شهدت الأيام الماضية تصعيدا إسرائيليا كبيرا في قطاع
غزة، مما أدى لارتقاء
أعداد متزايدة من الشهداء وإصابة أعداد أكبر من الجرحى، وتوسيع دائرة الدمار؛
وترافق ذلك مع إعلان
نتنياهو أن جيش الاحتلال وسَّع المنطقة الصفراء من 52 في المئة
إلى 60 في المئة،
مع توجيه تعليمات بزيادة المساحة المحتلة إلى 70 في المئة.
استراتيجية نتنياهو في القطاع:
تتلخص استراتيجية نتنياهو في التعامل مع قطاع غزة فيما يلي:
1- الاستمرار في استباحة غزة من الاحتلال الإسرائيلي
بالرغم من الهدنة المعلنة منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، على أن يكون الالتزام بوقف النار من طرف واحد هو الطرف
الفلسطيني. وهو يتعامل مع ذلك كحق مكتسب، مستفيدا من الغطاء الأمريكي. ولذلك زاد
عدد اختراقاته للهدنة عن 2,200، كما زاد عدد الشهداء الذي قتلهم منذ إعلان الهدنة عن 945 شهيدا، وبلغ
عدد الجرحى نحو ثلاثة آلاف.
"عقدة" نتنياهو لا تكمن في قدرته على القتل وارتكاب المجازر والدمار والتجويع؛ وإنما في عجزه عن إخضاع المقاومة ونزع سلاحها
2- إنشاء حقائق جديدة على الأرض ومحاولة توسيع دائرة
الاحتلال للقطاع إلى 70 في المئة، مع عدم إسقاط احتمال محاولة استكمال القطاع كاملا، في
خرق فاضح لاتفاق الهدنة.
3- الاستمرار في الابتزاز السياسي والاقتصادي والمعيشي والعسكري
لأهل غزة، لمحاولة إخضاع غزة وإجبار المقاومة على تسليم سلاحها. ويشمل ذلك متابعة
الحصار وعدم إدخال أكثر من نصف ما تم الاتفاق عليه، ومنع دخول لجنة التكنوقراط
لإدارة القطاع، ومنع عملية إعادة الإعمار، واستمرار عمليات الاغتيال والتدمير.
4- إبقاء الأوضاع في قطاع غزة في حالة توتُّر مستمر، لتسهيل
الانتقال إلى الحرب في أي لحظة، وإبقاء القطاع في حالة إنهاك مستمرة.
5- وضع غزة في بيئة حياتية ومعيشية قاسية، لفرض حالة تهجير على
سكان قطاع غزة.
6- دعم المجموعات العميلة، وتزويدها بالأسلحة والدعم اللوجيستي،
لتكون ذراع الاحتلال في ضرب المقاومة، وضرب النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
وبلا شكّ، فإن لهذه الاستراتيجيات أثرها البالغ في تفاقم معاناة أبناء قطاع
غزة، حيث بلغ الإنهاك مداه، في ظلّ الغطاء الأمريكي لممارسات الاحتلال، وعدم
الجدية الأمريكية في إنفاذ المرحلة الأولى من الهدنة، وفي ظلّ انعدام فعالية الدول
الضامنة، وانعدام فعالية هيئات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.
ويحاول نتنياهو تحقيق "إنجاز ما" يُقدِّمه بين يدي الناخب
الإسرائيلي الذي سيذهب لصناديق الاقتراع بعد نحو أربعة أشهر (في شهر تشرين الأول/
أكتوبر 2026) والتي تشير معظم استطلاعات الرأي إلى فوز المعارضة فيها، وسقوط
التحالف الحاكم الذي يقوده نتنياهو. غير أن "عقدة" نتنياهو لا تكمن في
قدرته على القتل وارتكاب المجازر والدمار والتجويع؛
توتير الأجواء وتفجير الأوضاع يصبح أداة يلجأ إليها، لإبقاء الصراع مستمرا، في محاولة للهرب من كشف حسابٍ محصلته النهائية الفشل في تحقيق الأهداف
وإنما في عجزه عن إخضاع
المقاومة ونزع سلاحها، ويترافق معه فشلٌ في نزع سلاح المقاومة في لبنان، وفشل في
إخضاع إيران.
وهو يخشى في الوقت نفسه من وصول الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران، قبل
أن تُحقِّق حكومة نتنياهو المتطرفة أهدافها. ولذلك؛ فإن توتير الأجواء وتفجير
الأوضاع يصبح أداة يلجأ إليها، لإبقاء الصراع مستمرا، في محاولة للهرب من كشف حسابٍ
محصلته النهائية الفشل في تحقيق الأهداف.
في المقابل، لم يعد ثمة "منجز" يحقّقه نتنياهو في القطاع، بعد أن
استنفد وسائله وأدواته، وبعد أن أدّت وسائله المتوحشة ومذابحه الجماعية إلى تعميق
أزماته الداخلية والإقليمية، مع مزيد من العزلة الدولية، وتحول الكيان الإسرائيلي
إلى كيان منبوذ؛ كما يجد الكيان نفسه، بعد كل حروبه وعدوانه في غزة ولبنان وإيران
وسوريا، في حالة أمنية قلقة، وبيئة إقليمية أكثر عداء، وأجواء صراعات مفتوحة غير
قادر على حسمها، وتحمل له الكثير من المخاطر والتحديات.
ولذلك، فمن المتوقّع أن يتابع نتنياهو استراتيجياته (المشار إليها أعلاه)
تجاه غزة حتى
انتخابات الكنيست على الأقل، على أمل أن يحقّق "منجزا"؛
ولكن عناصر الشدِّ العكسي ستزداد، مع التراجع التدريجي للغطاء الأمريكي، وتصاعد
الضغوط الغربية، وتعطُّل مسارات التطبيع، ومع حالة الإنهاك التي يعاني منها الجيش
الإسرائيلي. بمعنى أن هذه الاستراتيجيات ليست بالضرورة ذات طبيعة ثابتة طويلة
المدى، وإنما قد يضطر الطرف الإسرائيلي لإعادة تكييف نفسه حسب المستجدات.
x.com/mohsenmsaleh1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.