: ليس لأنّها بلا مستقبل، بل لأنّ وارثَها لم يُولَد بعد،
ولأنّ ولادتَه -إن جاءت- لن تكون في جنيف ولا في واشنطن، بل في الموضع الذي ظُنّ أنّه أُخرج من
التاريخ إلى الأبد؛ بين الناس.
ويبقى التوتّر مفتوحاً، ولا ينبغي حسمُه على عجل: هل ما نشهده قواعد نظامٍ جديدٍ آخذةٍ في التشكّل، له
منطقُه وإن لم تكتمل ملامحُه؟ أم أنّه، على الأصحّ، قواعدُ غيابِ القواعد، أي
القانونُ الوحيد لفترةٍ انتقاليةٍ هو أنْ لا قانون؟
وبين هذين الاحتمالين يتأرجح مصيرُ المنطقة، والإجابةُ
بيد من سيُقرّرون أن يملأوا العرشَ الخاوي، أو يتركوه خاوياً أمداً أطول. وأيّاً كان الجواب، فإنّ شيئاً واحداً صار مؤكّداً بعد
هذه الحرب الواحدة الممتدّة، وهي أنّ النظامَ الذي حكم باسم القوّة والوهم معاً قد
انتهى، وهْم القوّة التي لا تُقهر من فوق، ووهمُ العجز الذي لا فكاكَ منه من تحت. وما إنْ يسقط الوهمان معاً حتى يتغيّر السؤالُ من جذره،
فيصير: هل نحن عاجزون حقاً؟ وليس هل تقوى أمريكا على فرض
إرادتها؟
وحين يصبح هذا هو السؤال، فإنّ ما يأتي بعد النظام
القديم سيُحاكَم بمقياسٍ لم يكن يأبه له؛ مقياسِ كرامةِ الناس، تلك الكرامةِ التي
يكتشف الناسُ مضمونَها لا في الكتب، بل في فعلهم، طبقةً فوق طبقة، كلّما رفضوا أن
يُمحَوا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.