لسنوات
طويلة تمحور السؤال الإقليمي حول من يمتلك القدرة على التأثير في
العراق أو توجيه
مساره السياسي، أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة السؤال جذريّا؛ إذ لم يعد العراق مجرد
مساحة تتقاطع فوقها المصالح المتنافسة، بل بات واحدا من أهم الأصول الجيوسياسية
التي تتنافس القوى الإقليمية والدولية على كسب موقع مؤثر فيها أو منع خصومها من
الانفراد بها.
يأتي هذا
التحول في لحظة تشهد فيها المنطقة تراجعا نسبيّا في قدرة القوى التقليدية على فرض
معادلات حاسمة، بالتزامن مع تحوّل المواجهة
الإيرانية- الإسرائيلية إلى حالة
استنزاف ممتدة تستنزف الموارد والخيارات الاستراتيجية للطرفين. وفي خضم هذه البيئة
المضطربة، يبرز العراق بوصفه الدولة الوحيدة التي تتقاطع عندها حسابات الخليج
وإيران وبلاد الشام وتركيا، بما يمنحه وزنا استثنائيّا في رسم
توازنات المرحلة
المقبلة.
التحول الأكثر عمقا لا يتمثل في تغير الحكومات أو تبدل التحالفات، وإنما في انتقال العراق تدريجيّا من موقع المتلقي لنتائج الصراعات إلى موقع القادر على التأثير في مآلاتها
لا تكمن
أهمية العراق اليوم في موقعه الجغرافي فحسب، بل في امتلاكه عناصر التأثير في
مسارات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي، إضافة إلى قدرته على لعب دور حلقة الوصل
أو نقطة الفصل بين مشاريع متنافسة تسعى لإعادة تشكيل
الشرق الأوسط. ومن هنا لم تعد
بغداد هامشا في المعادلات الإقليمية، بل أصبحت جزءا من مركزها.
إن التحول
الأكثر عمقا لا يتمثل في تغير الحكومات أو تبدل التحالفات، وإنما في انتقال العراق
تدريجيّا من موقع المتلقي لنتائج
الصراعات إلى موقع القادر على التأثير في مآلاتها.
وهذا التحول يضع الدولة العراقية أمام اختبار تاريخي يتمثل في كيفية توظيف هذا
الوزن المتصاعد لبناء استقلال القرار الوطني وتعزيز السيادة، بدلا من العودة إلى
دوامة الاصطفافات والمحاور.
وعليه،
فإن معركة العراق القادمة قد لا تُخاض بالدبابات أو الصواريخ، بل ستكون معركة على
القرار الاستراتيجي، وعلى قدرة الدولة في تحويل موقعها الجيوسياسي من مصدر للضغوط
إلى مصدر للقوة. ففي الشرق الأوسط الذي يعاد تشكيله نتيجة التحولات الكبرى، لم يعد
السؤال: من يسيطر على العراق؟ بل: كيف سيستخدم العراق موقعه في رسم ملامح التوازن
الإقليمي الجديد؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.