المعارضة
حالة إنسانيّة طبيعيّة
قائمة ضدّ أنظمة الحكم المتنوّعة والشخصيّات والطروحات والمعتقدات الدينيّة
والسياسيّة والفكريّة والثقافيّة والرياضيّة وغيرها. وطالعنا على مَرّ العصور بأنّ
المعارضة طالت الأنبياء والحكماء وغيرهم، وحدثت بأبهى أزمنة الحكم الإنسانيّ، وضدّ
كافّة النظم السياسيّة والثوريّة والعلميّة وغيرها، وهي مستمرّة باستمرار الحياة
على الأرض.
والمعارضة ليست فكرة عبثيّة، بل قضيّة مصيريّة قد تقود صاحبها
لنهايات مُميتة وقاسية، ولهذا فهي فكرة قائمة على دراسة وقرار مَحْسُوم يهدف
لترميم الخراب، وتغيير الواقع السقيم.
والدولة
العراقيّة ومنذ قيامها في عشرينيّات القرن الماضي واجهت العديد من صور المعارضة،
ويمكن القول بأنّ المعارضة العتيقة خلال الحكم الملكيّ أشدّ تأثيراً من معارضات مراحل
الحكم اللاحقة.
ومع
الاحتلال الأمريكيّ للعراق في العام 2003 بدأ الحديث عن الديمقراطيّة، التي تعني
ببساطة -رغم أنّها تعني حُكْم الشعب- أنّ النظام الحاكم يُؤمن بوجود معارضة رسميّة،
وغير رسميّة!
مَن يتأمّل مسار تلك الكيانات التي تدّعي المعارضة حاليّا والمشاركة سابقا في العمل السياسيّ يكتشف أنّها مرتبطة بدوائر السلطة وأعادت إنتاج نفسها بما يخدم مصالحها، وكانت مُجمل فعاليّاتها "المعارضة" إعلاميّة وشعبية وَمُتَّفَقا على مخرجاتها مع الفاعل السياسيّ
ويؤكّد
علماء
السياسة بأنّ المعارضة تُمثّل الركيزة الأساسيّة للنظام الديمقراطيّ الأصيل
والرصين الذي يكتمل بوجود معارضة برلمانيّة وشعبيّة قادرة على مُتابعة منجزات
الحزب الحاكم!
وَمَن يَنظر لواقع حال المعارضة العراقيّة الحاليّة يجدها
قائمة على رفض العمليّة السياسيّة باعتبارها نتاج المحتلّ الأمريكيّ ورتّبت وفقا لمخطّطاته
ورؤيته. ويمكن
النظر للمعارضة العراقيّة بعد العام 2003 من حيث منطلقاتها العقائديّة والفكريّة والعمليّة،
وأبرزها: الإسلاميّة والعلمانيّة، والناعمة والخشنة، والعلنيّة والسرّيّة.
وأخطر أنواع المعارضة تلك المتّفقة مع القوى السياسيّة
الحاكمة، وَمَن يتأمّل مسار تلك الكيانات التي تدّعي المعارضة حاليّا والمشاركة
سابقا في العمل السياسيّ يكتشف أنّها مرتبطة بدوائر السلطة وأعادت إنتاج نفسها بما
يخدم مصالحها، وكانت مُجمل فعاليّاتها "المعارضة" إعلاميّة وشعبية وَمُتَّفَقا
على مخرجاتها مع الفاعل السياسيّ.
ورغم
أنّ بعض كيانات المعارضة عقدت اجتماعات في بعض دول الجوار وواشنطن وغيرها، إلا أنّ
مؤتمر عَمّان منتصف تمّوز/ يوليو 2014، يُعدّ الأكبر والأبرز، وشاركت
فيه عشرات الشخصيّات من مختلف أطياف المعارضة. وركّز بيانهم الختاميّ على وحدة
العراق، والسعي للقاء وطنيّ جامع لبحث "مستقبل عراق جديد".
ولم
نلمس بعدها أيّ تبعات ومخرجات عمليّة لهذا المؤتمر الكبير والمفصليّ! وللتاريخ فقد
تواصلت بعض قوى المعارضة مع الاتّحاد الأوروبيّ، والأمم المتّحدة وواشنطن، وعواصم
أخرى لنقل الحالة العراقيّة بشفافيّة للعالم.
وتمتاز
المعارضة العراقيّة الحاليّة بالآتي:
-
إصرارها واتّفاقها على ضرورة تغيير أوضاع العراق مع الاختلاف بالأدوات والأساليب.
- النزعة الفرديّة، وظنّ غالبيّة القوى المعارضة ورجالها
بأنّهم قادرون بمفردهم على الترميم والتغيير دون الحاجة لبقيّة الكيانات، وهذه
رؤية ضبابيّة وبحاجة لإعادة نظر.
- غالبيّتها مُتنافرة ومتضادّة فيما بينها، وهذا الأمر
من أكبر أسباب شتاتها وضياع قوّتها وقدراتها البشريّة والفكريّة والميدانيّة!
- محاولة بعض الكيانات والشخصيّات
المعارضة التقليل من شأن الجماعات المعارضة الأخرى، والطعن بهم خلال محادثاتهم مع
أطراف إقليميّة وعالميّة، ممّا تسبّب بالضعف والهشاشة لعموم الصفّ المعارض أمام
دول الإقليم والمنطقة.
- رغم أنّ غالبيّة المعارضين صادقون، إلا
أنّ بعضهم تأقلموا مع واقعهم في المهجر، فأصبحت الحركة المعارضة، بمرور الأيّام
والسنوات، ضعيفة الفاعليّة، وتعاني من الفتور والتراخي.
- هشاشة وضعف
التكافل الماليّ والتنظيميّ والإنسانيّ بين غالبيّة القيادات والأعضاء!
- وأخيراً فإنّ أزمة المعارضة ليست في خصومها بل في
أولئك المتلونين والمرتبطين بها شكلياً، ممّن يُبدون الولاء المزّيف والمصلحيّ، ولا
تتجاوز مواقفهم حدود الكلمات المعسولة والمنمّقة دون أثر ملموس.
هذه الإشكاليّات وغيرها جعلت أكثريّة حكومات بغداد
تتجاهل أو تُغلس عن مسألة وجود معارضة خارجيّة وداخليّة عدا حكومة واحدة حاولت
التواصل مع بعض الكيانات المعارضة ولكنّها تراخت لاحقا!
وبعد أكثر من عقدين على الاحتلال والتغيير، وبالتزامن مع
التطوّرات الإقليميّة، ربّما هنالك مَن يتساءل: هل هنالك اليوم كيانات عراقيّة معارضة،
وما هدفها؟ وهل تسعى لتغيير العمليّة السياسيّة واقتلاعها، أم تكتفي بترميمها
وإصلاحها؟
التقارب والتلاحم والتعاضد بين القوى المعارضة من أهمّ أسباب قوّتها وتعضيد دورها وسماع صوتها خارج العراق وداخله، وإلّا -ومع التنافر الواضح، وتمسّك غالبيّة القيادات بالجلوس في صَوَامِعهم العاجيّة العالية- فإنّ مستقبل المعارضة سيبقى غامضا، ولن يقع أيّ تغيير بالواقع العراقيّ!
لا خلاف بأنّ المعارضة موجودة في الداخل وفي العديد من
دول الجوار والعالم. وأرى أنّ قضيّة اقتلاع العمليّة السياسيّة معقّدة، وَيُتَعذّر
تحقيقها دون موافقة أمريكيّة ودعم إقليميّ. أمّا إصلاح العمليّة السياسيّة فلا
أعتقد -بحسب اطّلاعي ومعرفتي بأكثريّة القيادات- أنّ هنالك قوّة معارضة خارجيّة
تؤمن بهذه الرؤية!
وهكذا فإنّ مهمّة الخلاص صعبة وتتطلّب أن تسعى المعارضة
للعمل على:
-
تنظيم صفوفها وتوحيد أفكارها وبرامجها، والإعداد لمؤتمر جامع لتقليل نقاط الخلاف
والتناحر.
-
التنسيق الجماعيّ للوصول لمرحلة الدخول في المعادلة المقابلة لحكومة بغداد داخليّا
وخارجيّا.
-
التنسيق بين المعارضة الخارجيّة والداخليّة الحقيقيّة ورعاية أفرادها.
-
توحيد الخطاب الإعلاميّ وإهمال أدوات وعوامل الخلافات غير الجوهريّة.. وغيرها من الأدوات والعوامل الجامعة.
التقارب والتلاحم والتعاضد بين القوى
المعارضة من أهمّ أسباب قوّتها وتعضيد دورها وسماع صوتها خارج العراق وداخله، وإلّا
-ومع التنافر الواضح، وتمسّك غالبيّة القيادات بالجلوس في صَوَامِعهم العاجيّة
العالية- فإنّ مستقبل المعارضة سيبقى غامضا، ولن يقع أيّ تغيير بالواقع العراقيّ!
أيها
المعارضون: تواضعوا وتنازلوا لأجل العراق فهو أكبر من الخلافات الثانويّة والشخصيّة!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.