العراق: القشة القاتلة والأرواح المدفونة!

جاسم الشمري
"صرنا نسمع بين حين وآخر باكتشافات لمقابر جماعيّة "- جيتي
"صرنا نسمع بين حين وآخر باكتشافات لمقابر جماعيّة "- جيتي
شارك الخبر
يَغلب الطابع السياسيّ الخالص والخاصّ على الممارسة السياسيّة العراقيّة الحاليّة، والقائمة على تقاسم المناصب والمغانم بين الشركاء السياسيّين، وعدم الالتفاف للملفّات العالقة وأبرزها ملفّ المغيّبين والمفقودين، والمهجّرين داخل العراق وخارجه!

وللتاريخ ارتكبت مجازر القتل والتغييب بحقّ العراقيّين بعد العام 2003 على عدّة مراحل:

- المرحلة الأولى: وكانت منذ الأيّام الأولى للاحتلال (2003-2005)، واستهدفت الرموز السياسيّة والكفاءات العلميّة.

- المرحلة الوحشيّة: وقعت بعد تفجير المرقدين العسكريّين في سامرّاء (شباط/ فبراير 2006-2014)، وكانت من أبشع مراحل الجماعات المنفلتة، وصار القتل الطائفيّ خلالها على الهويّة، وانتشرت فرق الموت والاغتيالات العشوائيّة، وبرزت ظاهرة الجثث المجهولة.

- المرحلة الثالثة: وكانت خلال مرحلة سيطرة "داعش" على نحو نصف مساحة العراق (2014 -2017)، وشملت المآسي كافّة المواطنين.

- المرحلة المظلمة الرابعة منذ العام 2017 وحتى 2022، وخصوصا مرحلة ثورة تشرين في العام 2019، التي اغتيل فيها نحو 1000 من شباب العراق، وَغُيّب المئات.

خلال جميع المراحل حدثت عمليّات تغييب واختفاء لآلاف الأشخاص في مناطق بغداد وحزامها، والأنبار، والموصل، وديالى، وصلاح الدين، وبابل، وغيرها، وكان معظم الدور الحكوميّ خلالها سلبيّا وهشّا في مكافحة الجماعات الإرهابيّة، واستمرّت حتّى الساعة أوجاع عوائل الضحايا!

- المرحلة الخامسة (2022-2026): وخلال هذه المرحلة تراجعت معدّلات الاغتيالات ولكنّها طالت بعض السياسيّين والمؤثّرين وأبرزهم ضياء المشهداني، عضو مجلس محافظة بغداد، وغيره.

وخلال جميع المراحل حدثت عمليّات تغييب واختفاء لآلاف الأشخاص في مناطق بغداد وحزامها، والأنبار، والموصل، وديالى، وصلاح الدين، وبابل، وغيرها، وكان معظم الدور الحكوميّ خلالها سلبيّا وهشّا في مكافحة الجماعات الإرهابيّة، واستمرّت حتّى الساعة أوجاع عوائل الضحايا!

وهكذا، صرنا نسمع -بين حين وآخر- باكتشافات لمقابر جماعيّة في المحافظات الستّ المذكورة آنفا، وآخرها منتصف أيّار/ مايو 2026، حيث كُشِف النقاب عن مقابر جماعيّة في "سهل عكاز" بناحية "الصقلاوية" ضمن قضاء الفلوجة بالأنبار!

الأدلّة الأوّليّة تؤكّد أنّ مَنْ عُثِر عليهم هُم من المدنيّين العزّل، وهنالك مَن يقول بأنّ أعداد الضحايا 1500 ضحيّة، بينما تقول محافظة الأنبار بأنّهم 16 ضحيّة فقط، ولا ندري كيف اخْتُزِل الرقم خلال ساعات! وقد وَجّه رئيس مجلس الأنبار بتشكيل لجنة لمتابعة الموضوع!

وسبق للصليب الأحمر الدوليّ تأكيده بامتلاكه "نحو 30,650 ملفّا للمفقودين لمنتصف العام 2025". وذكرت مصادر رسميّة وجود نحو 6 آلاف مغيّب ومفقود في الأنبار، وذكرت "العفو الدوليّة" أنّ 643 رجلا وطفلا من الصقلاوية أصبحوا في عداد المفقودين بعد أحداث العام 2016 وخلال معارك الفلوجة، وأيضا هنالك في الموصل نحو 8000 مفقود، وبلغ عدد المفقودين في بغداد وحزامها، وديالى، وصلاح الدين؛ نحو 20 ألف شخص.

وأقرّت المنظّمة الدوليّة للهجرة (IOM)، في 25 نيسان/ أبريل 2023، بوجود نحو 2700 شخص في عداد المفقودين والمغيّبين العراقيّين، "البعض ما زالوا محتجزين لدى تنظيمات ومليشيّات، وآخرون مكان وجودهم مجهول"!

وأعلن "مركز جنيف الدوليّ للعدالة"، في 10 آذار/ مارس 2026، أنّ لجنة الأمم المتّحدة للاختفاء القسريّ بدأت بمراجعة جديدة لملفّ الاختفاء القسريّ بالعراق، "والتقديرات تتحدّث عن اختفاء نحو مليون شخص منذ العام 2003"!

إنّ حصر جرائم التغييب بالنظام السابق وداعش محاولة سقيمة لمحوّ جرائم الجماعات المسلّحة التي يَشْهد آلاف العراقيّين وعشرات أشرطة الفيديو بجرائمها، في وضح النهار وأمام أنظار عناصر الأمن وَعِلْم قياداتها!

وسبق لرئيس مجلس النوّاب الأسبق محمود المشهداني كشفه في آذار/ مارس 2025 بأنّ رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي أكّد لهم بأنّ "المغيّبين السنّة كلّهم في بطن دجلة، والكلّ شاركوا في قتلهم"!

وهكذا، وبسبب غياب الشفافيّة الرسميّة لملفّ المغيّبين، ستبقى المعضلة مستمرّة، وأعداد ضحاياها ضبابيّة، وعليه يفترض العمل على:

- جَمع شهادات شُهود العيان والمبلغين عن الجرائم، ومنحهم الحماية القانونيّة ليُدْلُوا بشهاداتهم للوصول إلى المجرمين وتقديمهم للعدالة!

- ترتيب قاعدة بيانات مركزيّة موحّدة، وجمع بلاغات العائلات والمنظّمات، والتدقيق بالتسجيلات الفيديويّة التي أظهرت عناصر مليشياوية -وبوجوه مكشوفة- وهم يعدمون الأبرياء، وكأنّهم في حفلات إعدام جماعيّة!

- استغلال التطوّر العلميّ لتحديد تاريخ الوفاة عبر الاستعانة بعلوم الطبّ الشرعيّ وعلم الإنسان، وتحليلات الهيكل العظميّ وبقايا أجساد الضحايا والبيئة، والأدلّة الجنائيّة المصاحبة وغيرها.

- استخدام تحليلات "DNA" بالتعاون مع مختبرات دوليّة لتحديد هويّة الضحايا.

الواجب الأخطر والأبرز أمام حكومة بغداد ليس حصر السلاح بيد الدولة، بل تنقية الدولة وأجهزتها الأمنيّة من المتورّطين بقتل الأبرياء وضرب السيادة، وتقديمهم لمحاكم نزيهة لينالوا جزاءهم العادل!

- تشكيل لجنة وطنيّة -وبمعيّة فرق بحث وتفتيش دوليّة- لمعرفة مصير المغيّبين.

- تنظيم محاكم وطنيّة خاصّة، وربط المحاسبة والتعويض بقرارات المحكمة.

وهكذا، ومع هذه الجرائم المُؤكّدة والمُوثّقة، والتلاعب المليشياوي بسياسات البلاد الداخليّة والخارجيّة، وآخرها استهداف الجماعات المسلّحة للسعوديّة والإمارات منتصف الشهر الحاليّ، وتأكيد رئيس الحكومة علي الزيدي بأنّه سيُقدّم مَن يثبت تَورّطه بالهجمات للعدالة، نتساءل: هل سيكون الزيدي القَشّة التي ستَقْصم ظهر المليشيات وَيُحقّق العدالة، أم ستكون المليشيات القَشّة التي ستَقْصم ظهر الزيدي؟

الواجب الأخطر والأبرز أمام حكومة بغداد ليس حصر السلاح بيد الدولة، بل تنقية الدولة وأجهزتها الأمنيّة من المتورّطين بقتل الأبرياء وضرب السيادة، وتقديمهم لمحاكم نزيهة لينالوا جزاءهم العادل!

العدل أساس الملك، والظلم أساس خراب الدول، وهنا تَظهر حكمة الحكومة وشجاعتها وتمسّكها بالدستور والقانون وحقوق الوطن والمواطن.

ورحم الله الشاعر كريم العراقي القائل:

مِن أَينَ يأتي العيدُ والأفراحُ       وبــــلادُنا أبناؤها أشباحُ!

كلّ عام وأنتم بخير.

 


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)