أشعل رئيس الوزراء
العراقي علي
الزيدي، المنطقة الخضراء، وأحالها إلى كتلة من
النار بعد عمليات الدهم والاعتقالات التي نفذها، وواجهت مقاومة شرسة من حمايات المقبوض
عليهم، ومع بزوغ فجر الأحد الماضي كشفت وكالة الأنباء العراقية الرسمية عن حقيقة ما
حدث في الخضراء فجراً: "إلقاء القبض على 47 متهماً بملفات
فساد مالي وإداري، بينهم
أعضاء في مجلس النواب الحالي ومسؤولين كبار سابقين وحاليين في الدولة".
وضع علي الزيدي في برنامجه المقدم للبرلمان من أجل الترشح لرئاسة الوزراء؛ بندين
مهمان وتعهد بتنفيذهما، أولهما محاربة الفساد، والثاني حصر السلاح بيد الدولة. وهما
بالمناسبة بندان سبقه فيهما كل من السوداني والكاظمي، ومن قبلهما عادل عبد المهدي،
لكن أسلافه لم يستطيعوا فعل ما قام به الزيدي، ما جعل الوعود تصنف لدى الشارع العراقي
بالتصريحات الإعلامية.
علي الزيدي هو "المرشح التوافقي" بعد أن خشيت الكتل البرلمانية أن
تدخل البلاد في فراغ سياسي، إذ أصيبت الأسماء المرشحة لرئاسة الوزراء برصاصات الفيتو،
سواء الداخلي من الكتل نفسها، والضحية كان السوداني، أو من الخارج المتمثل في أمريكا
و"استحقها"، من وجهة نظر واشنطن، المالكي لسياساته الموالية لإيران، ليوسد
الأمر للزيدي؛ التاجر الكبير وشريك كل الأطراف السياسية في مشاريع تنوعت ما بين العقارات
والنفط والمواد الغذائية، وحتى الإعلام.
إن المستهدفين في ضربة فجر الأحد ما هم إلا وسطاء، لكن الضربة الحقيقية المنتظرة، والتي إن حدثت فإن الزيدي يكون قد نفذ الدور الذي كان المطلوب من الكاظمي ومن بعده السوداني، هي تجفيف منابع التمويل، والحدائق الخلفية لتهرب إيران من العقوبات الأمريكية
لكن الرجل الذي رحب به ترامب بمجرد أن أعلن عن أسمه كرئيس لوزراء العراق، ودعاه
إلى زيارة البيت الأبيض، والتي بُرمجت بعد شهر تقريبا من اليوم، يبدو أنه اختار واشنطن
على الداخل، فكانت الضربة التي أصابت تيارات مختلفة من التي سارعت بتمرير اسمه للمنطقة
الخضراء، ليكون رئيس الحكومة التاسع للعراق بعد أن أنشأ الأمريكان المنطقة الخضراء،
فالقائمة التي أُعلنت، وهي بالمناسبة خمسة عشر، رغم الحديث عن سبعة وأربعين، طالت كل
المكونات، وربما يكون أراد الرجل أن يرسل رسالة بأن الكل أمامه سواء، ولا مكان للمذهبية
في تطبيق القانون.
الرسالة الثانية قد تكون لواشنطن، التي سيزورها خلال أيام، وبرسم السؤال: "هل
وجدتم ما وعدتكم حقا؟". والخطاب هنا بمثابة إجابة عن سؤال في اختبار، دخله كل
من الكاظمي ومن بعده السوداني، ولم يجتازاه، وهو تقليم أظافر
إيران في العراق. لا شك
في أن السوداني "استطاع" تحجيم المليشيات بعدم انخراطها بالكلية في الحرب
الإيرانية- الأمريكية، إلا أن المرحلة القادمة تستوجب دماً جديداً غير معروفة خطواته،
ومن ثم غير محسوبة مسبقاً رد الفعل من القوى الفاعلة في الداخل العراقي.
لن أضخم ما فعله علي الزيدي كثيراً، إذ إن المستهدفين في ضربة فجر الأحد ما
هم إلا وسطاء، لكن الضربة الحقيقية المنتظرة، والتي إن حدثت فإن الزيدي يكون قد نفذ
الدور الذي كان المطلوب من الكاظمي ومن بعده السوداني، هي تجفيف منابع التمويل، والحدائق
الخلفية لتهرب إيران من العقوبات الأمريكية.
العقوبات الأمريكية على إيران بدأت منذ 1979 واستهدفت الشبكات المالية لطهران،
بداية من البنك المركزي وانتهاء بالحرس الثوري وموارده المالية، والهدف كان منع طهران
من استخدام عائدات النفط والقطاع المالي في تمويل برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ
ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة، ولما استطاعت طهران الالتفاف على هذه العقوبات من
خلال أذرعها، حيث في البداية استخدمت حزب الله ثم مع وصول والأحزاب "الشيعية"
الموالية لها في العراق لسدة الحكم، أصبح الأمر أوسع، لذا طالت العقوبات حزب الله،
وهو الحلقة الأسهل، من خلال فرض عقوبات على قادة الحزب ورجال أعماله وشركاته وملاحقة
مشاريعهم في كل دول العالم، لا سيما في أمريكا الجنوبية، بما في ذلك المصارف والمؤسسات
المالية، بدأ ذلك منذ التسعينيات، وتزايد بشكل أقوى مع مطلع 2015.
وانتقلت العقوبات إلى المليشيات في العراق وبعض الساسة، خصوصاً بعد الحرب على
داعش، وبدأت بقيس الخزعلي، زعيم مليشيا العصائب، لتتوسع العقوبات وتستهدف شركات وأفراد
في العراق وإيران؛ متهمين بتمويل فيلق القدس ونقل الأموال والسلاح إلى الفصائل العراقية.
وأصيب بالعقوبات فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، ثم وضعت واشنطن آلية رقابة لتحويل
الأموال من العراق، حتى وصل الأمر إلى تجميد "سويفت" في العراق، كورقة ضغط
على الحكومة لملاحقة التحويلات العراقية لإيران.
يرى ترامب أن العقوبات المالية هي الأداة الأقوى لخنق النظام الإيراني واقتصاده،
بهدف إجباره على قبول "صفقة شاملة" تُنهي طموحه النووي والباليستي ودعمه
للفصائل الإقليمية، وبناء على ذلك يجب سد كل الثغرات التي يمكن للإيراني أن ينفذ منها،
وتكون له بمثابة أسطوانة أوكسجين يأخذ منها نفسا قبل أن يموت سريرياً، لذا فإن الضربات
الاقتصادية، برسم الحرب على الفساد، إنما هي حلقة في سلسلة خنق الاقتصاد الإيراني،
وبالتالي تركيعه. ويرى ترامب أنه نجح بالفعل في الوصول إلى ذلك، ويجب الاستمرار، ويستدل
على ذلك بانهيار العملة الإيرانية، وتراجع احتياطياتها النقدية، وشلل صادراتها النفطية
الرسمية خلال فترات تشديد العقوبات، مما دفع طهران للطلب المتكرر لرفع العقوبات، وهو
ما انعكس على التأييد الشعبي للنظام الحاكم، ما تمثل في المظاهرات الكبيرة التي استوجبت
قمعاً مفرطاً راح ضحيته المئات من الإيرانيين.
فهل ما فعل علي الزيدي بقائمة السبعة والأربعين سيسد الثغرة التي يريد ترامب
سدها ليحكم قبضته على طهران، ويدخلها بيت الطاعة الأمريكية، أم أن الإيراني سيلوي ذراع
راعي البقر، من خلال تصميمه على إدارة مضيق هرمز، ومن ثم الضغوط من خلال شكاوى الدول
المتضررة من إغلاق المضيق، حيث وبدأ العالم يرى أن الحرب على إيران أضرت وأوقفت تدفق
الطاقة والسلع، ويجب إيجاد حل لها؟.. إن غدا للسياسي قريب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.