لا
يكتب المؤرخون التاريخ وفق التقويم، بل وفق الأحداث المؤسسة. فالبشر لا يتحدثون عن
العالم قبل عام 1939 وبعده، وإنما عن العالم قبل
الحرب العالمية الثانية وبعدها،
ولا يقسمون التاريخ المعاصر إلى ما قبل عام 1991 وما بعده، بل إلى ما قبل سقوط
الاتحاد السوفييتي وما بعده، لأن بعض الأحداث لا تغيّر الواقع فحسب، بل تغيّر
الطريقة التي يُقرأ بها الواقع.
والسؤال
الذي قد يطرحه مؤرخ بعد عقود هو: متى بدأ
الشرق الأوسط الجديد؟ قد تكون الإجابة:
من
غزة؛ ليس لأن غزة أعادت رسم الحدود، ولا لأنها أنهت الصراع، بل لأنها فعلت ما
هو أخطر بكثير؛ لقد أجبرت جميع اللاعبين، من دون استثناء، على إعادة النظر في
العقائد التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.
فمنذ
نهاية الحرب الباردة، بدا أن المنطقة العربية قد استقرت على معادلة واضحة:
الولايات المتحدة هي القوة التي تضع قواعد اللعبة، والكيان الصهيوني هو الضامن
العسكري لهذا النظام، وإيران هي القوة التي تحاول توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة
من الحلفاء، فيما تتحرك بقية دول المنطقة داخل هذا الهامش الواسع أو الضيق. كانت
الأدوار تبدو ثابتة، وكأن التاريخ وصل إلى نهايته.
أجبرت إسرائيل على إعادة التفكير في مفهوم الأمن، وأجبرت الولايات المتحدة على إعادة التفكير في مفهوم الهيمنة، وأجبرت إيران على إعادة التفكير في مفهوم النفوذ، وفتحت الباب أمام قوى إقليمية لإعادة تعريف طموحاتها
لكن
التاريخ لا يعرف النهايات، بل يعرف نقاط
التحول. لقد جاءت غزة لتكسر أولى
المسلمات: أن التفوق العسكري يكفي لصناعة النصر السياسي.
لم
يكن أحد يشكك في حجم القوة العسكرية التي يمتلكها الكيان الصهيوني، لكن الحرب كشفت
أن امتلاك القوة شيء، وتحويلها إلى إنجاز سياسي دائم شيء آخر. فكلما امتدت
المعركة، اتسعت الكلفة، وازدادت الضغوط الداخلية، وتراجعت قدرة القوة العسكرية
وحدها على فرض النتائج المرجوة. وهنا بدأ التصدع الحقيقي، ليس في ميزان القوة،
وإنما في الفكرة التي حكمت استخدام القوة طوال عقود.
وهذا
هو الفارق بين المعركة والحدث المؤسس، فالمعارك تنتهي بوقف إطلاق النار، أما
الأحداث المؤسسة فتبدأ بعد توقف إطلاق النار، لأنها تفرض على الجميع إعادة كتابة
استراتيجياتهم.
ولم
يكن الكيان الصهيوني وحده من وجد نفسه أمام مراجعة مؤلمة، فالولايات المتحدة، التي
اعتادت منذ نهاية الحرب الباردة أن تكون مهندس النظام الإقليمي، وجدت نفسها أمام
واقع أكثر تعقيداً. فهي ما تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر، لكنها لم تعد
تتحرك في فراغ استراتيجي كما كانت تفعل في التسعينيات أو في العقد الأول من هذا
القرن. لقد أصبح عليها أن تدير توازنات متشابكة، وأن تحسب ردود أفعال قوى إقليمية
ودولية باتت أكثر قدرة على التأثير. لم تعد المشكلة في امتلاك القوة، بل في حدود
فاعليتها السياسية.
أما
إيران، فقد تكون هي الأخرى أمام لحظة مراجعة. فالمشروع الذي قام لسنوات على توسيع
النفوذ الإقليمي اصطدم بتكاليف متراكمة، عسكرية واقتصادية وسياسية. وليس مستبعداً
أن تتجه القيادة الإيرانية، في المرحلة المقبلة، إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث
يصبح الحفاظ على استقرار الدولة وتعزيز قدراتها الداخلية أولوية لا تقل أهمية عن
الحفاظ على النفوذ الخارجي. وإذا حدث ذلك، فلن يكون تراجعاً بالضرورة، بل إعادة
تموضع تفرضها طبيعة المرحلة الجديدة.
وفي
الجهة المقابلة، تتهيأ قوى أخرى لملء المساحات التي تفتحها التحولات الكبرى. وتبرز
تركيا بوصفها واحدة من أكثر الدول استعداداً لاستثمار البيئة الجديدة، بما تمتلكه
من قاعدة صناعية وعسكرية، وحضور جغرافي، وطموح سياسي يتجاوز حدودها المباشرة. وقد
لا تكون وحدها في هذا المسار، لكنها تبدو من أبرز المرشحين للعب دور أكبر في شرق
أوسط لم يعد يحتمل هيمنة طرف واحد.
وهنا
تكمن أهمية غزة، فهي لم تغيّر مواقع الجيوش على الخرائط بقدر ما غيّرت مواقع
الأفكار في عقول صناع القرار. لقد أجبرت
إسرائيل على إعادة التفكير في مفهوم
الأمن، وأجبرت الولايات المتحدة على إعادة التفكير في مفهوم الهيمنة، وأجبرت إيران
على إعادة التفكير في مفهوم النفوذ، وفتحت الباب أمام قوى إقليمية لإعادة تعريف
طموحاتها.
لهذا،
فإن الخطأ الأكبر هو قراءة غزة باعتبارها مجرد فصل جديد في الصراع العربي
الإسرائيلي، أو تفصيل عابر، فالأحداث الكبرى لا تُقاس بعدد الشهداء ولا بحجم
الدمار وحده، وإنما بقدرتها على تغيير مسار التاريخ. وحين ينظر المؤرخون إلى
الوراء، فقد لا يتوقفون طويلاً عند تفاصيل المعارك، بقدر ما سيتوقفون عند التحولات
التي أطلقتها.
قد
يختلف الباحثون حول نتائج الحرب، وقد يختلفون حول من ربح ومن خسر، لكنهم قد يتفقون
على حقيقة واحدة: أن غزة لم تكن مجرد حرب، بل كانت لحظة فاصلة أعادت توزيع الأسئلة
الكبرى في الشرق الأوسط.
وربما
لن يكتب التاريخ أن غزة كانت أعنف حروب المنطقة، لكنه قد يكتب أنها كانت الحرب
التي أنهت عصراً كاملاً؛ عصر التفوق المطلق، والهيمنة المنفردة، والمشروعات
الإقليمية المفتوحة، وفتحت الباب أمام شرق أوسط جديد، لا تحكمه اليقينيات القديمة،
بل توازنات أكثر تعقيداً، وصراعات أكثر تشابكاً، ومستقبل لم يعد أحد قادراً على
احتكاره أو رسمه وحده.
أخطر ما فعلته غزة أنها كسرت احتكار الرواية من قبل قوى الاستعمار الجديد، وأسقطت كثيراً من المسلمات التي حكمت السياسة الغربية لعقود، ولأول مرة منذ زمن طويل، لم يعد الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني خياراً سياسياً بلا كلفة داخل الولايات المتحدة نفسها
لم
تتوقف ارتدادات غزة وطوفان الأقصى عند حدود المنطقة، بل وصلت إلى قلب واشنطن
نفسها. فما كان يُعد قبل سنوات قليلة أحد أكثر الملفات إجماعاً داخل الحزب
الديمقراطي، أصبح اليوم سبباً لانقسامه. لقد تحولت غزة إلى معيار سياسي وأخلاقي
جديد تُقاس عليه مواقف المرشحين، حتى بات النواب الديمقراطيون التقليديون يواجهون
تمرداً من قواعد حزبهم بسبب مواقفهم من الحرب والدعم الأمريكي للكيان الصهيوني.
ولعل
ما حدث في الانتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب الديمقراطي يمثل دليلاً صارخاً على
هذا التحول. فقد نجح مرشحون يساريون في إزاحة شخصيات محسوبة على المؤسسة الحزبية،
في زلزال سياسي وصفته الصحافة الأمريكية بأنه بداية إعادة تشكيل الحزب من الداخل.
ولم يكن ذلك نتيجة خلافات اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل كانت غزة حاضرة بقوة
بوصفها أحد أهم الملفات التي أعادت تعريف معنى العدالة وحقوق الإنسان في الوعي
السياسي لجيل أمريكي جديد.
إن
أخطر ما فعلته غزة أنها كسرت احتكار الرواية من قبل قوى الاستعمار الجديد، وأسقطت
كثيراً من المسلمات التي حكمت السياسة الغربية لعقود، ولأول مرة منذ زمن طويل، لم
يعد الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني خياراً سياسياً بلا كلفة داخل الولايات
المتحدة نفسها. وهذه ليست نهاية الطريق، لكنها إشارة واضحة إلى أن الحدث الذي بدأ
في بقعة صغيرة محاصرة على شاطئ المتوسط، أخذ يعيد ترتيب موازين القوة حتى داخل
الدولة التي قادت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية!!
وهكذا،
إذا كانت سايكس-بيكو قد رسمت حدود المنطقة قبل أكثر من قرن، فإن غزة اليوم لا تعيد
رسم خرائط الجغرافيا فحسب، بل تعيد رسم خرائط الوعي والسياسة والتحالفات. وهذا هو
المعنى الحقيقي لكونها حدثاً مؤسساً؛ فالحدث المؤسس لا يغيّر الحاضر فقط، بل يفتح
عصراً جديداً، ويجعل ما بعده مختلفاً عمّا قبله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.