مضيق هرمز والاستعمار البيولوجي

حلمي الأسمر
فإيران ليست مجرد دولة نفطية، بل هي أيضاً دولة زراعية كبرى، ومنتج رئيسي للحبوب والتمور والحمضيات، ولها برامج طموحة في مجال الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.ز الأناضول
فإيران ليست مجرد دولة نفطية، بل هي أيضاً دولة زراعية كبرى، ومنتج رئيسي للحبوب والتمور والحمضيات، ولها برامج طموحة في مجال الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.ز الأناضول
شارك الخبر
ليس غريباً أن تبدأ أول معركة في تاريخ الإنسان بلقمة، فما دامت الجنة قد اختُبر فيها آدم بثمرة شجرة، فإن الأغرب أن ينتهي العالم اليوم إلى جعل اللقمة نفسها محوراً لاقتصاده، وسياساته، وحروبه، وأبحاثه الطبية. كأن الساحة التي اختارها إبليس لإغواء أبي البشر لم تغادر التاريخ قط، وإنما تبدلت أدوات الصراع، وتضاعفت تعقيداته، فما كان وسوسة في نفس آدم أصبح اليوم منظومات إنتاج وتوزيع واستهلاك تحكمها شركات عابرة للقارات، ودول تتصارع على ممرات بحرية لا قيمة لها لولا أنها تشكل شرايين الغذاء والطاقة معاً.

ولم تكن معصية آدم عليه السلام في الطعام ذاته، وإنما في مخالفة أمر الله تعالى، ومع ذلك يبقى الطعام هو الوسيلة التي دخل منها إبليس إلى أول إنسان. قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: 120]. وبعد هبوط الإنسان إلى الأرض، عاد القرآن الكريم ليقرن بين الطعام والتحذير من الشيطان في آية تستحق الوقوف طويلاً عندها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168]. ولم يقل كلوا حلالاً فقط، بل أضاف "طيباً"، وهذا الإلحاح القرآني على وصف الطعام بالطيب، إلى جانب التحذير من اتباع خطوات الشيطان في السياق نفسه، يطرح سؤالاً ظل قروناً طويلة سؤالاً تعبدياً وأخلاقياً، حتى بدأت العلوم الحديثة تكشف أن اللقمة ليست مجرد مصدر للطاقة، بل تؤثر في منظومة معقدة تشمل الأيض والمناعة وبيئة الأمعاء والإشارات العصبية والهرمونية.

أعظم دروس قصة آدم ليس أن الشيطان أغواه بثمرة، بل أن الإنسان سيظل مطالباً، في كل عصر، بأن يسأل قبل أن يمد يده إلى أي لقمة: هل تقربني هذه من الطيب الذي أراده الله، أم تبعدني عنه، وهل هي جزء من نظام استعماري يريد إضعافي، أم أنها خطوة نحو استعادة عزة أمتي وقوتها؟
وهو ما يعرف اليوم بمحور الأمعاء–الدماغ، تلك الشبكة الحيوية التي يترأسها العصب الحائر، وتؤدي فيها الكائنات الدقيقة المقيمة في الأمعاء دوراً محورياً إلى جانب الجهاز المناعي والهرمونات. وقد بينت الدراسات أن اضطراب البيئة المعوية قد يرتبط بزيادة الالتهاب وببعض اضطرابات المزاج ووظائف الاستقلاب، وهو ما يمنح بعداً جديداً للحديث النبوي الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم عن صفية رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ". ذلك الحديث الذي اختلف العلماء في تفسيره، فمنهم من حمله على ظاهره، ومنهم من اعتبره كناية عن شدة تمكن الوسوسة، لكنه يظل تذكيراً بأن المعركة مع الشيطان ليست مجرد فكرة ذهنية، بل معركة يخوضها الإنسان بكل كيانه، في جسده وعقله وإرادته.

وهنا يلتقي العلم مع التأمل الإيماني، ليس ليحل أحدهما محل الآخر، بل ليذكرنا بأن ما يدخل إلى الإنسان ليس أمراً عابراً، وأن الغذاء القادر على التأثير في صحة الإنسان وقوته وإنتاجيته، هو أيضاً قادر على أن يصبح أداة للسيطرة عليه. وهذا بالضبط ما أدركته الإمبراطوريات القديمة، فكانت روما تعتمد على قمح مصر، وتنافست القوى الاستعمارية على السكر والتوابل والشاي والقطن، لأنها لم تكن مجرد سلع، بل أدوات نفوذ.

لكن الاستعمار الغربي في صورته الحديثة تجاوز كل ذلك، ولم يكتفِ باحتلال الأراضي أو نهب الموارد، بل صمم نظاماً عالمياً للسيطرة على البذور من خلال براءات الاختراع واحتكار التقنيات الحيوية، وحول البذور من تراث إنساني مشاع إلى سلعة مملوكة، وسيطر على الأسمدة والمبيدات المرتبطة بصناعات الطاقة والبتروكيماويات، مما جعل الدول الفقيرة مرتهنة لشركات بعينها، وفرض أنماط استهلاك مدمرة للصحة، وتلاعب بسلاسل التوريد التي تسيطر عليها شركات قليلة تتحكم في أسعار الحبوب عالمياً.

وهذا هو الاستعمار البيولوجي بامتياز، ليس احتلالاً للأرض بالدبابات، بل محاولة للتأثير في الإنسان من داخل جسده، عبر الغذاء وأنماط الاستهلاك والاعتماد المتزايد على منظومات إنتاج عالمية لا يملك الفرد ولا كثير من الدول السيطرة عليها. إنه تحويل للقمة إلى سلاح، وعسكرة للغذاء بمعنى الكلمة، فأي اضطراب في سلاسل الإمداد الغذائي لا ينعكس على أسعار السلع فحسب، بل يهدد الأمن القومي للدول، ويجعلها رهينة لمن يتحكمون بالموانئ والمضائق البحرية. وهنا يبرز مضيق هرمز كأكثر من مجرد ممر بحري، فالعالم اليوم مشغول بهرمز ليس فقط لأنه طريق لناقلات النفط فقط، بل لأن الطاقة هي التي تشغل مصانع الأسمدة، وتحرك سفن الحبوب، وتدير سلاسل التبريد والنقل والتخزين. وأي اضطراب في هذا الشريان لا ينعكس على أسعار الوقود وحدها، بل يمتد أثره إلى تكلفة إنتاج الغذاء وأسعاره في أنحاء العالم.

والحرب على إيران، التي تتصدر المشهد العالمي الآن، ليست مجرد صراع على النفوذ الإقليمي أو الملف النووي فقط، بل هي في جوهرها معركة للسيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي تسيطر إيران على جزء كبير من مفاتيحه. فإيران ليست مجرد دولة نفطية، بل هي أيضاً دولة زراعية كبرى، ومنتج رئيسي للحبوب والتمور والحمضيات، ولها برامج طموحة في مجال الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي. لذا فإن أي حرب عليها، أو حصار لها، لا يستهدف منشآتها النووية فقط، بل يستهدف أيضاً قدرتها على الإنتاج الزراعي، وسلاسل إمدادها الغذائية، وموانئها الحيوية، وذلك في إطار أوسع من الحرب على محور المقاومة الذي يمثل تحدياً استراتيجياً للهيمنة الغربية والأمريكية على المنطقة والعالم.

وهنا تلتقي عسكرة الغذاء بالعسكرة العسكرية التقليدية، فبينما تتحدث وسائل الإعلام عن حاملات الطائرات والصواريخ، فإن معركة أخرى أكثر صمتاً لكنها أكثر فتكاً تدور في مختبرات الأغذية، وشركات البذور، ومخازن الحبوب، وسفن الشحن. فالشيطان في هذه المعادلة لم يعد مجرد وسواس يعتري النفس، بل تحول إلى منظومة عالمية تعمل على إضعاف الشعوب بإفقارها غذائياً، وإذلالها بجعلها مستوردة لطعامها، وإمراضها بأنماط استهلاك مدمرة، وتشتيتها بخلق أزمات غذاء متكررة، وكل ذلك يتناغم مع ما كشفته الأبحاث الحديثة عن تأثير الغذاء في الصحة النفسية والجسدية، وهو ما يفسر لماذا قال الأطباء قديمًا: "المعدة بيت الداء"، وهي مقولة وإن لم تكن حديثاً نبوياً، ولا يصح نسبتها إلى النبي ﷺ، فإن معناها العام يجد اليوم قدراً من التأييد في ازدياد الاهتمام العلمي بصحة الجهاز الهضمي بوصفه أحد المفاتيح المهمة لصحة الإنسان.

الحرب على إيران، التي تتصدر المشهد العالمي الآن، ليست مجرد صراع على النفوذ الإقليمي أو الملف النووي فقط، بل هي في جوهرها معركة للسيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي تسيطر إيران على جزء كبير من مفاتيحه.
ومن هنا تكتسب القراءة الإيمانية بعداً جديداً، فإذا كان الغذاء يؤثر في الجسد، والجسد يؤثر في صفاء الذهن وقوة الإرادة، فإن المحافظة على الطيب ليست مجرد عادة غذائية، بل قد تكون جزءاً من حماية الإنسان لفطرته وقدرته على مقاومة الشهوة والغفلة. والشيطان لا يخلق هذه الاضطرابات، لكنه كما دلت النصوص يستغل مواطن ضعف الإنسان، ويزين له الانحراف متى وجد إلى ذلك سبيلاً. وفي هذا العالم المعقد، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والصناعية والسياسية على نحو يجعل الغذاء أداة من أدوات النفوذ، يعود القرآن الكريم ليذكر الإنسان بسؤال يبدو بسيطاً، لكنه عميق الدلالة: هل ما تأكله طيب؟ ليس الطيب وصفاً فقهياً مجرداً، بل قيمة أخلاقية وحضارية تدعو الإنسان إلى التأمل فيما يدخل جسده، وفي أثره عليه، بعيداً عن الانبهار بكل ما تنتجه الحضارة الحديثة أو رفضه جملة واحدة.

إنه برنامج تحرر من هيمنة الاستعمار الغربي، ودعوة إلى استعادة السيادة الزراعية ومقاومة احتكار البذور وتحرير الاقتصاد من التبعية وحماية الصحة العامة وتحصين الإرادة. لقد بدأت أول فتنة بلقمة، ولا تزال اللقمة إلى اليوم ميداناً تتقاطع فيه الأخلاق والعلم والسياسة، وربما لهذا السبب لم يقل القرآن الكريم: كلوا حلالاً فقط، بل قال: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168]. ولعل أعظم دروس قصة آدم ليس أن الشيطان أغواه بثمرة، بل أن الإنسان سيظل مطالباً، في كل عصر، بأن يسأل قبل أن يمد يده إلى أي لقمة: هل تقربني هذه من الطيب الذي أراده الله، أم تبعدني عنه، وهل هي جزء من نظام استعماري يريد إضعافي، أم أنها خطوة نحو استعادة عزة أمتي وقوتها؟ وفي خضم الحرب على إيران، والصراع على مضيق هرمز، يظل هذا السؤال هو الأكثر إلحاحاً، لأن من يسيطر على لقمة الإنسان يسيطر على إرادته، ومن يسيطر على إرادته يسيطر على مستقبله، وهذه هي معادلة الاستعمار البيولوجي التي يجب أن نفهمها قبل فوات الأوان!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)