الجزء
الأول: استراتيجية الجماعة وجدار القمع الخارجي
شكّل
إلغاء
الخلافة العثمانية في آذار/ مارس 1924 قطيعة تأسيسية في التاريخ الإسلامي
الحديث؛ انتهت بموجبه مؤسسة سياسية-رمزية دامت ثلاثة عشر قرنا وهي تؤطر العلاقة
بين السلطة والمجال العام في مساحات شاسعة من العالم. بموجب هذا الإلغاء، انهارت
الرابطة المؤسسية الشاملة التي كانت تصل دلهي بتطوان، وحل مكانها نظام الدول
الوطنية الذي رسم الاستعمار الغربي حدوده وفرض سياداته.
في خضم
هذا التحول المفصلي، برز سؤال ظل معلقا في الفضاء العام العربي والإسلامي طوال قرن
كامل: من يملأ الفراغ المعنوي والسياسي الذي خلفه غياب الخلافة؟
ظهرت
إجابات ومشاريع متعددة، بدأت من القومية العلمانية والاشتراكية الثورية إلى
الليبرالية المعولمة، لكن جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا عام 1928
في مدينة الإسماعيلية المصرية قدمت نفسها بصفتها المشروع الأكثر التصاقا بالفكرة
الإسلامية الجامعة. وبعد مئة عام على ذلك الحدث التأسيسي، يفحص هذا الملف مسار
الجماعة لا بوصفها حركة دعوية وحسب، بل مشروعا سياسيا حاول إعادة بناء
"الأمة" على أنقاض السلطنة المنهارة، ويحلل العوامل التي حالت دون
تحولها إلى بديل مؤسسي مستقر.
أدوات ردم
الهوة التاريخية.. استراتيجية الإخوان في بناء "المشروع الجامع"
واجه مشروع الإخوان منذ انطلاقته عقبات هيكلية نابعة من تصادمه المباشر مع بنية الدولة الوطنية الحديثة ومع منظومة المصالح الدولية التي دعمت استقرار الأنظمة القائمة
اعتمدت
الجماعة منذ نشأتها على ثلاث استراتيجيات متكاملة شكلت بمجموعها تصورا بديلا عن
الدولة الوطنية الناشئة، ومثلت البنية التحتية لمشروعها في ملء الفراغ الذي خلّفه
سقوط الخلافة:
- شمولية
الفكرة بوصفها ردا على تجزئة الهوية
ركز خطاب
البنا التأسيسي على أن الإسلام نظام متكامل يشمل العبادة والسياسة والاقتصاد
والقانون والأخلاق. وقد صيغت هذه المقولة في مواجهة مباشرة مع صعود نماذج علمانية
رأت في الدين شأنا فرديا محصورا في الشعائر. لم يقتصر الطرح على كونه تنظيرا
لاهوتيا، بل تحول إلى حجر الأساس لمشروعية الجماعة في مواجهة الدولة القطرية التي
نُظر إليها ككيان مصطنع مزق وحدة المسلمين.
مكّن هذا
الخطاب الجماعة من استقطاب شرائح اجتماعية واسعة شعرت بأن الدولة الوطنية الحديثة
تنتزع منها هويتها وتفرض عليها نمطا مستوردا من الغرب، وهو ما جعل الانتماء إلى
الإخوان تعبيرا عن مقاومة ثقافية وسياسية في آن واحد.
- عولمة
التنظيم وبناء كيان عابر للحدود
أدركت
قيادة الجماعة مبكرا أن أي بديل عن الخلافة لا يمكن أن ينحصر في نطاق محلي، لذلك
سارعت إلى إنشاء شُعب وامتدادات تنظيمية في بلاد الشام والعراق وشمال أفريقيا
والجزيرة العربية. لم تكن هذه الفروع نسخا طبق الأصل عن المركز المصري، بل تطوّر
كل فرع في سياقه الوطني الخاص، واكتسب خصوصيته المرتبطة بطبيعة النظام السياسي
الذي واجهه.
فبينما
انخرط فرع الأردن في اللعبة البرلمانية تحت سقف النظام الملكي، واجه فرع سوريا
موجات قمع دموية متعاقبة من الانقلابات العسكرية وصولا إلى مجزرة حماة 1982 على
أيدي نظام حافظ الأسد البعثي. وفي تونس، قادت حركة النهضة ذات الجذور الفكرية
المتقاربة تجربة مختلفة تماما تميزت بالمصالحة مع الدولة وقبول التداول السلمي على
السلطة. وهذا التمدد الجغرافي، رغم تفاوته، منح الفرد المنتمي شعورا بالارتباط
بكيان أوسع من حدوده القُطرية، وأعاد إنتاج رابطة نفسية عابرة للدول تذكّر بما
كانت توفره الخلافة.
- بناء
شبكات أمان اجتماعي موازية للدولة
في مرحلة
كانت فيها الدولة الوطنية حديثة الولادة وعاجزة عن تلبية احتياجات مواطنيها
الأساسية، بادرت الجماعة إلى إنشاء بنية تحتية اجتماعية واسعة شملت مدارس
ومستوصفات وجمعيات خيرية ولجانا للزكاة والمساعدات. في صعيد مصر مثلا، حيث تأسست
الجماعة، قدمت هذه الشبكات خدمات تعليمية وصحية لعشرات الآلاف من المواطنين الذين
لم تصلهم يد الدولة.
وبمرور
الوقت، تحولت هذه المنظومة إلى ما يشبه "دولة داخل الدولة"، تقدم خدمات
موازية وتخلق ولاءات موازية. هذا الأمر عمّق الاستقطاب الجماهيري حول الجماعة،
لكنه في الوقت نفسه جعلها هدفا مزمنا لأنظمة الحكم التي رأت في هذا الحضور تهديدا
مزدوجا: لشرعيتها السياسية من جهة، ولاحتكارها الخدمات والموارد من جهة أخرى.
صراع
الشرعيات والتحالف الدولي
واجه
مشروع الإخوان منذ انطلاقته عقبات هيكلية نابعة من تصادمه المباشر مع بنية الدولة
الوطنية الحديثة ومع منظومة المصالح الدولية التي دعمت استقرار الأنظمة القائمة.
- الصدام مع
شرعية الدولة القُطرية
تمثل
العائق الأكبر في صراع الشرعيات الذي نشب بين الجماعة والنخب الحاكمة في الدول
العربية. ففيما استمدت الأنظمة العسكرية والملكية والقومية شرعيتها من مفهوم
السيادة الوطنية والحدود الموروثة عن سايكس بيكو، اعتبر خطاب الإخوان هذه الحدود
عوائق مصطنعة تقف في وجه وحدة الأمة. لم يكن هذا خلافا سياسيا عاديا حول سياسات
اقتصادية أو اجتماعية، بل كان صراعا وجوديا حول مصدر السلطة ومرجعيتها النهائية.
بفعل طول أمد الملاحقة الأمنية وتوالي المحن، تشكل لدى الجماعة وعي جمعي قائم على فكرة "الضحية الأبدية". ومع أن هذا الوعي ساعد في الحفاظ على تماسك القاعدة التنظيمية وولائها العاطفي، فإنه استنزف طاقة الجماعة في الدفاع عن مجرد البقاء
وقد أنتج
هذا التناقض البنيوي موجات قمع متلاحقة ومتصاعدة، امتدت من قرار حل الجماعة في مصر
عام 1948، مرورا بالمواجهات الدموية بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954، وصولا
إلى محاولات الاستئصال الشامل في سوريا (1982) والعراق. وفي كل مرة كانت الجماعة
تقترب فيها من التحول إلى فاعل سياسي مؤثر، كانت آلة القمع تنهض لاستئصالها أو
تحجيمها.
- البيئة
الدولية المعادية للمشاريع العابرة للحدود
لم تقتصر
المعوقات على الجبهة المحلية، فقد نظرت القوى الدولية الكبرى، شرقا وغربا، بقلق
مستمر إلى أي محاولة جادة لإعادة إحياء كتلة جيوسياسية إسلامية مستقلة يمكن أن
تعيد رسم توازنات القوة الموروثة عن الحرب العالمية الأولى. خشيت واشنطن وموسكو
ولندن وباريس من انعكاسات وحدة إقليمية على مصالحها الاستراتيجية، فأدى هذا التوجس
إلى دعم شبه دائم للأنظمة المركزية العلمانية والقومية بوصفها ضمانة لاستمرار
الوضع القائم.
وفي لحظات
مفصلية، مثل المواجهة بين الإخوان وعبد الناصر في الخمسينيات والستينيات، أو أثناء
الأزمة السورية في الثمانينيات، تلقّت الأنظمة الحاكمة دعما دوليا مباشرا أو غطاء
سياسيا مكّنها من تصفية خصومها. ساهم هذا الاصطفاف الدولي الضمني في إغلاق الأبواب
بإحكام أمام أي مشروع إسلامي عابر للحدود.
المظلومية
المزمنة واستنزاف الطاقة
بفعل طول
أمد الملاحقة الأمنية وتوالي المحن، تشكل لدى الجماعة وعي جمعي قائم على فكرة
"الضحية الأبدية". ومع أن هذا الوعي ساعد في الحفاظ على تماسك القاعدة
التنظيمية وولائها العاطفي، فإنه استنزف طاقة الجماعة في الدفاع عن مجرد البقاء،
وحال دون تفرغها لمراجعة فكرية جادة ومشاريع بناء إيجابي. تحولت الأولويات من
تطوير المشروع إلى حماية التنظيم، ومن الإنفاق على المؤسسات إلى الإنفاق على
الدفاع القانوني وإيواء المعتقلين وعائلاتهم، مما أضعف قدرة الجماعة على التحول
إلى بديل سياسي فعلي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.